تكريم المبدع  السعودي الرائد أحمد السلامة بالدار البيضاء

تكريم المبدع  السعودي الرائد أحمد السلامة بالدار البيضاء

في إطار السهرة الختامية لفعاليات الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي الذي نظمته مؤخرا جمعية آرت وايف بفندق كنزي تاور بمدينة الدار البيضاء  تحت شعار “الفن المعاصر وأبعاده الفكرية ” ، تم مؤخرا تكريم المبدع  السعودي الرائد د. أحمد السلامة صحبة فنانين مغاربة و عرب أشقاء : سفيان مرزا( العراق)، عماد خوري( فلسطين) ، د. كنزة الصحراوي ( تونس) ، سعيد كيحيا، ، لبابة لعلج ، الحيسن ابراهيم ،  بنيونس عميروش، نور الدين ضرار(المغرب).


رائد الأسلوب التنقيطي في المشهد التشكيلي العربي المعاصر
يُعدّ الدكتور أحمد السلامة من أبرز الفنانين التشكيليين في المملكة العربية السعودية، ومن الأسماء التي أسهمت في ترسيخ حضور الأسلوب التنقيطي داخل المشهد التشكيلي العربي المعاصر. فقد استطاع، عبر مسيرة فنية طويلة اتسمت بالبحث والتجريب، أن يطوّع مبادئ المدرسة التنقيطية بما يتلاءم مع خصوصية البيئة السعودية، وأن يمنحها بعدًا ثقافيًا وهوويًا يميز تجربته عن التجارب الغربية التي نشأت فيها هذه التقنية. ولم يكن توظيفه للنقطة اللونية مجرد استعادة لأسلوب فني تاريخي، بل جاء بوصفه رؤية تشكيلية معاصرة تعيد قراءة التراث السعودي من خلال لغة بصرية حديثة تجمع بين الدقة العلمية والحس الجمالي.


تلقى الدكتور أحمد السلامة تعليما فنيا متقدما مكّنه من الإحاطة بمختلف المدارس والاتجاهات الفنية، الأمر الذي انعكس بوضوح على تجربته الإبداعية. وقد شارك في العديد من المعارض المحلية والدولية، حيث حظيت أعماله باهتمام النقاد والباحثين لما تتضمنه من خصوصية تقنية وثراء بصري، مما جعله شخصية بارزة في الساحة التشكيلية السعودية والعربية. كما أسهم من خلال مشاركاته الأكاديمية والثقافية في التعريف بالفن السعودي وإبراز قدرته على التفاعل مع التيارات الفنية العالمية دون التفريط في مكوناته الحضارية الأصيلة.


وتتميز أعمال الدكتور أحمد السلامة باعتمادها المكثف على النقاط اللونية الدقيقة التي تشكل البنية الأساسية للوحة. فكل نقطة تؤدي وظيفة تشكيلية محددة داخل النسق العام للعمل، وتسهم في بناء العلاقات اللونية والضوئية التي تمنح الصورة حيويتها وعمقها. ومن خلال هذا التنظيم المحكم للنقاط، تتشكل مشاهد تستلهم العمارة التقليدية، والزي الشعبي، والزخارف الإسلامية، والبيئات الصحراوية، والعادات الاجتماعية، لتصبح اللوحة فضاءً بصريًا يستحضر الذاكرة الثقافية للمجتمع السعودي بأسلوب معاصر يجمع بين الأصالة والابتكار.
ويُعرف الأسلوب التنقيطي، أو التنقيطية (Pointillisme)، بأنه اتجاه فني ظهر في فرنسا خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ويُعد أحد أبرز امتدادات المدرسة الانطباعية الحديثة. وقد ارتبط هذا الاتجاه بأسماء فنية بارزة، وفي مقدمتها جورج سورا وبول سينياك، اللذان سعيا إلى تأسيس منهج علمي في بناء الصورة اعتمادًا على النظريات البصرية المتعلقة بإدراك اللون والضوء. وانطلقت هذه المدرسة من مبدأ أساسي يقوم على تجنب المزج التقليدي للألوان على سطح اللوحة، واستبداله بوضع نقاط صغيرة ومنتظمة من الألوان النقية جنبًا إلى جنب.


وتستند التنقيطية إلى مبادئ علم البصريات، إذ يعتمد الفنان على توزيع نقاط من الألوان الأساسية والثانوية وفق نظام مدروس، بحيث لا تختلط هذه الألوان ماديًا على سطح اللوحة، وإنما يحدث الامتزاج داخل عين المشاهد عند النظر إلى العمل من مسافة مناسبة. ونتيجة لذلك تتولد ألوان جديدة وإحساس أكبر بالإشراق والشفافية والاهتزاز الضوئي، وهو ما يمنح اللوحة حيوية بصرية يصعب تحقيقها بواسطة المزج التقليدي للألوان. فالمتلقي لا يرى النقاط منفصلة، بل يدركها كوحدة متكاملة تُكوّن الأشكال والأحجام والظلال والفضاءات.
ولا تقتصر أهمية التنقيطية على جانبها التقني فحسب، بل تمتد إلى بعدها الفكري والجمالي، إذ تقوم على رؤية تعتبر اللون عنصرًا مستقلًا يمتلك طاقة تعبيرية خاصة، وتمنح المشاهد دورًا فاعلًا في استكمال الصورة من خلال عملية الإدراك البصري. ومن هذا المنطلق، أصبحت اللوحة التنقيطية فضاءً للحوار بين الفنان والمتلقي، حيث تتكامل العملية الإبداعية عبر تفاعل العين مع الإيقاع اللوني الذي تنتجه النقاط المتجاورة.


وفي هذا السياق، نجح الدكتور أحمد السلامة في إعادة توظيف هذا الإرث الفني العالمي داخل بيئة عربية ذات خصوصية ثقافية، فحوّل النقطة اللونية إلى وسيلة للتعبير عن الهوية السعودية وقيمها الحضارية. ولم يعد التنقيط في أعماله مجرد تقنية للرسم، بل أصبح لغة تشكيلية متكاملة تُجسد العلاقة بين اللون والضوء والذاكرة والتراث، وتؤكد قدرة الفن السعودي المعاصر على استيعاب التجارب العالمية وإعادة إنتاجها برؤية محلية أصيلة. ومن خلال هذه التجربة، أسهم الدكتور أحمد السلامة في إثراء الحركة التشكيلية السعودية، وفتح آفاق جديدة أمام الفنانين الشباب لاستثمار الأساليب الفنية الحديثة في التعبير عن قضاياهم الثقافية والجمالية، بما يعزز مكانة الفن التشكيلي السعودي في المشهد الفني العربي والدولي.
حكاية المستشار أحمد السلامة، عرّاب المدرسة التنقيطية الحديثة
في عالم الفن التشكيلي، ثمة مبدعون لا يكتفون برسم اللوحات، بل يعيدون صياغة القوانين البصرية ويبتكرون رؤى جمالية جديدة. وفي طليعة هؤلاء الرواد يبرز اسم الفنان التشكيلي السعودي، الدكتور المستشار أحمد بن ناصر السلامة، الذي اختزل الكون في “نقطة”، وحوّل المساحات البيضاء إلى ملاحم بصرية تستحضر تفاصيل الأرض والإنسان والروح.
تبدأ حكاية هذا المبدع من قلب الطبيعة البكر في مدينة عرعر شمال المملكة العربية السعودية، حيث ولدت موهبته، وتغذت مخيلته على ملامح البيئة المحلية وتفاصيلها الجمالية، قبل أن ينتقل إلى العاصمة الرياض التي شهدت نضجه الفني وانطلاقته الاحترافية. فمنذ نعومة أظافره، قاده شغفه بالرسم إلى استكشاف تقنيات متعددة، بدءًا بالرسم بالفحم والألوان الزيتية، مرورا بالحرق على الخشب، وانتهاءً بفن المنمنمات الدقيقة، في رحلة طويلة من التجريب والبحث استمرت أكثر من خمسة وأربعين عامًا، كرّسها للإبداع والتطوير المستمر.
ولأن التميز الحقيقي يقوم على تجاوز المألوف، أسس المستشار أحمد السلامة، قبل نحو أربعة عقود، قواعد المدرسة التنقيطية الحديثة في المملكة العربية السعودية والوطن العربي، مستندًا إلى فلسفة فنية ورياضية عميقة تنطلق من إيمانه بأن النقطة تمثل أصل التكوين وبداية كل شيء في هذا الوجود. وقد بدأت تجربته بإبراز قيمتي الضوء والظل من خلال استخدام نقطة بلون واحد، قبل أن تتطور، برؤية إبداعية وهندسية دقيقة، إلى بناء لوحات تعتمد على آلاف النقاط متعددة الألوان، التي تتناغم فيما بينها لتشكّل فضاءات بصرية نابضة بالحياة، وتمنح العمل الفني عمقًا وإيقاعًا لونيًا استثنائيًا يأسر عين المتلقي ويحفز تأمله.
ولم يتوقف طموحه عند حدود تطوير هذا الأسلوب التشكيلي، بل امتد إلى ابتكار خط عربي جديد، وظفه بحرفية عالية داخل أعماله الفنية، في محاولة واعية لتعزيز حضور الهوية العربية والإسلامية، وإبراز القيمة الجمالية للحرف العربي بوصفه عنصرًا تشكيليًا قادرًا على التفاعل مع مختلف المدارس الفنية المعاصرة.
وقد أثمرت هذه المسيرة الإبداعية الاستثنائية رصيدًا فنيًا يتجاوز ثمانمائة لوحة، وثّقت جوانب متعددة من تاريخ المملكة العربية السعودية وثقافتها وتراثها الحضاري، وجسدت في الوقت ذاته رؤيته الخاصة للعلاقة بين الفن والهوية. ومن أبرز إنجازاته تحقيقه عددًا من الأرقام القياسية، من بينها إنجاز لوحة أسماء الله الحسنى بالخط العربي على مساحة بلغت عشرين مترًا مربعًا لصالح وزارة التعليم، في عمل جمع بين الإبداع التشكيلي والبعد الروحي والجمالي.
كما حظيت تجربته الفنية باهتمام وتقدير على المستوى الدولي، ولا سيما في النمسا، حيث نالت لوحته الشهيرة  »ثقافة الشعوب « إشادة واسعة، ووُثقت من قبل خمسة فنانين عالميين أكدوا فرادة تجربته وتميزها، معتبرين أنها تقدم معالجة بصرية غير مسبوقة في مجال الفن التنقيطي. وإلى جانب نشاطه التشكيلي، نجح في توظيف خبراته الفنية في مجالات التصميم والاستشارات الاستثمارية، مؤكدًا قدرة الفن على التفاعل مع مختلف الحقول الإبداعية والتنموية.
وحمل المستشار أحمد السلامة اسم المملكة العربية السعودية إلى العديد من المحافل الدولية، من خلال مشاركاته في معرض   »السعودية بين الأمس واليوم «  الذي جاب عددا من العواصم العالمية، ومهرجان نور للثقافة والفنون بمدينة الرياض، إضافة إلى معرض قافلة التسامح العالمي في دبي، حيث حظيت أعماله بحضور لافت، ودخل عدد منها إلى المزادات الفنية العالمية، في تأكيد جديد على القيمة الفنية التي بلغتها تجربته.
وهكذا يظل المستشار الدكتور أحمد بن ناصر السلامة واحدا من أبرز رموز الفن التشكيلي السعودي المعاصر، وصاحب مشروع فني متفرد أسهم في ترسيخ المدرسة التنقيطية الحديثة عربيًا، وأثبت أن الفن الأصيل قادر على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وأن لغة الإبداع العالمية قد تبدأ من نقطة صغيرة، لكنها تنتهي إلى أثر خالد في ذاكرة الفن والإنسان.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *