صورة السياسي المغربي في التلفزيون

مقدمة
لا يروم الخطاب السياسي ” إقناع” الناس، فبراهينه وأدلّته “وعود” فقط. إنّه يستميلهم إلى ما يودون سماعه أو يرغبون في امتلاكه في العيش والكينونة على حد سواء. إنّه يبشّر ويستثير أحلامهم لما يمكن أن يتحقق في مستقبل لا أحد يتحكم في تفاصيله أو يتكهن بحدوثه. لذلك تتأسّسُ “حقائقه” ضمن كُتلة انفعالية تتضمن كل ما “يُحمِّس” و”يُحرّض” و”يعبئ” و”يُحسّسُ” و”يشجب” و”يُدين”؛ إِنَّه بذلك، يتوجَّه إِلى عاطفة المتلقي وانفعالاته لا إِلى ضوابط العقل والأحكام المؤسسة عنده. ففي التواصل السياسيّ هناك دائما شُحْنة من يقينٍ، أو وهْم بِحقيقة مُطلقة يجب، في عرف السياسي، أنْ يتبناها المجْتمعُ كله. لذلك لا يقبل الحزب بتعددية الحقائق في السياسة إلا في النادر، لأن ذلك قد يشكك في حقيقته.
بعبارة أخرى، يستند الانفعال “السياسي” في جل سياقاته، وسياقات الصورة على وجه الخصوص، إلى “عقيدة”: بالمعنى العام للكلمة، أي كل ما يمكن أن يشكل سندا لقناعة يود الفاعل اقتسامها أو تسريبها إلى مستمع ليس خاليَّ الذهن. وستكون وسائله في ذلك متعددة، منها الكلام والإيماءة والصورة والطقوس الاجتماعية التي ترافق الحملات الانتخابية. وقد يكون استعمال التلفزيون من أكثر هذه الوسائل فعالية، فهو يوحي بـــ “واقعية” المشهد الممثل.
لذلك لا تُشكل اللحظة السياسية المخصوصة داخل هذه العقيدةِ سوى مُثيرٍ لاحقٍ يكشف عن مضمون امتداداتها في تفاصيل العمل السياسي وفي معتقدات الناس وانتماءاتهم الاجتماعية. فكل خطابٍ يتوجه إلى الآخر يتضمن رغبة في استمالته والتأثير في نواياه. يتعلق الأمر بخطاطة تواصلية يجب أن تقود إلى توفير مجمل الشروط التي تَضْمن هيمنة “حقيقة” طرفٍ سياسيٍّ على “حقائقِ” كل الأطراف الأخرى. فالسياسي لا يُقنع الناس بما يقدم لهم فحسب، بل بتسفيه ما يقدمه الآخرون أيضا.
وضمن هذه الفرضية يندرج العمل الذي يقدمه حسن لوحمادي في هذا الكتاب. لقد اختار الاشتغال بالصورة. أي باستعمالاتها السياسية في وقائع تواصلية تتم ضمن سياقات يحكمها التنافس وحضور اللّوكِ الشخصيّ في الفضاء العمومي وفي الشاشات. وهو أمر ليس بالهيّن، بل يشكل مغامرة حقيقية أقدم عليها المؤلف بالكثير من الشجاعة والإصرار. فقد يكون هذا العمل من بين المحاولات القليلة التي اهتمت بتوظيف الصورة في العمل السياسي، إن لم يكن أولها. لقد تناول الخطاب البصري السياسي بحياد، كما يفعل ذلك ناقد الرسالة الإشهارية، فهو يعتني بالخطاب الناقل لا بمضمون المنتج. ووفق هذا المبدأ حاول في فصول كتابه هذا أن يثبت أنّ السياسي ليس داعية، إنّه يسعى إلى إثبات فكرة يشكك فيها خصومه.
لم يهتم لوحمادي في كتابه هذه بتقنيات التواصل البصري فحسب، إنه بالإضافة إلى ذلك، ومن خلال عمله على التقنيات التسويقية، شكك أيضا في قدرة الكثير من الأحزاب على استعمال الصورة سندا تواصليا مستقلا بذاته. وهنا أيضا قدم حسن لوحمادي الكثير من الشواهد التي تثبت أن الفاعل السياسي والمتلقي السياسي أيضا لا يتعاملان مع الصورة، في الكثير من الحالات، إلا باعتبارها آلية محايدة تنقل الكلام أكثر مما تنقل طريقة في استمالة العين إلى ما يُعرض عليها. إن الرسالة البصرية في المناظرات السياسية أو في الحوارات، تكتفي، في تصوره، بتقديم منتج سياسي إلى “زبون” لا يعرف في الكثير من الحالات تقدير قيمة العين التي تلتقط الرسالة. فالذي “يرى” الصورة “يسمع” الكلام، أكثر مما يبصر الموضوع الممثَّل.
لقد كانت الدراسة التي يقدمها هنا، من بدايتها إلى نهايتها، إجابة عن سؤالٍ مركزيّ: كيف يمكن إسقاط لحظة تواصلية تتم في الصورة استنادا إلى مضمون سياسي يولد في المفاهيم. وهنا أيضاً أثبت بالكثير من الشواهد الملموسة، وهي جميعها برامج سياسية، أنّ السياسي في المغرب لا يستعمل ما يكفي من الصور لكي ينتج نصاً في السياسة، إنه يذهب إلى المتلقي من خلال اليافطة البصرية دون ان يكون للعين دور في إضافة شيء آخر غير ما يقوله اللفظ. إنه لا يقدم هوية بصرية مستقلة توضع في حساب هويته في الاسم اللفظي، بل يعرض نفسه كما هو خال من المضافات التي تخلقها الصورةُ.
لقد سجل في الكثير من الحالات المدروسة غياب التوافق المفترض بين الرسالة السياسية وبين التقنيات التي تظهرها وتُعلي من شأنها. وكما كانت رموز الكثير من الأحزاب السياسية مجرد رسم يساعد الأميّ على اختيار مرشحه، فان الصورة أيضا كانت في الغالب خطابا صوتيا ينقل الكلام أكثر ما يستثير انفعالات المشاهد (غياب أي استعمال مدروس للإيماءات والجسد والهيئة والنظرة…). ليس هناك إلا القليل من المشاهد البصرية التي يمكن أن تحظى في ذاتها باهتمام الرائي. إن الذي يرى ليس كمن يسمع، ومن يتكلم ليس كمن يبصر. فعوالم الكلام خلاف عوالم البصر، الأولى مفهومية، أما الثانية فتعج بالانفعالات. إنه لا يعيد الكلمة إلى البعد الصوتي فيها، ولا يعيد إلى العين قدرتها على ضبط الروابط بينها وبين ما يأتيها عبر السمع.
وكما حاول لوحماي اثبات ذلك، فإن الصورة ومرفقاتها، على عكس اللّفظ الذي يدعو الى التأمل، تتوجه الى الاحاسيس، إنها تدعو المتلقي الى الانخراط في لحظة تواصلية “حضورية”، فالفاعل السياسي لا يحضر من خلال برنامجه فقط، إنه يحضر من خلال شخصيته أيضا. إنه كائن مرئي في حركاته في الفضاء وفي نبر لغته أيضا وهيئته بكل معطيات التأثيث اللّباسي. يتعلق الأمر بــ “تشخيص” للسياسة من خلال صورة تجسّد حضور الفاعل فيها في عين الناخب المحتمل. فليس هناك من فاصل بين المرشح وبين “صوت” انتخابي. إنها القدرة التي يملكها باث في توجيه متلقي إلى غاية بعينها.
إننا نعود إلى التصنيفات المعيارية القديمة: السياسة في المخيال الشعبي بما هي كيد ومناورات ودسائس، والسياسة في تدبير المعيش اليومي، والسياسة في الصورة بما هي توجيه للرأي العام والدفع بها إلى الانخراط في تيار بعينه. ولا شيء خارج هذه التصنيفات. وهنا أيضا يسجل حسن لوحمادي وجود فاصل، لم ينتبه إليه المختصون الحزبيون في التواصل، بين تعبيرية الصورة وبين وظيفتها في التواصل السياسي. وقدم نماذج كثيرة لتوضيح ذلك. إن الإقناع في هذه البرامج لا يتِم مِن خلَال الصورة بل من خلال اسْتحْضار سلسلة مِن الوضعيات التِي ألفتها العين. والحال أنّ الصورة ليست سندا صامتا، ففيها أحاسيس وانفعالات وأخبار وزيف، وتضليل وخلق لحقائق تستعصي على اللفظ في الكثير من الحالات.
ومع ذلك هناك بعض التجارب في ميدان التواصل السياسي، في التلفزة خاصة، يشير إليها حسن لوحمادي ويعتبرها تشكل بدايات حقيقية لإرساء قواعد تواصل سياسي جديد لا يخاطب الناس على الفطرة، بل يجعل الأداة عنصرا مركزيا في تحقيق الانخراط السياسي، أو فقط استمالة الرائي للتصويت على المرشح.
نحن أمام محاولة معتبرة في ميدان التواصل السياسي البصري جديرة بالتقدير.

