عندما يقتحم المهندس المجال السياسي: هل نحن أمام خادم جديد للصالح العام أم أمام وجه جديد للوبيات التقنية؟

عندما يقتحم المهندس المجال السياسي: هل نحن أمام خادم جديد للصالح العام أم أمام وجه جديد للوبيات التقنية؟

لم تعد التقنية في عالمنا المعاصر مجرد أداة محايدة تُستدعى لتنفيذ القرارات التي تُتخذ في فضاءات السياسة والإدارة، بل أصبحت، على نحو متزايد، جزءاً من عملية صناعة القرار نفسها. فكلما اتسعت دائرة حضور الذكاء الاصطناعي، والطاقات الجديدة، والهندسة الرقمية، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الحيوية، والفضاء، والمناخ، ازدادت حاجة الدولة والمؤسسات التشريعية إلى معرفة تقنية متخصصة قادرة على تفكيك هذه الظواهر وترجمتها إلى مفاهيم وقواعد وسياسات عمومية.
ومن هنا تبرز ظاهرة تستحق أكثر من مجرد الملاحظة العابرة: اتجاه كبريات مدارس الهندسة إلى إدماج مسارات في «الشؤون العامة» و«السياسات العمومية» ضمن تكوين المهندسين. وقد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد استجابة طبيعية لتحولات المجتمع وتعقد القضايا التي تواجه الدولة. غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: حين يتعلم المهندس لغة السياسة وآليات التأثير في القرار العمومي، هل نكون أمام جيل جديد من الخبراء الذين يضعون المعرفة التقنية في خدمة الصالح العام، أم أمام صيغة جديدة من صيغ اللوبيات، أكثر معرفة بالتكنولوجيا وأكثر قدرة على التأثير في صناعة القوانين؟
إن أهمية هذا السؤال لا تكمن في افتراض أن المهندس يتحول بالضرورة إلى جماعة ضغط، فهذا استنتاج متسرع لا يستند إلى منطق علمي. وإنما تكمن في فهم التحول الذي أصاب موقع الخبرة التقنية داخل المجتمعات المعاصرة، وفي إدراك أن المعرفة لم تعد منفصلة عن علاقات القوة التي تنتجها وتوظفها وتمنحها شرعيتها.
لقد كان المهندس، في التصور الكلاسيكي، رجل التقنية بامتياز: يصمم، ويحسب، ويجرب، وينجز، ويبحث عن الحلول الأكثر نجاعة للمشكلات التي تُعرض عليه. أما السياسة فكانت مجالاً آخر يتولاه رجل القانون أو السياسي أو الإداري أو الاقتصادي. وكان يبدو أن هناك فاصلاً واضحاً بين من يحدد الغايات ومن يملك الوسائل لتحقيقها. لكن هذا الفصل أخذ يتآكل تدريجياً أمام تعقد القضايا التي أصبحت تواجه الدولة الحديثة.
فكيف يمكن سن قانون ينظم الذكاء الاصطناعي من دون فهم طبيعة الخوارزميات؟ وكيف يمكن صياغة سياسة ناجعة في مجال الطاقة من دون معرفة عميقة بالتحولات التقنية والبيئية؟ وكيف يمكن تنظيم الأمن السيبراني أو الصناعات الدفاعية أو التكنولوجيا الحيوية من دون الاستناد إلى خبراء قادرين على فهم بنيتها الداخلية ومخاطرها وإمكاناتها؟
لقد أصبحت السياسة، في جانب متزايد منها، محتاجة إلى التقنية؛ كما أصبحت التقنية، في المقابل، حاملة لنتائج سياسية واجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها. وهنا تتشكل منطقة جديدة للقاء بين المعرفة والسلطة.
غير أن هذه المنطقة نفسها هي مصدر الالتباس.
فمع تنامي حضور التقنية في التشريع، تنمو الحاجة إلى أشخاص قادرين على ترجمة المعرفة المتخصصة إلى لغة سياسية وتشريعية. وهؤلاء لا يكتفون بشرح ما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، بل يساهمون أيضاً في تحديد ما ينبغي تنظيمه، وكيف ينبغي تنظيمه، وما الحدود التي ينبغي أن تضعها الدولة أمام الفاعلين الاقتصاديين والتكنولوجيين.
وهنا تنتقل الخبرة من موقعها التقليدي بوصفها معرفة إلى موقع جديد بوصفها مصدراً من مصادر القوة السياسية.
إن امتلاك القدرة على تعريف المشكلة التقنية قد يعني، في كثير من الأحيان، امتلاك جزء من القدرة على تعريف الحل السياسي. ومن يملك اللغة التي تُصاغ بها المشكلة قد يمتلك، بصورة غير مباشرة، تأثيراً في الطريقة التي ستُصاغ بها القاعدة القانونية التي تعالجها.
وهذا ما يجعل التحول في تكوين المهندس ذا دلالة تتجاوز حدود الجامعة والمدرسة العليا. فنحن أمام إعادة تشكيل محتملة للنخب التي ستتحرك مستقبلاً بين الدولة والمؤسسة الاقتصادية والمجال العلمي. لقد أصبحت الحدود بين الهندسة والقانون والاقتصاد والعلوم السياسية والإدارة أقل صلابة مما كانت عليه في السابق، وبدأت تظهر شخصية مهنية جديدة تجمع بين المعرفة التقنية والقدرة على فهم المؤسسات وآليات القرار العمومي.
وقد يكون هذا التحول إيجابياً إلى أبعد الحدود. فالدولة تحتاج بالفعل إلى خبراء قادرين على فهم العالم التقني الذي تحاول تنظيمه. كما أن المؤسسات العمومية تحتاج إلى كفاءات لا تكتفي بمعرفة النصوص القانونية، وإنما تستطيع تقدير آثارها التقنية والاقتصادية والاجتماعية. ومن هذه الزاوية، فإن تكوين المهندس في السياسات العمومية يمكن أن يشكل رافعة لتحديث الإدارة وتعزيز جودة القرار.
لكن الوجه الآخر للتحول لا يقل أهمية.
فالخبرة التقنية ليست دائماً منفصلة عن المصالح التي تنتجها أو المؤسسات التي تمولها أو الأهداف التي تُستخدم لتحقيقها. والمهندس الذي يعمل داخل شركة كبرى ثم ينتقل إلى مجال الشؤون العامة لا يدخل الفضاء السياسي حاملاً «المعرفة» فقط، بل يحمل أيضاً تجربة مهنية وشبكة علاقات ورؤية للمصلحة قد تتقاطع مع مصالح الجهة التي يمثلها.
ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين الخبرة التي تنير القرار والخبرة التي تتحول إلى أداة للتأثير في القرار.
فاللوبي في صيغته المعاصرة لم يعد بالضرورة صورة نمطية لشخص يقف خلف أبواب المؤسسات محاولاً الضغط على السياسيين. لقد أصبحت جماعات الضغط الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على المعرفة والخبرة والدراسات والبيانات والقدرة على استشراف التحولات التشريعية. إنها لا تقدم نفسها دائماً بوصفها مدافعة عن مصالح خاصة، وإنما باعتبارها وسيطاً معرفياً يساعد صانع القرار على فهم موضوع بالغ التعقيد.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية في المشهد المعاصر: كلما أصبحت السياسة أكثر تعقيداً من الناحية التقنية، ازدادت حاجة المؤسسات الديمقراطية إلى الخبراء؛ وكلما ازدادت حاجتها إلى الخبراء، أصبح من الممكن أن تتحول الخبرة نفسها إلى وسيلة للتأثير السياسي.
إن المشكلة، إذن، ليست في أن يصبح المهندس فاعلاً في المجال العام، بل في أن نضمن وضوح موقعه وحدود مسؤوليته واستقلالية معرفته.
فالخبرة التقنية تستطيع أن تجيب عن سؤال: ما الذي يمكن فعله؟ لكنها لا تستطيع، بمفردها، أن تجيب عن السؤال الأكثر عمقاً: ما الذي ينبغي فعله؟
الأول سؤال تقني، أما الثاني فسؤال سياسي وأخلاقي وديمقراطي.
قد تستطيع الخوارزمية أن تحدد أفضل حل تقني، وقد يستطيع المهندس أن يبين حدود الإمكانات العلمية، لكن المجتمع هو الذي ينبغي أن يقرر، عبر مؤسساته وآليات التداول العمومي، أي مستقبل يريد، وأي مخاطر يقبل، وأي قيم يريد حمايتها.
من هنا ينبغي الحذر من صعود ما يمكن تسميته بـ «التقنوقراطية الجديدة»، وهي ليست بالضرورة تلك الإدارة البيروقراطية التقليدية التي يحتكر فيها الموظف الخبير القرار، وإنما منظومة أكثر تعقيداً تصبح فيها المعرفة التقنية شرطاً مسبقاً للدخول في النقاش السياسي نفسه.
فالخطر لا يتمثل فقط في أن يقرر الخبراء مكان السياسيين، بل في أن تصبح بعض الخيارات السياسية مقدمة إلى المجتمع باعتبارها «ضرورات تقنية» لا مجال لمناقشتها.
وهنا يختفي الحد الفاصل بين ما هو تقني وما هو سياسي.
إن القول، مثلاً، إن حلاً تكنولوجياً معيناً «ضروري» لا يعني أنه الخيار السياسي الوحيد الممكن. كما أن القول إن تقنية معينة «لا مفر منها» قد يخفي وراءه سلسلة من الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية التي ينبغي أن تخضع للنقاش العمومي.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام مدارس الهندسة لا يكمن في تعليم المهندس كيف يتحدث مع السياسي أو كيف يفهم آليات صنع القرار فحسب، وإنما في تعليمه أيضاً كيف يفكر في المسؤولية السياسية والأخلاقية للمعرفة التي يمتلكها.
فالمهندس الذي يدخل المجال العمومي لم يعد مجرد منفذ لقرار اتخذه الآخرون؛ إنه قد يصبح شريكاً في صياغة المشكلة نفسها، وفي تحديد البدائل، وفي تقدير المخاطر، وفي رسم حدود الممكن. وكلما اتسعت هذه المسؤولية، أصبح من الضروري أن تتسع معها ثقافته الإنسانية والسياسية والأخلاقية.
إننا بحاجة إلى مهندس جديد لا يكتفي بأن يكون بارعاً في التقنية، بل يستطيع أن يفهم الإنسان الذي ستؤثر فيه التقنية؛ وإلى خبير لا يكتفي ببيان ما هو ممكن، بل يسأل عن عواقبه؛ وإلى مستشار عمومي لا يحول المعرفة إلى سلعة ضغط، وإنما يجعلها جسراً بين التعقيد العلمي وحق المجتمع في الفهم والاختيار.
ولعل التجربة الأوروبية تقدم نموذجاً واضحاً لهذه التحولات. فالمؤسسات الأوروبية تواجه بصورة متزايدة ملفات شديدة التعقيد من الناحية العلمية والتكنولوجية، الأمر الذي يجعل الاستعانة بالخبراء أمراً لا غنى عنه. غير أن هذه الحاجة نفسها تخلق سوقاً متنامية للوساطة بين المؤسسات العمومية والشركات والهيئات المهنية ومراكز البحث والخبراء.
وهكذا لم يعد الصراع على صناعة القاعدة القانونية يجري فقط داخل البرلمان أو الإدارة، وإنما يبدأ أحياناً قبل ذلك بكثير: في تحديد المفاهيم، وصياغة التقارير، واختيار البيانات، وتحديد المخاطر، وتعريف الأولويات.
إن السياسة تبدأ أحياناً قبل أن يصل النص إلى البرلمان.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال عن المهندس واللوبي سؤالاً عن مستقبل الديمقراطية نفسها. فحين تصبح التقنية جزءاً من بنية القرار العمومي، يصبح ضرورياً أن تكون المعرفة التقنية خاضعة لقدر أكبر من الشفافية، وأن تكون المصالح التي تقف وراءها قابلة للتحديد، وأن تكون العلاقة بين الخبير والمؤسسة والشركة والدولة واضحة وقابلة للمساءلة.
لا ينبغي أن نخاف من المهندس حين يدخل السياسة، بل ينبغي أن نخاف من الخبرة حين تتحول إلى سلطة غير قابلة للمساءلة.
إن حضور المهندس في المجال العمومي يمكن أن يكون مكسباً حقيقياً للديمقراطية إذا جعل المعرفة العلمية أكثر حضوراً في النقاش العام، وأكثر قدرة على مواجهة القرارات المبنية على الجهل أو الانطباع أو الشعبوية التقنية. لكنه قد يتحول إلى مصدر اختلال إذا أصبحت المعرفة المتخصصة وسيلة لمنح بعض المصالح الاقتصادية قدرة استثنائية على التأثير في التشريع.
لهذا فإن المسألة لا تتعلق في جوهرها بالسؤال: هل المهندس سياسي أم لوبي؟
إنها تتعلق بسؤال أكثر دقة: لمن تعمل المعرفة حين تدخل المجال السياسي؟
إذا كانت تعمل من أجل توسيع قدرة المجتمع على الفهم والاختيار والمساءلة، فإن المهندس يصبح أحد أهم حلفاء الديمقراطية الحديثة. أما إذا تحولت المعرفة إلى وسيلة لإخفاء المصالح الخاصة خلف قناع الموضوعية التقنية، فإننا نكون أمام شكل جديد من أشكال ممارسة النفوذ، أكثر نعومة، وأكثر تعقيداً، وربما أكثر صعوبة في الكشف.
لقد أصبحت السياسة اليوم تقنية بقدر ما أصبحت التقنية سياسية. وهذه الحقيقة تفرض إعادة التفكير في العلاقة بين العلم والسلطة، وبين الخبرة والمصلحة، وبين المعرفة والديمقراطية.
وفي قلب هذا التحول يظهر المهندس بوصفه شخصية جديدة على الحدود الفاصلة بين المختبر ومؤسسة القرار والسوق. وهذه الحدود هي التي ينبغي أن تكون موضع النقاش، لا الشخص الذي يعبرها.
فالمجتمع الديمقراطي لا يحتاج إلى إبعاد الخبراء عن السياسة، كما لا يحتاج إلى تسليم السياسة للخبراء. إنه يحتاج إلى صيغة أكثر توازناً: خبرة تنير القرار، وسياسة تحدد الغايات، ومؤسسات تراقب العلاقة بين المعرفة والمصلحة، ومجتمع يحتفظ بحقه الكامل في السؤال والاعتراض والاختيار.
وعندما يتحقق هذا التوازن، لن يكون دخول المهندس إلى السياسة نهاية للسياسة، ولا بداية لعصر اللوبيات التقنية، بل يمكن أن يكون بداية لمرحلة أكثر نضجاً في تاريخ العلاقة بين العلم والتقنية والدولة والمجتمع.

بقلم
حسن لغدش

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *