تكريم الفنان التشكيلي والناقد الفني الحيسن إبراهيم بالدار البيضاء
في إطار السهرة الختامية لفعاليات الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي الذي نظمته مؤخرا جمعية آرت وايف بفندق كنزي تاور بمدينة الدار البيضاء تحت شعار “الفن المعاصر وأبعاده الفكرية ” ، تم مؤخرا تكريم الفنان التشكيلي والناقد الفني الحيسن إبراهيم صحبة فنانين مغاربة و عرب أشقاء : د. أحمد سلامة ( السعودية) ، سفيان مرزا( العراق)، عماد خوري( فلسطين) ، د. كنزة الصحراوي ( تونس) ، سعيد كيحيا، ، لبابة لعلج ، بنيونس عميروش، نور الدين ضرار(المغرب).

باحث في جماليات الثقافة الحسانية وناقد للفنون البصرية
يُعد الحيسن إبراهيم، المزداد بمدينة الطنطان سنة 1967، من أبرز الأسماء المغربية التي جمعت بين الفن التشكيلي، والإشراف التربوي أستاذًا ومفتشًا، والبحث الأكاديمي، والنقد الفني، والدراسات الأنثروبولوجية المرتبطة بالثقافة الحسانية. ومنذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، اشتغل على مشروع فكري يجمع بين الفنون البصرية والتراث اللامادي، مع اهتمام خاص بجماليات المجتمع الصحراوي، وقضايا الفن العربي المعاصر، والتربية الجمالية.
يشغل الحيسن إبراهيم منصب الكاتب العام لاتحاد كتاب المغرب فرع العيون، ويرأس جمعية أصدقاء متحف الطنطان للتراث والتنمية الثقافية، كما أشرف على تنظيم العديد من المعارض والملتقيات الفكرية والثقافية.

شارك في معارض وطنية ودولية، ونال عدة جوائز مرموقة، أبرزها جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي ثلاث مرات متتالية، عن بحوثه حول الفن التشكيلي المغربي والفن العربي المعاصر، كما تُوج بـ جائزة المغرب للكتاب عن مؤلفه «الكاريكاتير في المغرب».
ومنذ سنة 1999، راكم رصيدا علميا غنيا يضم عشرات المؤلفات في أربعة مجالات رئيسية: النقد التشكيلي والفنون البصرية، والتربية الجمالية، والثقافة الحسانية والأنثروبولوجيا الثقافية، إلى جانب اهتمامه بالكتابة الرياضية.
ومن أبرز مؤلفاته: «دراسات في الفن التشكيلي»، و«الجمالية والإيديولوجيا»، و«التشكيل العربي الراهن»، و«الكاريكاتير في المغرب»، و«الفن التشكيلي المعاصر: صدمة الراهن»، و«الفوتوغرافيا المعاصرة»، و«وجوه ترانا»، إضافة إلى أربعة مؤلفات صدرت سنة 2026.
وفي مجال التربية الفنية، أصدر كتبًا مرجعية، من بينها «ديداكتيك التربية التشكيلية: دليل المدرس»، و«التربية على الفن»، و«الفن والتكنولوجيا».
أما في الثقافة الحسانية، فقد أنجز مؤلفات بارزة، منها «التراث الشعبي الحساني»، و«الثقافة والهوية بالصحراء»، و«الشعر الشعبي الحساني»، و«موسيقى الصحراء»، و«جماليات من الصحراء: مقاربة إستتيقية ».
كما وسّع دائرة اهتماماته لتشمل الكتابة الرياضية، حيث أصدر سنة 2026 كتاب «جماليات من الصحراء – مقاربة إستتيقية»، في تجربة تعكس تنوع اهتماماته الفكرية والثقافية.

ويُعد الحيسن إبراهيم اليوم من أبرز الباحثين المغاربة الذين أسهموا في ربط النقد الفني بالثقافة الحسانية، من خلال مشروع علمي وثقافي متواصل، أغنى المكتبة المغربية والعربية، وجعل من الفن والتراث مجالًا للبحث والتأمل وإنتاج المعرفة.

كلمة الدكتور حسن لغدش : حين يصير الأثرُ لغةً، والثقافةُ رسالةً، والجمالُ سيرةَ حياة
ليست بعض الأسماء مجرد علامة تعريف، وإنما تتحول، مع الزمن، إلى مشروع ثقافي ورمز معرفي. هكذا يبدو اسم إبراهيم الحيسن؛ إذ تستدعي رمزية “إبراهيم” معنى التأسيس والبناء والوفاء للعهد، بينما يحيل “الحيسن” إلى أفق الحُسن بما هو قيمة جمالية وأخلاقية تتجاوز حدود اللفظ لتستقر في الممارسة والإبداع. لذلك يغدو الاسم، في تجربته، عنوانًا لمسار جمع بين المعرفة والفن والالتزام الثقافي، حتى أصبح حضوره مرادفًا لثقافة الأثر، وللإنصات العميق لذاكرة المكان والإنسان.
لقد راكم إبراهيم الحيسن تجربة فكرية وجمالية استثنائية، من خلال إصدارات نقدية متعددة قاربت المنجز التشكيلي المغربي والعربي بمداخل غير مألوفة، اتسمت بقدرتها على الجمع بين التحليل الفلسفي والرؤية الجمالية والقراءة الثقافية. فهو لم يتعامل مع العمل التشكيلي بوصفه موضوعًا بصريًا فحسب، بل باعتباره نصًا ثقافيًا مفتوحًا، تتقاطع داخله الذاكرة والهوية والتاريخ والرمز، مما منح كتاباته طابعًا تأويليًا يثري التفكير في الفن أكثر مما يكتفي بوصفه.
وفي المقابل، ظل التراث الحساني، المادي منه واللامادي، أحد أهم مرتكزات مشروعه البحثي؛ إذ أنجز دراسات رصينة استنطقت الموروث الصحراوي بوصفه خزانًا للمعاني والقيم الجمالية، بعيدًا عن النظرة الفولكلورية أو التوثيقية الضيقة. لقد أعاد قراءة الأثر الحساني باعتباره فلسفة للعيش ونسقًا رمزيًا ينتج أشكالًا من الجمال والمعرفة، مؤكدًا أن الثقافة الحسانية ليست هامشًا في الهوية المغربية، بل أحد روافدها الكبرى وامتداداتها العربية والإفريقية.
أما في تجربته التشكيلية، فقد نجح في تحويل الصحراء من فضاء جغرافي إلى أفق بصري وفلسفي، حيث يغدو اللون الصحراوي حاملًا لذاكرة الزمن، وتتحول آثار الرمال والكتابات والخامات إلى علامات وجودية تستدعي الإنسان والمكان معًا. إن أعماله لا تستنسخ الطبيعة، بل تستبطن روحها، وتعيد إنتاجها بلغة تشكيلية تحتفي بالأثر باعتباره ذاكرة، وباللون باعتباره هوية، وبالفراغ باعتباره مجالًا للتأمل.

ولم يقف عطاؤه عند حدود البحث والإبداع، بل امتد إلى الفعل الثقافي والتربوي، حيث أسهم في تنشيط الحياة الجمعوية، وتنظيم الندوات والملتقيات والمعارض، وفتح فضاءات للحوار بين الفنانين والباحثين، إيمانًا منه بأن الثقافة ممارسة مجتمعية قبل أن تكون إنتاجًا معرفيًا. كما كان حضوره في مجال التربية الفنية نموذجًا للمؤطر الذي يرى في الفن وسيلة لبناء الذوق، وتربية الحس النقدي، وتنمية قيم المواطنة والانفتاح.
إن الحديث عن إبراهيم الحيسن هو حديث عن شخصية نجحت في الجمع بين الباحث الذي يحفر في طبقات المعنى، والفنان الذي يكتب بالرمل واللون، والمثقف الذي يؤمن بأن المعرفة مسؤولية، وبأن الثقافة فعل تنويري يربط الماضي بالمستقبل. لذلك يستحق أن يُنظر إليه بوصفه أحد الوجوه التي أسهمت في ترسيخ النقد الجمالي المغربي، وفي صون الذاكرة الحسانية، وفي إثراء المشهد التشكيلي والثقافي المغربي، عبر مشروع متكامل تتجاور فيه الكتابة والإبداع، والتأمل والممارسة، والأثر والحياة.

إن شهادة في حق إبراهيم الحيسن ليست مجرد احتفاء بمسار فردي، بل هي اعتراف بقيمة مشروع ثقافي وجمالي جعل من الفن أفقًا للتفكير، ومن التراث منبعًا للتجديد، ومن الثقافة رسالةً إنسانيةً تؤمن بأن الأثر الحقيقي ليس ما يبقى في الحجر وحده، وإنما ما يظل حيًا في الذاكرة والوجدان، وما يتركه الإنسان من بصمة معرفية وجمالية في زمنه.
