تكريم الرسام و النحات الفلسطيني عماد خوري بالدار البيضاء

تكريم الرسام و النحات الفلسطيني عماد خوري بالدار البيضاء

في إطار السهرة الختامية لفعاليات الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي الذي نظمته مؤخرا جمعية آرت وايف بفندق كنزي تاور بمدينة الدار البيضاء تحت شعار “الفن المعاصر وأبعاده الفكرية ” ، تم مؤخرا تكريم الرسام و النحات الفلسطيني عماد خوري صحبة فنانين مغاربة و عرب أشقاء : د. أحمد السلامة  (السعودية)،  سفيان مرزا( العراق) ، د. كنزة الصحراوي ( تونس) ، سعيد كيحيا، ، لبابة لعلج ، الحيسن ابراهيم ،  بنيونس عميروش، نور الدين ضرار(المغرب).


تجليات الروح وجماليات الحجر في التشكيل المعاصر
في فضاء الفن التشكيلي، يختار بعض المبدعين أن يجعلوا من أعمالهم اللغة الأكثر صدقًا للتعبير عن ذواتهم، فلا يراهنون على الحضور الإعلامي بقدر ما يراهنون على قوة المنجز الفني وقدرته على مخاطبة الوجدان الإنساني. ومن بين هذه النماذج الإبداعية الرفيعة يبرز اسم الفنان الفلسطيني عماد خوري، الرسام والنحات الذي استطاع، عبر مسيرة فنية امتدت لعقود، أن يؤسس تجربة تشكيلية ذات خصوصية جمالية وفكرية، جعلت منه أحد أبرز وجوه الفن الفلسطيني المعاصر، وأحد الرواد المؤسسين لرابطة الفنانين التشكيليين العرب.


وُلد الفنان عماد خوري في قرية أبو سنان الفلسطينية، حيث تشكلت ملامح وعيه الأول في بيئة غنية بقيمها الإنسانية وتراثها الحضاري، قبل أن يصقل موهبته بالدراسة الأكاديمية في كلية الجليل الغربي، التي وفرت له الأسس النظرية والتقنية اللازمة لتطوير تجربته الفنية. ومنذ بداياته، أدرك أن الفن ليس مجرد ممارسة جمالية، بل هو موقف ثقافي ورسالة إنسانية، لذلك اختار أن يبني مشروعه الإبداعي بعيدًا عن ضجيج الشهرة، معتمدًا على العمل الجاد والبحث المستمر، حتى أصبح اسمه مرادفًا للرصانة والاحتراف داخل المشهد التشكيلي الفلسطيني والعربي.
تقوم تجربة عماد خوري على رؤية فنية تتجاوز حدود التمثيل الواقعي، لتلامس الأبعاد الروحية والرمزية للوجود. وتنعكس هذه النزعة التأملية بوضوح في أعماله التشكيلية، التي تتسم بحس صوفي رقيق، وبقدرة استثنائية على تحويل المادة إلى فضاء للتأمل. ويُعد معرضه» التجلي «أحد أبرز المحطات في مسيرته الفنية، إذ قدم من خلاله مشروعًا بصريًا متكاملاً امتزجت فيه اللوحة والمنحوتة مع الموسيقى البيزنطية في تجربة متعددة الحواس، جعلت المتلقي يعيش حالة من الانسجام بين الصورة والصوت، وبين الكتلة والفراغ، وبين المادة والروح. ولم يكن هذا التداخل بين الفنون مجرد خيار جمالي، بل كان تعبيرًا عن رؤية فلسفية تعتبر الفن لغةً كونية تتجاوز الحدود الثقافية واللغوية.
ويحتل فن النحت مكانة مركزية في تجربة عماد خوري، ولا سيما النحت على الحجر، وهو من أكثر الفنون التشكيلية تعقيدًا لما يتطلبه من معرفة دقيقة بخصائص المادة، ومن صبر طويل ودقة متناهية في التنفيذ. غير أن الفنان استطاع أن يحول هذا التحدي التقني إلى مساحة للإبداع، فبدت منحوتاته وكأنها نتاج حوار هادئ بين الإنسان والحجر، حيث تتراجع صلابة المادة أمام حساسية الفنان، فتولد أشكال نابضة بالحياة، تحمل في تفاصيلها قيم الحرية، والكرامة، والسلام، والانتماء. ومن خلال إزميله، لا يكتفي خوري بتشكيل الكتلة، بل يعيد اكتشاف الطاقة الكامنة داخلها، لتصبح المنحوتة خطابًا بصريًا يختزل التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من ألم وأمل.


أما في مجال الرسم، فتتسم أعماله بتوازن دقيق بين البناء التشكيلي والبعد التعبيري، حيث تتداخل الخطوط والإيقاعات اللونية في تكوينات تستلهم الذاكرة الفلسطينية، وتستحضر المكان بوصفه حاملاً للهوية والتاريخ. فلا تنفصل الطبيعة في أعماله عن الإنسان، ولا تنفصل الرموز البصرية عن سياقاتها الحضارية، بل تتوحد جميعها داخل رؤية فنية تؤمن بأن الجمال فعل مقاومة ثقافية، وأن الإبداع وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية في مواجهة محاولات الطمس والنسيان.
وقد تجسد هذا الحضور الفني في مشاركاته الواسعة داخل فلسطين وخارجها، إذ شارك في معارض جماعية ومنتخبة احتضنتها مراكز ثقافية وفنية في كفر ياسيف، والناصرة، وحيفا، وتل أبيب، حيث قدم أعمالاً عكست ثراء التجربة الفلسطينية وتنوعها الجمالي. كما حمل فنه إلى فضاءات عربية ودولية، فشارك في مهرجان شرم الشيخ الدولي بجمهورية مصر العربية، إضافة إلى معارض أُقيمت في الأردن والضفة الغربية وعدد من العواصم الأوروبية، ليصبح سفيرًا للثقافة الفلسطينية، ومسهمًا في ترسيخ حضور الهوية العربية داخل المشهد التشكيلي العالمي.
وتتجاوز أهمية تجربة عماد خوري حدود الإنجاز الفردي، لتغدو نموذجًا للفنان الذي يجعل من الإبداع مشروعًا حضاريًا وإنسانيًا. فهو لا ينحت الحجر فحسب، بل ينحت الذاكرة، ولا يرسم أشكالًا صامتة، بل ينسج سرديات بصرية تعبر عن الإنسان والأرض والزمان. ولذلك اكتسبت أعماله بعدًا توثيقيًا وجماليًا في آن واحد، يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين المرجعية المحلية والبعد الكوني.
إن مسيرة الفنان عماد خوري تجسد نموذجًا فريدًا للفنان المهني الذي آمن بأن القيمة الحقيقية للعمل الفني تكمن في عمقه الإنساني، لا في صخبه الإعلامي. ومن خلال إخلاصه للفن، وقدرته على تطويع الحجر واللون في خدمة رؤية جمالية متكاملة، استطاع أن يرسخ مكانته بين أبرز الفنانين الفلسطينيين المعاصرين، وأن يترك إرثًا بصريًا يخلد الذاكرة الفلسطينية، ويؤكد أن الإبداع الأصيل يظل قادرًا على الانتصار للجمال، وصون الهوية، وإضاءة المستقبل مهما اشتدت التحديات.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *