السيرة الإحسانية للفلسفة الائتمانية. طه عبد الرحمن بين التصوف المصرَّح والفلسفة المؤسِّسة

السيرة الإحسانية للفلسفة الائتمانية. طه عبد الرحمن بين التصوف المصرَّح والفلسفة المؤسِّسة

مقدمة حول مدخل الإشكال: صوفيّة مضمَرة أم فلسفة متغذّية من التصوف؟
أثار اخي الدكتور رفيق في الورقة الصوتية اشكاليات مهمة وجوهرية تترتبط بالمعايير التقدير والتقييم للسيرة الفلسفية ..وهي اشكاليات تفرض علي العودة الى الكتاب لاستنطاقه قبل اي تقاسم بخصوصها .. ولنا عودة اذا تيسر الامر وفي طي الورقة الصوتية اثار الدكتور رفيق سؤالًا مركزيًا اخر حول طبيعة مشروع طه عبد الرحمن: هل هو في الجوهر مشروع صوفي يخفي خلفه تراثًا عرفانيًا، أم مشروع فلسفي مستقلّ يتغذّى من هذا التراث؟ وتفرّع عن ذلك سؤالٌ آخر: هل يصرّح طه بما يكفي بتموضعه الصوفي والإحساني، أم أنه يكتفي باستلهامٍ ضمنيٍّ لا يوضِّح العلاقة بين الفلسفي والصوفي والعرفاني؟
هذا السؤال مشروع؛ لأنه يطلب وضوح التموضع المرجعي مبدئيا في كل مشروع وانا اتفق مع الدكتور في هذا ، ليكون التفاعل على بينة كما من حق القارئ والناقد أن يعرف من أين يستمدّ المشروع لغته ومفاهيمه.
1.طه عبد الرحمن يصرح بلا مزيد عليه بمرجعياته وهويته في سيرته وقوله الفلسفي :
في ضوء قراءة متأنية لـ”العمل الديني وتجديد العقل” و”روح الدين” و”دين الحياء”، يتبيّن أن طه لا يخفي تموضعه الصوفي ولا الإحساني، بل يصرّح به ويُدخله في صلب جهازه الفلسفي، وأن مشروعه، لذلك، أدقّ ما يكون إذا وصفناه بأنه “فلسفة إسلامية ائتمانية ذات جذور إحسانية وصوفية”، لا مجرد مشروع صوفي ولا فلسفة منبتّة عن هذا الجذر.
2. العقل المؤيَّد: إعلان صريح عن البصيرة العرفانية في “العمل الديني وتجديد العقل” (يُعد هذا الكتاب أحد أعمدة المشروع الفكري لطه عبد الرحمن، حيث يسعى من خلاله إلى تأسيس منظور للعقل يستند إلى معطيات الحضارة الإسلامية وتجربتها العملية، مقدماً نقداً للمنظور الغربي المجرد للعقل.)
يبني طه في هذا الكتاب صرحًا ثلاثيًّا للعقل: العقل المجرد، العقل المسدَّد، ثم العقل المؤيَّد. هذا التقسيم ليس تقنية فلسفية باردة؛ بل يرتبط مباشرة بتجربة الإيمان والتزكية:
– **العقل المجرد** هو عقل يعتمد على الحواس والقواعد المنطقية، وينفصل عن العمل الديني، فيقع في آفات الظن والهوى.
– **العقل المسدَّد** هو عقل يتقوَّم بالوحي والشرع، لكنه قد يبقى في حدود الظاهر إذا لم يتصل بالتزكية العميقة.
– **العقل المؤيَّد** هو أرقى درجات العقل عند طه؛ وهو عقلٌ منفتح على “الإشراق الإلهي”، مستمدٌّ من “التأييد الإلهي” الذي يتلقاه المؤمن الممارس للعمل الديني بصدق، حيث تصبح التجربة الإيمانية الحية شرطًا في بلوغ هذه المرتبة العقلية.
هذا الوصف يعلن بوضوح أن العقل المؤيَّد ليس عقلًا نظريًا مجردًا، بل عقلًا عرفانيًا-إشراقيًا، وأن الوصول إليه مشروط بـ”البصيرة العرفانية” كما يسمّيها بعض الشُّرّاح؛ أي البصيرة التي يولدها التزكّي، والمجاهدة، والعمل الديني.
هنا لا يمارس طه أي مواربة: هو يقرّ أن أرقى العقل مؤيَّد بالبصيرة الإيمانية والفتح الروحي، ويجعل هذا التأييد أساسًا لحلّ الصراع المفتعل بين العقل والدين، حيث يغدو العقل “أداةً لاكتشاف الحقائق الإيمانية”، ويصبح الإيمان “وقودًا لتوسيع آفاق العقل”. هذا التصريح يُثبت أن المنطلق الإحساني والصوفي ليس مخفيًّا، بل مدمجًا تعريفيًا في مفهوم العقل نفسه.
3. الشيخ والزّاوية: التصوف كمختبر معرفي وروحي يتقدّم طه خطوة أبعد في الباب الثالث من كتابه <تجديد العمل الديني > حين يمنح **الشيخ** و**الزاوية** موقعًا متقدما في بناء العقل المؤيَّد:
في هذا الباب، يضع طه عبد الرحمن أسس التجديد الديني الحقيقي؛ كما يتصوره حيث لا يكون التجديد “حداثةً وافدةً” تفرض على الدين، بل يكون “انبثاقاً من الداخل” عبر استعادة هذه الدرجة العالية من العقل (العقل المؤيَّد) التي عرفها أسلافنا الصالحون وأهل التجربة الروحية في التراث الإسلامي، ولكن بلغة فلسفية معاصرة ومحكمة.
في سياق “العقل المؤيَّد” الذي يفصله طه عبد الرحمن في الباب الثالث، لا يظهر “الشيخ المربي” و”الزاوية” كرموز تقليدية فقط، بل يعيد تأطيرهما ضمن هيكلية معرفية وعملية تخدم استعادة “العقل الأسمى”.
يصرح طه عبد الرحمن في هذا الباب بلا مراوغة ان الزاوية ليست مجرد مكان لطقوس اجتماعية أو حركات بدنية بل “مختبر معرفي” لإنتاج العقل الأسمى،حيث يصبح السلوك الديني العرفاني نفسه طريقًا لإنتاج العقل الأسمى.
بل ويصرح ان استعادة قوة الأمة الإسلامية تبدأ باستعادة هذه “المرتبة العقلية” التي تجعل من المؤمن إنساناً متصلاً بالحقيقة المطلقة.
لا ينظر طه عبد الرحمن إلى الشيخ بصفته “سلطة غيبية” أو مجرد ناقل للمعلومات، بل يصفه بـ “المربي المعتر الموصول” الذي يمتلك خريطة الطريق لتهذيب العقل وتزكية النفس وتطهّير العقل من آفات العقل المجرد وآفات جمود العقل المسدَّد؛ اذ هو الذي يضع السالك على طريق التدرج المعرفي-الروحي، ويختبر صدقه في طلب الحقيقة، ويوجّه عمله حتى يفضي إلى “الفتح” أو “الإشراق” الذي هو غاية العقل المؤيَّد.
هذه العناصر لا يمكن اعتبارها “تموضعًا صامتًا” أو “إخفاءً للمرجع الصوفي”; إنها إدخالٌ صريح للتصوف في قلب المشروع: الشيخ والزاوية جزء من جهاز إنتاج العقل المؤيَّد، لا مجرد هوامش روحية. لكن في الوقت نفسه، يُعاد تعريفهما فلسفيًا في أفق معرفي-أخلاقي، ليخرجا من الصور الشعبية أو الفولكلورية إلى صورة “مختبر معرفي وإحساني”.
بهذا يتبيّن أن طه لا يكتفي باستلهام التصوف ضمنًا؛ بل يصرّح بأن التزكية، والشيخ، والزاوية، والبصيرة، والإشراق، كلها مفاتيح لفهم العقل المؤيَّد وتجديد العمل الديني، ويجعلها مفاصل في بنائه الفلسفي.
4. من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني: الإحسان أساس الائتمانية في “روح الدين” و”دين الحياء”، يقدّم طه تمييزًا تأسيسيًا بين **الفقه الائتماري** و**الفقه الائتماني**، يوضح من خلاله أن بنيته الائتمانية ليست مجرّد أخلاق عامة، بل مقاربة إحسانية للشريعة:
– الفقه الائتماري هو فقه الأوامر والنواهي؛ يقيس التدين بمدى الامتثال الظاهري للخطاب الشرعي، يرى الإنسان مُكلَّفًا يؤمَر ويُنهى، ويركّز على القانون والسلوك الظاهر.
– الفقه الائتماني هو فقه الأمانات؛ ينقل السؤال من “ماذا أُؤمر؟” إلى “على أي أمانة أُؤتمَن وأنا أُطيع؟”: أمانة الوجود، أمانة المعرفة، أمانة العمل. يرى الإنسان مؤتمَنًا، لا مكلَّفًا فقط؛ ويرى الشريعة طريقًا للإحسان، لا مجرد نظام تكليف.
هذا التحول من الائتمار إلى الائتمان هو في جوهره **انتقال إلى المقام الإحساني** الذي تحدّث عنه الحديث النبوي: أن تعبد الله كأنك تراه. فالمؤمن في الفقه الائتماني ليس منفّذًا لأوامر، بل شاهدٌ على الناس، حاملٌ لأمانة، مكلَّفٌ بحمل الحق في التاريخ والعمران.
طه هنا يستند إلى المقاربة الإحسانية للشريعة ليبني منها فلسفة: الإنسان المؤتمَن، الأمانات الثلاث، السيرة الحية، دين الحياء، روح الدين، نقد الدهرانية… إلخ. الإحسان إذن ليس عنوانًا روحيًا فحسب، بل *<منبعًا نظريًا>* للائتمانية، يخرج الشريعة من “فقه الإلزام” إلى “فقه الأمانة والشهود”، ويُعيد تعريف التدين في أفق تاريخي وعمراني.
هذا يبيّن أن جذور الائتمانية إحسانية وصوفية بالفعل، لكن ما يقوم به طه هو نقل هذه الجذور إلى مستوى فلسفة متكاملة في العقل والأخلاق والسياسة.
5. فلسفة إسلامية ائتمانية ذات جذور صوفية تصنيف أدق من “مشروع صوفي”:
انطلاقًا من كل ما سبق، يمكن الرد على دعوى أن مشروع طه “مشروع صوفي لا فلسفي” بالتفصيل الآتي:
1. **نعم، المشروع متغذٍّ من القرآن والتصوف والعرفان، وهذا معلن لا مضمر*
فالتجربة الإيمانية والصوفية جزء من جهازه، لا مجرد خلفية صامتة.
2. **لكن هذا التغذّي لا ينفي فلسفية المشروع، بل يحدّد هويته*
لو كان المشروع صوفيًا صرفًا، لاقتصر على شرح المقامات والأحوال، أو على الدفاع عن الطرق الصوفية، أو على إعادة إنتاج التراث العرفاني.
في الواقع، طه يقدّم:
– نقدًا فلسفيًا للحداثة والدهرانية والعلمانية في ثلاثة مجالات: العقل، الأخلاق، السياسة.
– بناءً مفهوميًا دقيقًا (العقل المجرد، المسدَّد، المؤيَّد؛ الأمانات؛ السيرة الحية؛ دين الحياء؛ روح الدين؛ ثغور المرابطة).
_ نحثا مصطلحيا اصيلا يمتح فيه من القران والعرفان والبيان العربي.
– استعمالًا لأدوات فلسفة اللغة والمنطق وفلسفة الحجاج في تحليل الخطاب الدهري والمعرفي.
– البناء المنطقي البرهاني المؤسس فلسفيا لكل اشتباك.
– التشابك المستمر مع الفلسفات مع تميز بل ابداع في تحليلها وتوصيفها في تاريخيتها وانيتها.
– التقعيد للفلسفة في مشروعه الضخم فقه الفلسفة والذي للاسف لم اتمكن بعد من الدرلسة المفصلة له مع علمي بسقف التحدي المرفوع فيه لكل متفلسف .
كل هذا ينتمي إلى حقل الفلسفة التحليلية والنقدية، وإن كان يستند إلى مرجعيات قرآنية وصوفية.
3. **الأدق أن نقول: فلسفة إسلامية ائتمانية ذات جذور إحسانية وصوفية*؛
هذا الوصف يُنصف المشروع في وجهيه:
– يعترف بأن جذره الذي يُغذّيه هو المقاربة الإحسانية للشريعة وتجربة التصوف.
– ويقرّ بأن ثمرته هي فلسفة: نظرية في الإنسان المؤتمَن، في العقل المؤيَّد، في الأخلاق الائتمانية، في العلاقة بين الدين والسياسة، في السيرة الفلسفية، في نقد الحداثة والدهرانية.
خاتمة
ما تبيّن مما سبق_ وهو نزر قليل _ هو أن طه عبد الرحمن لا يعمل من وراء ستار؛ بل يصرّح في سيرته وقوله الفلسفي بهويته الصوفية ومرجعيته القرانية العرفانية بهذا المعنى لا يصُنّف المشروع كفلسفة محايدة، ولا كتصوف تقليدي، بل كفلسفة إسلامية ائتمانية تحوّل الإحسان والتصوف إلى جهاز مفهومي نقدي ومعياري.
فمشروع طه فلسفي إسلامي ائتماني، جذره قرآني وصوفي وعرفاني، وثمرته نظرية فلسفية في الإنسان والعقل والأخلاق والشريعة والتاريخ والمرابطة.
لا يقدم نفسه ك “فلسفة محايدة” و لا ك”تصوف مقنَّع”، وهو ما يمكن أن يرفع كثيرًا من الالتباسات، فليس المطلوب إذن من القراءات النقدية كشف “مرجعيات مخفية”، لهوية المشروع ولمنطلقاته ( كثير من الدراسات من داخل المدرسة ربطت جملة من منطلقات طه بالعرفاء بلا حرج كما ان طه صاغ مقدمة لكتاب حول المصطلح الصوفي بلاحرج) ويجعل النقاش ينتقل من السؤال عن “منطلقات طه” إلى السؤال عن “مدى نجاح هذه الفلسفة الإحسانية الائتمانية في تقديم معيار عملي لتقويم التفلسف والسيرة”، وهو السؤال الذي تفتحه الورقة الصوتية، ويمكن أن يكون مجال استقصاء في المتن الطاهوي ثم مجال اسهام استئنافي.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *