الأخوة الائتمانية في مواجهة تقليد العقد الاجتماعي مقاربة نقدية مقارنة
تشترك النظريات الثلاث الكبرى في تقليد العقد الاجتماعي -عند هوبز ولوك وروسو -رغم تباينها الحاد، في افتراض واحد لا تتزحزح عنه مفاده أن الرابطة الاجتماعية فعل إرادي لاحق، ينشئه أفراد كانوا قبله في وضعية سابقة على الاجتماع (“حالة الطبيعة”)، سواء تصوروها حرباً (هوبز) أو حرية مقيدة بعقل طبيعي (لوك) أو براءة أولى أفسدها المِلك (روسو). غير أن المقاربة الائتمانية في بعدها العمراني كما نؤسس لها هنا تقف على النقيض من هذا الافتراض من جذوره؛ فالأخوة، في منظورنا هذا وكما سبق بيانه، ليست فعلاً إرادياً لاحقاً على وجود أفراد منعزلين، بل هي المعطى الذي يجعل وجود الأفراد أصلاً وجوداً اجتماعياً بامتياز؛ إذ لا “فرد” يوجد أولاً ليقرر بعد ذلك أن يتعاقد، بل يوجد “ابن آدم” يحمل معه، منذ نداء ﴿إذ أخذنا من بَنِي آدَمَ﴾ الأول، رابطة أصل تسبق كل قرار. غير أن نقد هذا الافتراض لا يكتمل إلا بمواجهة كل نظرية من الثلاث في موضع قوتها الخاص، لا في صورتها المبسّطة الشائعة.
أولاً: هوبز -الأخوة أمام فرضية الحرب/العداء
في Leviathan (1651) هوبز لا يصف حالة الطبيعة بوصفها غياب نظام فحسب، بل بوصفها “حرب الجميع ضد الجميع” (bellum omnium contra omnes)، ينتج عنها ما يسمّيه بالحياة “الوحيدة، الفقيرة، القذرة، الوحشية، القصيرة”. والعقد عنده ليس تعبيراً عن رابطة أخلاقية سابقة، بل تنازلاً محسوباً عن الحق الطبيعي المطلق (jus in omnia) مقابل الأمن، تُدار بموجبه السلطة عبر كيان اصطناعي واحد يمتصّ العنف المتبادل.
إن هويز لا يُنكر وحدة الأصل البشري -هوبز لا يجادل بيولوجياً -بل ينكر أن يكون لهذه الوحدة أي مفعول أخلاقي تلقائي؛ بحيث قد يشترك البشر في الأصل، ويظلّ هذا الاشتراك عاجزاً عن كبح الافتراس المتبادل ما لم تفرضه سلطة قاهرة من خارج الإرادات المتنازعة.
واللافت أن النص القرآني -كما تجلّى معنا في قصة يوسف في مقال سابق- لا يتهرّب من هذا الاحتمال بل يُقرّه ابتداءً، ولا ضير في التذكير بسياق هذه القصة القرآنية؛ تسعة إخوة من أب واحد يتآمرون على قتل أخيهم أو نفيه من باب الغيرة الذي انفتح على حالة حسد، وهذا أقرب ما يكون إلى “حالة هوبزية” مصغّرة داخل الرابطة الدموية نفسها، لا في غيابها. غير أن الفارق الحاسم بين الموضعين هو موضع العلّة؛ هوبز يردّ العنف إلى طبيعة الإنسان ذاتها -فالإنسان بحكم تساوي القدرات وتنازع الرغبات كائن افتراسي بالقوة- بينما ردّ يوسف حالة الخصام إلى عارض طارئ واصفا إياه بأنه نزغ شيطاني بين الأخ وأخيه، فاسحا المجال لإمكان عودة إخوته إلى حضنه وإقرارهم بأن أصل أفضليته وعناية أبيه له تقدمه في مرتبة القرب الإلاهي الذي منحه مرتبة الرسالة بعد أن أمتحنه في محطات عدة وارتقى بها إلى مراتب متعاظمة، أهمها في سياقنا هذا الانتصار الإحساني لرابطة الأخوة، غير أن أصل المسألة في التصور القرآني مرده الى وجود توتر أصيل في الانسان بين قوى الشر والخير وهو شرط تكليفه ومرتقى كماله، أي أنه يفصل بنيوياً بين “الأخوة كإمكان أصلي” و”إفسادها كعارض لاحق قابل للمقاومة والإصلاح”. هذا الفصل هو بالضبط ما يمنح الائتمان معناه: فالائتمان ليس نقيض الحاجة إلى حراسة العلاقة، بل هو اسم هذه الحراسة المستمرة؛ الأخوة أصل، لكنه أصل معرَّض، ويحتاج صونه إلى فعل أخلاقي متجدد -التقوى، الإحسان- لا إلى سلطان قاهر خارجي كما عند هوبز.
بيد أن هذا لا يعفي النظرية من واجب توضيح مفصل حسّاس: إن كانت الأخوة “قابلة للنزغ” وفيها قابلية “قابلية” حتى داخل رابطة الرحم نفسها، فبأيّ معنى تبقى “أصلاً وجودياً راسخاً”؟ الجواب يقتضي التمييز بين مستويين: الأخوة بوصفها إمكاناً أنطولوجياً ثابتاً -حقيقة كل إنسان قبل أي فعل- والأخوة بوصفها تحقّقاً أخلاقياً متقلباً وموضوعا للامتحان ومجالا للتوتر -ما يفعله الأفراد بهذا الإمكان فعلاً. وهو تمييز يوازي، مع فارق الأساس، تمييز أرسطو بين القوة (dynamis) والفعل (energeia): وحدة الأصل قوة كامنة في كل إنسان، والائتمان هو العمل الذي يُخرجها من القوة إلى الفعل، والنزغ الشيطاني هو ما يعطّلها عن التحقق دون أن يُلغي إمكانها. بهذا يُرفع التناقض الظاهري، ويظل هوبز عاجزاً عن تفسير لماذا ينتهي يوسف -القادر فعلياً على الانتقام- إلى الصفح لا إلى ممارسة الحق الطبيعي المطلق الذي يبرّره منطقه هو نفسه، وإن كان ل”ساندل” في نظرية الجماعة المكوّنة، رأي آخر سنجيب عنه في سياقه.
ثانياً: لوك -الأخوة أمام سبق الحق الفردي
يبدو أن لوك في Second Treatise of Government (1689) أقل تشاؤماً من هوبز، فحالة الطبيعة عنده محكومة بقانون طبيعي يدركه العقل ويمنع الاعتداء على “الحياة والحرية والملكية” (life, liberty, and property). كما أن الفرد عنده يدخل حالة الطبيعة أصلاً حاملاً حقوقاً سابقة على أي اجتماع، والعقد لا يُنشئ هذه الحقوق بل يحميها؛ فالمجتمع أداة، لا غاية، وهو ما يجعله فريبا من طرحنا من هذه الناحية.
الفارق الجوهري هنا بين نظرية لوك وما نسعى التأسيس له ليس في التفاؤل أو التشاؤم إزاء الطبيعة البشرية، بل في بنية الالتزام الأخلاقي ذاتها؛ إذ منتهى ما عند لوك هو أن ما يدين به الفرد لغيره هو التزام سلبي بالامتناع (duty of non-interference) -لا تعتدِ على حياته وحريته وملكه، وكفى- أما في البنية الائتمانية، فالالتزام تجاه الآخر إيجابي منذ البداية وهو مجال للسير الكمالي؛ إذ ليس المطلوب الامتناع عن أذى الأخ فحسب، بل الحفظ والإكرام والإحسان إليه فعلياً -. وهو ما يعبّر عنه ختام قصة يوسف حين لم يكتفي بإسقاط حقه، وهو سلوك لوكي بامتياز -عدم المطالبة بالعقاب- بل يتجاوزه إلى الاحتضان والدعاء بالمغفرة، أي الفعل الإيجابي من أجل استعادة الآخر إلى دائرة الخير.
هذا الفارق بين “أخلاق الامتناع” و”أخلاق البذل” ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو المعيار الذي يمكن أن تُختبر به دعوى تفوّق النموذج الائتماني. إن الليبرالية اللوكية -ومن ورائها الليبرالية الحقوقية المعاصرة عند نوزيك تحديداً في Anarchy, State, and Utopia (1974)- تكتفي بحدود سالبة تعصم الفرد من التدخل، بينما تشترط البنية الائتمانية حداً أدنى إيجابياً من التكافل بوصفه مقتضى الأخوة لا تفضّلاً زائداً عليها.
غير أن هذا يفرض على النظرية عبئاً برهانياً: كيف تُلزم أحداً بفعل إيجابي -الإحسان- دون أن تنزلق إلى تبرير تدخل قسري في حرية الأفراد، وهو بالضبط ما يخشاه الليبرالي اللوكي من كل أخلاق واجب إيجابي جماعي؟ الجواب المتاح ضمن أفق النظرية هو أن الإلزام هنا ديني-أخلاقي -يتوجّه إلى الضمير عبر التقوى- لا قانوني-قسري، لكن هذا بدوره يفتح سؤالاً آخر: هل يبقى “مبنى العمران الاجتماعي” قائماً حين تضعف التقوى الفردية، أم أن النظرية بحاجة عندئذ إلى ترجمة مؤسسية -فقهية أو قانونية- لهذا الإلزام الأخلاقي كي لا يبقى رهين الفضيلة الشخصية وحدها؟ سؤال يستحق معالجة مستقلة لاحقاً.
ثالثاً: روسو؛ الأخوة أمام الإرادة العامة المُنشأة
روسو في Du Contrat social (1762) هو الأقرب ظاهرياً إلى الحساسية الائتمانية، لأنه يرفض تشاؤم هوبز ويتجاوز فردانية لوك؛ فالإنسان الطبيعي عنده خيّر بالفطرة قبل أن يفسده المِلك الخاص ونشوء عدم المساواة، والعقد لا يحمي حقوقاً فردية سابقة بقدر ما ينشئ “إرادة عامة” (volonté générale) تتجاوز مجموع الإرادات الخاصة لتغدو كياناً أخلاقياً جديداً.
غير أن التقارب الظاهري يخفي فارقاً حاسماً في بنية النشأة: الإرادة العامة عند روسو مُنشأة (constructed) بفعل إرادي جماعي -عقد تأسيسي يقرّره الأفراد بأنفسهم في لحظة معينة- وهي بذلك تبقى، رغم سموّها الأخلاقي على الإرادات الخاصة، منتَجاً بشرياً محضاً يمكن نظرياً أن يُعاد تأسيسه أو يُفسخ.
أما الأخوة في البنية الائتمانية فهي مكتشَفة (disclosed) لا مُنشأة؛ لأن الإنسان لا “يقرر” أن يكون أخاً لغيره في لحظة تأسيسية، بل يكتشف أنه كذلك أصلاً بحكم أصله الآدمي، سواء أراد أم لم يرد، اجتمع مع غيره على ذلك أم لم يجتمع. وهذا الفارق بين البناء (constructivism) والكشف (ontological disclosure) هو ما يمنح النظرية الائتمانية مناعة لا يملكها روسو أمام سؤال يطارد كل نظرية عقدية؛ لماذا يُلزَم من لم يوقّع على العقد -كالأجيال اللاحقة، أو من وُلد خارج الجماعة السياسية- بالإرادة العامة التي لم يشارك في تأسيسها؟ وهو الإشكال الذي واجهه هيوم في نقده الشهير لفكرة “الرضا الضمني” (tacit consent). بينما لا يُطرح هذا الإشكال نفسه على الأخوة الائتمانية، لأن الالتزام فيها لا يستمدّ شرعيته من فعل تأسيسي إرادي، بل من واقع الانتساب الآدمي الذي لا يُختار أصلاً كي يُشترط فيه الرضا.
رابعاً: تمايز ضروري عن الجماعاتيين المعاصرين
بعد هذا الاشتباك الثلاثي، يبقى اعتراض منهجي لا يمكن تجاوزه؛ أليست هذه بالضبط حجة الجماعاتيين (Communitarians) في نقدهم لليبرالية المعاصرة؟ فألسدير ماكنتاير في After Virtue (1981) يرفض تصوّر “الذات المجرّدة من كل انتماء” الذي يفترضه راولز خلف “حجاب الجهل”، ومايكل ساندل في Liberalism and the Limits of Justice (1982) يصف الذات الليبرالية بأنها “ذات غير مثقلة” (unencumbered self) يستحيل أن توجد فعلياً، وتشارلز تايلور في Sources of the Self (1989) يرى الهوية الفردية نفسها منسوجة من حوار مع جماعة ولغة وتقليد سابقين.
الفارق الذي يحفظ لنظرية الأخوة الائتمانية تمايزها الحقيقي -لا الشكلي- عن هذا التقليد -الذي سنعود للاشتباك الموسع معه- يكمن في مصدر “الانغراس” (embeddedness) ذاته: انغراس الذات عند ماكنتاير وتايلور تاريخاني-ثقافي بامتياز، أي أن الجماعة التي تُشكّل الفرد هي جماعته التاريخية الخاصة -تقليده الأخلاقي، لغته، سرديته – وهو ما يجعل نقدهما عرضة لاتهام بالنسبية؛ فإذا كانت كل ذات منغرسة في تقليدها الخاص، فبأي معيار تُحتكم الخلافات بين التقاليد المتعارضة؟ وهو سؤال لم يجد ماكنتاير له جواباً حاسماً حتى في أعماله اللاحقة كـ Whose Justice? Which Rationality? (1988). أما انغراس الإنسان في الأخوة الائتمانية فهو أحادي المصدر وكوني الأفق في آن؛ لا “جماعات” متعددة يُشكّل كل منها ذاتاً مختلفة الأصل، بل أصل آدمي واحد تتفرّع عنه كل الجماعات التاريخية دون أن تُلغي أياً منها انتساب الجميع إلى الأصل الجامع. بهذا تجمع النظرية بين ما يفتقده الجماعاتيون -معيار كوني يتجاوز نسبية التقاليد- وما تفتقده الليبرالية الكانطية -أساس وجودي ملموس للالتزام، لا مجرد عقل مجرد.
خاتمة: أسئلة مفتوحة
يبقى، مع ذلك، أن ادّعاء التفوّق على هذه التقاليد الأربعة -الهوبزي، اللوكي، الروسوي، الجماعاتي- يظل مشروطاً بمعالجة ثلاثة أسئلة لم تُحسم بعد: أولاً، سؤال المأسسة الذي طرحناه في مواجهة لوك -كيف يُترجم الإلزام الأخلاقي الائتماني إلى بنية عمرانية فعلية لا تبقى رهينة الفضيلة الفردية؟ وثانياً، سؤال حدود الدائرة -هل تشمل الأخوة الآدمية الكونية غير المسلم بالمعنى الإلزامي ذاته الذي تشمل به المؤمن، أم أن ثمة تفاوتاً في درجة الإلزام بين “أخوة الإنسانية” و”أخوة الإيمان” يحتاج ضبطاً دقيقاً كي لا تنقلب الكونية المعلَنة إلى خصوصية مُقنَّعة؟ وثالثاً، سؤال المعيار عند التنازع -إذا تصادمت أخوة الدم مع أخوة الإيمان مع أخوة الإنسانية في موقف واحد، فبأي ترتيب أولوية تُحسم المفاضلة، وعلى أي أساس؟ هذه الأسئلة ليست اعتراضات هدمية، بل هي بالضبط ما يفصل بين نظرية تطرح شعاراً أخلاقياً جذاباً وبين نظرية تبني “مبنى اجتماعياً” فعلياً كما تطمح له عبارة العنوان نفسها.
