تكريم الفنان التشكيلي والناقد الفني بنيونس عميروش بالدار البيضاء

تكريم الفنان التشكيلي والناقد الفني بنيونس عميروش بالدار البيضاء

في إطار السهرة الختامية لفعاليات الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي الذي نظمته مؤخرا جمعية آرت وايف بفندق كنزي تاور بمدينة الدار البيضاء  تحت شعار “الفن المعاصر وأبعاده الفكرية ” ، تم مؤخرا تكريم الفنان التشكيلي والناقد الفني  بنيونس عميروش  صحبة فنانين مغاربة و عرب أشقاء : د. أحمد سلامة ( السعودية) ، سفيان مرزا( العراق)، عماد خوري( فلسطين) ، د. كنزة الصحراوي ( تونس) ، سعيد كيحيا، الحيسن ابراهيم، لبابة لعلج ، نور الدين ضرار(المغرب).


مسار فني ونقدي في خدمة التشكيل المغربي
يعد بنيونس عميروش، المزداد بمدينة وجدة سنة ألف وتسعمائة وستين، من أبرز الأسماء المغربية التي جمعت بين الإبداع التشكيلي، والنقد الفني، والبحث الأكاديمي، والعمل التربوي والثقافي. وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، أسهم في ترسيخ الخطاب النقدي للفنون التشكيلية بالمغرب، وأغنى المكتبة العربية بعدد من المؤلفات المرجعية في تاريخ الفن والجماليات والدراسات البصرية.
اشتغل أستاذا للفنون التشكيلية بين سنتي ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين وألفين وتسعة، قبل أن يتولى مهام التفتيش التربوي والتنسيق الجهوي للفنون التشكيلية والفنون التطبيقية بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدار البيضاء – سطات، حيث ساهم في تطوير تدريس التربية التشكيلية.
كما راكم تجربة جامعية متميزة، إذ درّس تاريخ الفن والجماليات بالمدرسة العليا للأساتذة بمكناس، وبكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة مولاي إسماعيل، ويواصل منذ سنة ألفين واثنين وعشرين التدريس بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إضافة إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، في مسالك متخصصة في الثقافة الفنية والسيميولوجيا.


وتولى رئاسة الجمعية المغربية للنقد الفني، كما انخرط في عدد من الهيئات الثقافية والمهنية، من بينها اتحاد كتاب المغرب، والجمعية المغربية للفنون التشكيلية، والنقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين، ومراكز بحث متخصصة في الفنون والسينما والفوتوغرافيا.
وعلى المستوى التشكيلي، نظم أول معرض فردي سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين، وشارك في معارض وتظاهرات فنية داخل المغرب وخارجه، شملت فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وتونس، ونال سنة ألف وتسعمائة وستة وتسعين جائزة لجنة التحكيم في الدورة السادسة للصالون الدولي للفن المعاصر حول الموسيقى بمدينة سان بارتيليمي دانجو الفرنسية.


كما عرف بحضوره المنتظم في الندوات والمؤتمرات العلمية، ونشر العديد من الدراسات والمقالات في الصحافة المغربية والعربية والدولية، إلى جانب عضويته في هيئات تحرير مجلات متخصصة في الفنون.
ويحتل التأليف مكانة بارزة في مسيرته، حيث أصدر مجموعة من الكتب المرجعية، من أبرزها: “قراءات في التصوير المغربي المعاصر” سنة ألفين وخمسة عشر، و*”مسالك البصري: مرجعيات ورهانات الفن المعاصر”* سنة ألفين وواحد وعشرين، و*”أوراق الكفاف: الذات والفن والقناع”* سنة ألفين واثنين وعشرين، و*”التمثيل ومفارقاته: حالة التشكيل المغربي”، و”النحت الصرحي في العالم العربي: حدود التجسيم في الفضاء العمومي”* سنة ألفين وأربعة وعشرين، والذي أدرج ضمن القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها عشرين، ثم كتاب “رحلة الضوء: الاستشراق التصويري في جنوب المتوسط” سنة ألفين وستة وعشرين.
وتجسد تجربة بنيونس عميروش نموذجا للمثقف الذي جمع بين الإبداع التشكيلي، والنقد الفني، والبحث الأكاديمي، والعمل التربوي، وأسهم في بناء خطاب نقدي مغربي معاصر، جعل من مؤلفاته مرجعا أساسيا للباحثين والمهتمين بالفنون البصرية، وأسهم في تطوير الدراسات المرتبطة بتاريخ الفن وجماليات الصورة.


كلمة  الدكتور أحمد لطف الله في حق بنيونس عميروش
بنيونس عميروش، فنان تشكيلي وباحث جمالي، ولذلك فهو باحث في إبداعه الفني في مجال فن التصوير، وفنان في لغته النقدية. وهو واحد من المؤسسين لخطاب النقد الفني العربي في المغرب، إلى جانب آخرين طبعا، وقد لمستُ جديته في العمل عن قرب حينما اشتغلت معه في الجمعية المغربية للنقد الفني سابقا، وفي جمعية ألف للثقافة والتنمية حاليا.
ومعلوم أن الفنان المغربي بنيونس عميروش يزاوج ما بين الممارستين الإبداعية والنقدية في مجال الفنون التشكيلية والبصرية. ففي الممارسة الأولى عرف منجزُه الإبداعي تحولات أساسية منذ ثمانينيات القرن الماضي، تتجسّد في صيغة مراحل فنية، حيث تحمل كل مرحلة وسْمها الجمالي الخاص، ورؤيتَها الفنية النابعة من قناعة فكرية ووجدانية بضرورة التحول والانتقال بما يضمن الحياة والحيوية للعمل الفني. أما بالنسبة لانشغالاته النقدية فعميروش، فضلا عن تناوله مختلف القضايا والإشكالات الفنية الراهنة، فهو يشتغل في أفق تحليل العمل الفني وتقديم قراءة بصرية بأدوات النقد الفني لأعمال تنتمي لفنون التصوير، النحت، المعمار، الفوتوغرافيا، ومختلف منجزات الفن المعاصر. وهي قراءة عملية تستمد قوتها من الارتباط بالعمل الفني المدروس ومسار الفنان الذي أبدَعهُ، والابتعاد عن التهويم والتحليق الفكري في سماء محايثة للفن.


بعدما عاركَ الجسد في المراحل الأولى من اشتغاله الفني، فأنتج أعمالا فنية تنهل جماليتها من تركيب أشكال عضوية وتقديمها بألوان باذخة طبيعية تبوح بمرحلة حياتية “وردية” كان يعيشها الفنان في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أقدم خلال العقد الأول من هذه الألفية، على مغامرة جمالية جديدة عبر تجربة الاشتغال على “الذاكرة”، والامتداد في أقاصي الذات، وسبر مخزونها من “الحنين” الذي يمنح هذا الأفق مساحات هائلة من التأمل، عبر أسانيد ماضوية، حفّزت الرغبة لدى الفنان عميروش في تحديثها، ومنحها زمنا جديدا، حيثُ تطل علينا من وراء تلك اللمسات اللونية اللَّيِّنة ملامحُ وجوهِ الأغنية الفرنسية الكلاسيكية، ووجوه شخوص لامعة في مجال السينما والفن. مما يجعلنا نقتنع أن الفنان يريد أن يمزج –على حد تعبير الشاعر إليوت- الذكرى بالرغبة. إنه التوق إلى الصور القديمة والرغبة في تحويل حِقبها الفنية، وترسيخ صلاحيتها الإبداعية لكل زمان ومكان. أو هو ذلك الحافز الباطني الفطري الذي حرّك دواخل الفنان بنيونس عميروش لتقديم الذاكرة في حلّة فنية. في حين اشتغل في أعماله الأخيرة على ذاكرة مدن بعينها، عبر استخلاص ملامحها برؤية تعبيرية اختزالية تعمل على استرجاع تلك العلاقة العضوية بين التصوير والعمارة.
وعلى الرغم من أنه خصّص جهداً كبيرا في قراءة الأعمال التصويرية والبحث في القضايا النظرية لفن التصوير La peinture إلا أن هاجس البحث في فن النحت ظل يلازمه منذ عقود، وقد أصدر في هذا المجال مؤخرا كتابا يحمل عنوان “النحت الصرحي”، كما أن دراساته العميقة حول المعمار تعبر عن وعيه بأن الفن التشكيلي كلٌّ لا يتجزأ.


وفي كتاباته نجد تأسيسا مُحكما لمفهوم القراءة البصرية الجمالية لفن التصوير، وقد عالج فيها العديد من الأسئلة والمفاهيم والقضايا التشكيلية انطلاقا من تجارب الرواد إلى الأساليب التعبيرية اللاحقة، مبرزا التطورات والمنعطفات التي واكبت مسار المشهد التشكيلي المغربي. كما أنه تعرّض لأهم القضايا الفكرية والجمالية المرتبطة بفن التصوير، ولكيفية تكوُّن بعض المفاهيم في رحم الفن، من قبيل الحداثة والمعاصرة وما بعد الحداثة، بتحديد المرجعيات الفلسفية والفكرية لكل مفهوم، ومسار نضج بعضها في حقل النقد الفني.

 

 

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *