المؤسسات الإعلامية أمام اختبار البقاء
لماذا لم يعد النموذج الاقتصادي التقليدي قادرا على تمويل الصحافة؟
لم تعد أزمة الصحافة في العالم أزمة مهنية أو تكنولوجية فقط، بل أصبحت، قبل كل شيء، أزمة نموذج اقتصادي.
فالتطورات التي يرصدها تقرير الأخبار الرقمية 2026 الصادر عن معهد رويترز لا تقتصر على تغير عادات استهلاك الأخبار، وإنما تكشف عن تحوّل جذري في الطريقة التي تُنتج بها القيمة الاقتصادية داخل الصناعة الإعلامية. فبينما يزداد استهلاك الأخبار عبر المنصات الرقمية، تتراجع قدرة المؤسسات الصحفية على تحويل هذا الاستهلاك إلى موارد مالية مستدامة.
لقد نجحت التكنولوجيا في جعل الوصول إلى الأخبار أسرع وأسهل، لكنها في الوقت نفسه أعادت توزيع العائدات الاقتصادية. فالشركات المالكة للمنصات الرقمية تستحوذ على الجزء الأكبر من سوق الإعلانات الرقمية، بينما تتحمل المؤسسات الإعلامية تكلفة إنتاج المحتوى والتحقق منه وتغطية الأحداث. وهكذا أصبحت الصحافة تموّل المعرفة، في حين تجني المنصات معظم العائد الاقتصادي الناتج عن تداولها.
عندما انهار النموذج القديم
طوال عقود، اعتمدت الصحف على معادلة مستقرة: مبيعات النسخ الورقية، والاشتراكات، والإعلانات التجارية. لكن هذه المعادلة بدأت تتآكل مع انتشار الإنترنت، ثم تعرضت لهزة أقوى مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تدخل مرحلة أكثر تعقيدا مع الذكاء الاصطناعي.
فالصحيفة لم تعد تنافس صحيفة أخرى فقط، بل أصبحت تنافس محركات البحث، والمنصات الاجتماعية، وصناع المحتوى، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تقدم للمستخدم إجابات مباشرة دون الحاجة إلى زيارة الموقع الإخباري.
ولم يعد السؤال: كيف ننتج الخبر؟ بل أصبح: كيف نموّل إنتاجه؟
الإعلانات لم تعد تكفي
في الاقتصاد الرقمي، لم تعد الإعلانات المصدر المضمون لتمويل الصحافة.
فالمنصات الكبرى تمتلك بيانات دقيقة عن المستخدمين، وتوفر للمعلنين إمكانات استهداف لا تستطيع معظم المؤسسات الإعلامية توفيرها. ولذلك تحوّلت حصة كبيرة من الإنفاق الإعلاني إلى شركات التكنولوجيا، بينما تراجعت حصة الصحافة عاما بعد آخر.
أما الاعتماد على رفع عدد الزيارات، فقد أوجد نموذجا يقوم على ملاحقة “النقرات” بدلا من ملاحقة الجودة، وهو ما دفع بعض المؤسسات إلى التركيز على العناوين المثيرة والمحتوى السريع، على حساب التحقيقات والاستقصاءات التي تحتاج إلى وقت وكلفة.
وهكذا أصبحت الأزمة الاقتصادية تؤثر في طبيعة المنتج الإعلامي نفسه، لا في ميزانيات المؤسسات فقط.
الاشتراكات.. لكنها ليست الحل السحري
اتجهت مؤسسات إعلامية كبرى إلى تعزيز الاشتراكات الرقمية، ونجح بعضها في بناء قاعدة وفية من المشتركين. غير أن هذا النموذج لا يمكن نقله آليا إلى جميع الأسواق. ففي كثير من الدول، ومنها المغرب، ما تزال ثقافة الدفع مقابل المحتوى الإخباري محدودة جدا، نأخذ على سبيل المثال نموذجي “صوت المغرب و Le Desk”، كما أن القدرة الشرائية والسلوك الرقمي يفرضان تحديات مختلفة.
وهذا يعني أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بالبحث عن نماذج هجينة تجمع بين الاشتراكات، والإعلانات، والخدمات الإعلامية، وتنظيم الفعاليات، والشراكات المعرفية، مع الحفاظ على استقلال القرار التحريري.
المغرب والحاجة إلى إعادة التفكير
لا تختلف المؤسسات الإعلامية المغربية عن نظيراتها في العالم من حيث مواجهة الضغوط الاقتصادية، لكنها تواجه أيضا خصوصيات محلية مرتبطة بحجم السوق الإعلانية، والتحوّل الرقمي، وتغير عادات الجمهور.
ولم يعد ممكنا إدارة المؤسسة الإعلامية بعقلية اقتصادية تعود إلى عقدين أو ثلاثة عقود. فالتحوّل الرقمي ليس مجرد إطلاق موقع إلكتروني أو نشر الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي، بل هو إعادة بناء شاملة لنموذج العمل، وللعلاقة مع الجمهور، ولآليات تحقيق الإيرادات.
ومن دون هذا التحول، ستظل كثير من المؤسسات أسيرة دورة متكررة من الأزمات المالية التي تنعكس مباشرة على جودة المحتوى، وظروف العمل، والاستثمار في الكفاءات.. ولعل الموضوع المثير للجدل: أداء أجور الصحافيين من المال العام، ومنذ سنة 2020 تقريبا إلى حدود كتابة هذه السلسلة، خير مثال على ما ذكرناه.
الاستثمار في الثقة لا في عدد الزيارات
قد يبدو من المغري السعي إلى مضاعفة عدد الزيارات بأي وسيلة، لكن التجارب الدولية تشير إلى أن المؤسسات الأكثر قدرة على الصمود هي تلك التي بنت علاقة ثقة مع جمهورها.
فالقارئ لا يدفع مقابل الخبر الذي يستطيع الحصول عليه مجانا، بل يدفع مقابل التحليل، والتفسير، والتحقيق، والخبرة، والموثوقية.
ومن هنا، يصبح الاستثمار في الصحافة الجيدة استثمارا اقتصاديا أيضا، وليس مجرد التزام أخلاقي.
ما بعد نموذج الإعلان
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف نستعيد النموذج الاقتصادي القديم، بل كيف نبني نموذجا جديدا ينسجم مع البيئة الرقمية.
وقد يشمل هذا النموذج تنويع مصادر الدخل، وتطوير المنتجات الرقمية، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف التشغيلية دون المساس بجودة المحتوى، وبناء مجتمعات من القراء الملتزمين، وتوسيع التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجامعات ومراكز البحث.
فالصحافة لم تعد تبيع الأخبار فقط، بل أصبحت مطالبة بإنتاج المعرفة، وتقديم الخدمات، وبناء الثقة، وخلق قيمة مضافة لا تستطيع المنصات توفيرها.
البقاء ليس للأكبر بل للأكثر قدرة على التكيّف
لقد أثبتت التحولات الرقمية أن حجم المؤسسة الإعلامية لم يعد الضامن الوحيد للاستمرار. فهناك مؤسسات صغيرة استطاعت أن تنمو لأنها امتلكت رؤية واضحة، بينما تعثرت مؤسسات عريقة لأنها تأخرت في إعادة بناء نموذجها الاقتصادي.
إن مستقبل الإعلام المغربي لن يتحدد فقط بسرعة التحوّل الرقمي، ولا بامتلاك أحدث التقنيات، وإنما بقدرته على بناء اقتصاد إعلامي مستدام يضمن الاستقلالية المالية دون التفريط في الاستقلالية التحريرية.
فالصحافة ليست مشروعا تجاريا عاديا، لكنها أيضا لا تستطيع أداء رسالتها إذا افتقدت مقومات الاستدامة. وفي عالم تتغير فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، سيبقى التحدي الحقيقي هو بناء مؤسسات إعلامية قادرة على تمويل الجودة، لا الاكتفاء بتمويل البقاء.
