كيف يفقد الطفل مكانه: الهجرة القاصرة بين وصاية الحماية وحدود الاعتراف

كيف يفقد الطفل مكانه: الهجرة القاصرة بين وصاية الحماية وحدود الاعتراف

تكشف دراسة «مكانة الأطفال الموضوعين تحت الرعاية» لموران شافانون وفاني ويستيل أن مؤسسة حماية الطفولة لا تكتفي بحماية الطفل، بل تشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج تعريف اجتماعي وسياسي لموقعه داخل منظومة السلطة. فالمفارقة الأساسية التي تبرزها الدراسة تتمثل في أن الطفل المهاجر غير المصحوب به قد يُعامَل بوصفه «بالغاً» حين يتعلق الأمر بإثبات سنه، ومسؤوليته، ومشروعية وجوده، بينما قد يُعامَل الطفل الموضوع في مؤسسات الرعاية بوصفه «طفلاً أكثر من اللازم» حين تخضع سلوكاته وخطاباته لتقييم مستمر يفرض عليه صورة مسبقة عن الطفولة المقبولة. ومن هنا يصبح العمر، الذي يبدو في الظاهر معطى بيولوجياً محايداً، مجالاً للتفاوض الاجتماعي والقانوني والسياسي، بل أداة من أدوات ممارسة السلطة.
ومن هذه الزاوية، تبدو حالة القاصرين المهاجرين الموجودين حالياً في سبتة المحتلة اختباراً بالغ الدلالة لهذه الإشكالية. فقد أدت موجة الدخول الجماعي من المغرب أواخر يوليوز 2026 إلى ضغط استثنائي على منظومة استقبال الأطفال؛ إذ تجاوز عدد القاصرين المسجلين في منظومة الاستقبال، في بداية غشت، 1300 طفل ومراهق، بينما لا تتجاوز القدرة العادية للاستقبال عشرات الأماكن، وهو ما جعل المدينة تلجأ إلى مرافق مؤقتة وتبحث عن آليات عاجلة لإعادة توزيع جزء منهم على مدن إسبانية أخرى. وفي منتصف غشت، تحدثت السلطات عن حوالي 1372 قاصراً مهاجراً غير مصحوب، أي ما يقارب 47 ضعف القدرة العادية للنظام؛ كما طُرحت خطة لنقل نحو 500 من الأكثر هشاشة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.
لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في بعدها الإحصائي وحده، بل في السؤال الذي تختزنه: متى يصبح المهاجر طفلاً في نظر الدولة؟ إن الطفل الذي يعبر الحدود وحيداً يدخل منذ اللحظة الأولى في شبكة من إجراءات التعريف والتسجيل والتحقق من السن وتحديد الوضع القانوني، بما يجعل طفولته نفسها موضوعاً للإثبات. وقد شهدت سبتة، في غشت الماضي، تجمع أكثر من مائتي قاصر أمام الشرطة من أجل التسجيل، باعتباره إجراءً ضرورياً للوصول إلى مراكز الاستقبال. وهنا تتقاطع الحماية مع الرقابة، والرعاية مع الإدارة، والطفولة مع الحدود؛ فيصبح الجسد الصغير حاملاً لوثائق قانونية وأسئلة سياسية أكبر من قدرته على التعبير عنها.
وهذا هو المدخل الذي يسمح بإقامة موازاة عميقة بين تجربة القاصرين المهاجرين في سبتة وبين الأطروحة المركزية لدراسة شافانون وويستيل: الطفولة ليست دائماً موقعاً محايداً للحماية، وإنما قد تتحول إلى موقع للصراع حول السلطة والتصنيف والاعتراف. فالقاصر المهاجر قد يُدفع إلى نوع من «التبليغ المبكر» عن ذاته، وإلى إثبات قدرته على الاستقلال أو معرفة مسارات الهجرة والإدارة والاندماج، فيُقرأ أحياناً كما لو كان أكبر من سنه؛ وهي عملية يمكن تسميتها، وفق المنظور الذي تقترحه الدراسة، «التبليغنة» أو Adultification: أي تحميل الطفل صفات ومسؤوليات البالغ. وفي المقابل، فإن إدماجه في نظام الرعاية قد يضعه تحت مراقبة تربوية تجعل تفاصيل سلوكه ولغته وطموحاته موضوعاً للحكم والتقويم.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما نضع في الاعتبار أن هؤلاء الأطفال ليسوا كتلة اجتماعية متجانسة. فالجندر، والطبقة الاجتماعية، والجنسية، والأصل الجغرافي، والمسار العائلي، كلها تتقاطع في إنتاج تجارب مختلفة للطفولة. وقد كشفت شهادات حديثة لفتيات مراهقات وصلن إلى سبتة أن بعضهن غادرن المدرسة بسبب أعباء أسرية أو قيود اجتماعية، بينما ربطت أخريات هجرتَهُن بأحلام التعليم والعمل والاستقلال الشخصي. وهكذا لا ينبغي اختزال الطفل المهاجر في صورة «الضحية» ولا في صورة «المهاجر المحتمل»، لأن كلا التصويرين قد يحجبه عن كونه ذاتاً إنسانية لها ذاكرة ورغبة ومشروع للمستقبل.
وتكشف سبتة، في هذا السياق، عن مفارقة صارخة: فكلما ازداد عدد الأطفال الذين يحتاجون إلى الحماية، ازدادت الحاجة إلى جهاز إداري قادر على استيعابهم، لكن خطر التحول من «حماية الطفل» إلى «إدارة أعداد الأطفال» يصبح أكبر. وقد أظهرت أزمة صيف 2026 أن مئات القاصرين وجدوا أنفسهم في الشوارع أو في فضاءات مؤقتة قبل إدماجهم الكامل في منظومة الحماية، في وقت كانت فيه السلطات والمنظمات تحاول تحديد أعدادهم وهوياتهم ووضعهم القانوني.
ومن هنا تتجاوز قضية القاصرين في سبتة بعدها الحدودي والهجروي لتصبح مرآة فلسفية لمفهوم الطفولة ذاته. فالسؤال ليس فقط: كيف نحمي هؤلاء الأطفال؟ وإنما أيضاً: من يملك حق تعريفهم بوصفهم أطفالاً؟ ومن يحدد مقدار استقلالهم؟ ومتى تتحول الرعاية إلى وصاية، والوصاية إلى رقابة، والرقابة إلى شكل من أشكال الإقصاء؟ إن إعادة قراءة وضع القاصرين المهاجرين من هذا المنظور تنقل النقاش من لغة «الأزمة» و«التدفقات» و«الأعداد» إلى لغة الاعتراف والكرامة والحق في المستقبل.
وبذلك تصبح سبتة مختبراً حدودياً بالغ الكثافة لما يمكن تسميته «سياسة الطفولة المتنقلة»: طفل يعبر الحدود، لكن الحدود لا تعبر معه فقط؛ إنها تدخل إلى تعريفه لذاته، وإلى ملفه الإداري، وإلى جسده، وإلى مستقبله. وإذا كانت حماية الطفولة تفترض أن يكون مبدأ المصلحة الفضلى للطفل هو البوصلة، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في ألا تتحول هذه المصلحة إلى خطاب إداري يتحدث باسم الطفل أكثر مما يصغي إليه. فالطفل المهاجر ليس مجرد موضوع للحماية، ولا رقماً في منظومة الاستقبال، ولا مشكلةً حدودية؛ إنه صاحب صوت وذاكرة وحق في أن يُرى قبل أن يُصنَّف.

د.حسن لغدش
ناقد فني وباحث في الجماليات والفنون البصرية

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *