تكريم المبدعة التونسية كنزة الصحراوي بالدار البيضاء
في إطار السهرة الختامية لفعاليات الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي الذي نظمته مؤخرا جمعية آرت وايف بفندق كنزي تاور بمدينة الدار البيضاء تحت شعار “الفن المعاصر وأبعاده الفكرية ” ، تم مؤخرا تكريم المبدعة التونسية كنزة الصحراوي صحبة فنانين مغاربة و عرب أشقاء : د. أحمد سلامة ( السعودية) ، سفيان مرزا( العراق)، عماد خوري( فلسطين) ، سعيد كيحيا ، بنيونس عميروش، الحيسن ابراهيم، لبابة لعلج ، نور الدين ضرار (المغرب).

التناغم بين الفن وبناء الإنسان
في المشهد الثقافي والتنموي التونسي المعاصر، تبرز شخصيات استطاعت أن تصنع لنفسها حضورا نوعياً من خلال الجمع بين التميز المعرفي والإبداع الفني، وأن تؤسس لمسارات مهنية تتقاطع فيها الثقافة بالتنمية، والفن بالتكوين، والهوية بالحداثة. وفي مقدمة هذه النماذج النسائية الملهمة تأتي الدكتورة كنزة الصحراوي بن يحيى، التي استطاعت أن تبني تجربة متفردة قوامها الإيمان بأن الثقافة ليست فعلاً جمالياً معزولاً، وإنما هي رافعة للتنمية الإنسانية، وأداة لبناء الفرد وتعزيز قيم الانتماء والإبداع.

تمثل الدكتورة كنزة الصحراوي نموذجاً للمرأة المثقفة التي نجحت في توظيف خبراتها الأكاديمية والإدارية لخدمة المجتمع، حيث تتولى إدارة المركز الثقافي والتكويني “سمارت واي كونسلتينغ“ بتونس، واضعةً نصب عينيها مشروعاً معرفياً يهدف إلى الارتقاء بالكفاءات البشرية، وتطوير مهارات الشباب، وتأهيلهم لمواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات التعليم والتواصل والقيادة وريادة الأعمال. ومن خلال هذا الفضاء التكويني، تشرف على إعداد وتنفيذ برامج تدريبية متخصصة تجمع بين الأسس العلمية والتطبيقات العملية، وتستجيب لاحتياجات مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية، بما يسهم في ترسيخ ثقافة التعلم المستمر باعتبارها أحد أهم مرتكزات التنمية المستدامة.
ولا تنحصر إسهاماتها في الجانب الإداري، بل تمتد إلى ميدان التأطير والتدريب، حيث تُعرف بمحاضراتها وورشاتها في مجالات التنمية البشرية، وبناء الذات، والقيادة، وتنمية المهارات الشخصية والمهنية. وتنطلق في ذلك من رؤية إنسانية تعتبر أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان، وأن تطوير القدرات الذهنية والسلوكية يشكل المدخل الأساسي لتحقيق النجاح الفردي والجماعي. لذلك تسعى، من خلال مختلف برامجها، إلى مرافقة الأفراد في اكتشاف إمكاناتهم الكامنة، وتعزيز الثقة بالنفس، وترسيخ ثقافة المبادرة والإبداع، بما يجعل من التدريب وسيلة لإحداث تغيير إيجابي ومستدام في المجتمع.
غير أن شخصية الدكتورة كنزة الصحراوي لا تكتمل ملامحها إلا من خلال علاقتها العميقة بالفن، ولا سيما الموسيقى، التي تمثل بالنسبة إليها لغة إنسانية عالمية تحفظ الذاكرة الجماعية وتُغذي الوجدان. وانطلاقاً من هذا الوعي الثقافي، أسست مجموعة “اتفنن“ للغناء، التي تتولى قيادتها والإشراف على توجهها الفني، واضعة نصب أعينها هدفاً يتمثل في صون التراث الموسيقي التونسي والعربي، وإعادة تقديمه برؤية معاصرة تحافظ على أصالته وتُبرز قيمته الحضارية.

وقد استطاعت هذه المجموعة، بفضل جودة اختياراتها الفنية ومستوى أدائها، أن تحجز لنفسها مكانة متميزة داخل الساحة الثقافية، من خلال تقديم عروض موسيقية تستلهم روائع الطرب الأصيل، وتستحضر جماليات الموروث الغنائي التونسي والعربي، في توازن دقيق بين الوفاء للتراث والانفتاح على الذائقة الفنية المعاصرة. وتتميز هذه التجربة بكونها لا تقتصر على الأداء الموسيقي في حد ذاته، بل تنظر إلى الفن باعتباره وسيلة لترسيخ الهوية الثقافية، وتعزيز الحوار الحضاري، وإحياء الذاكرة الجماعية للأمة.
وقد انعكس هذا الحضور الفني في مشاركة الدكتورة كنزة الصحراوي ومجموعة “اتفنن“ في العديد من التظاهرات الثقافية والفكرية، حيث كانت ضيفة شرف في عدد من الملتقيات والصالونات الأدبية، من بينها صالون الشجرة الثقافي بمدينة أكودة، الذي يجمع بين الفكر والأدب والفنون في فضاء واحد، فتتداخل فيه الكلمة مع النغم، ويتحول الفن إلى لغة للحوار والتواصل بين م
ختلف الحساسيات الثقافية. وفي مثل هذه المناسبات، تؤكد حضورها باعتبارها مثقفة تؤمن بوحدة الفنون، وبقدرة الموسيقى على مرافقة الفكر وإثراء التجربة الإنسانية.
وتكشف تجربة الدكتورة كنزة الصحراوي بن يحيى عن وعي عميق بالدور الحضاري للمثقف في المجتمع، فهي لا تفصل بين العمل الثقافي والعمل التنموي، بل تنظر إليهما باعتبارهما وجهين لمشروع إنساني واحد، قوامه بناء الإنسان، وصيانة الهوية، والانفتاح على قيم الإبداع والابتكار. ومن هذا المنطلق، استطاعت أن تجعل من مسيرتها المهنية والفنية نموذجاً للتكامل بين المعرفة والممارسة، وبين الفكر والفن، وبين القيادة الثقافية والعمل المجتمعي.
إن مسيرة الدكتورة كنزة الصحراوي بن يحيى تمثل نموذجا مضيئاً للمرأة العربية المعاصرة التي تؤمن بأن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدوداً، وأن الثقافة والفنون والتكوين تشكل منظومة متكاملة قادرة على صناعة التغيير الإيجابي. ولذلك استحقت أن تكون إحدى الشخصيات المؤثرة في المشهد الثقافي والتنموي التونسي، بما تقدمه من مبادرات نوعية، وما تتركه من أثر إنساني ومعرفي وجمالي يتجاوز حدود المؤسسات التي تديرها، ليصبح جزءاً من مشروع ثقافي يسعى إلى بناء مجتمع أكثر وعياً، وأكثر ارتباطاً بقيم المعرفة، والجمال، والهوية، والتنمية المستدامة.
