في مراتب الأخوة؛ في تشكيل الرابط الاجتماعي

في مراتب الأخوة؛ في تشكيل الرابط الاجتماعي

إن دوافع الكتابة ليست واحدة، كما أن منطلقاتها ليست سواء. فقد يكتب الإنسان بدافع معرفي خالص، رغبةً في اكتشاف الحقيقة أو بناء نظرية أو نقد تصور قائم. غير أن الكتابة قد تنبع أيضاً من باعث إنساني أعمق، يجعل من المعرفة وسيلةً للارتقاء بالممارسة الإنسانية نفسها، حتى تبلغ من الكمال ما يحقق الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها. فالكتابة، بهذا المعنى، ليست ترفاً فكرياً، وإنما هي مشاركة في صناعة الإنسان، وإسهام في تهذيب الاجتماع، وسعي إلى إعادة بناء العلاقات التي يقوم عليها العمران البشري.
وقد انتهينا في مباحث سابقة إلى أن العلاقات الإنسانية الكبرى ــ كالأبوة والأمومة والبنوة والأخوة والزوجية والمصاهرة ــ ليست نتائج متأخرة للاجتماع الإنساني، وإنما هي شروطه التأسيسية، إذ بها يتشكل الوجود الاجتماعي ابتداءً، ومنها تتفرع بقية أنماط الارتباط بين البشر. وإذا كانت هذه الروابط تقوم على النسب أو السبب، فإن المجال الاجتماعي يفرز أيضاً روابط أخرى لا تقوم على الدم، وإنما تنشأ بفعل الاختيار الحر، ومن أهمها: الصحبة، والصداقة، والرفقة، والخلة. وهذه المفاهيم، على ما يبدو بينها من تقارب، ليست مترادفات، بل تمثل مراتب متدرجة في بناء العلاقة الإنسانية.
أولاً: الصحبة… علاقة الاقتران
الصحبة مشتقة من مادة (ص ح ب)، وأصلها الملازمة والمقارنة في الزمان والمكان، دون أن تستلزم بالضرورة محبة أو توافقاً عقدياً أو أخلاقياً. ولهذا كان لفظ الصاحب أوسع ألفاظ هذا الباب في العربية، فيقال: صاحب السفر، وصاحب الطريق، وصاحب السجن، وصاحب التجارة، وصاحب الحاجة. فالجامع بينها جميعاً هو مجرد الاقتران والملازمة.
ويؤكد الاستعمال القرآني هذا الاتساع الدلالي؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] جاءت الصحبة مع والدين مشركين، لتدل على أن حسن المعاشرة لا يتوقف على وحدة العقيدة، بل يقوم على الوفاء بحقوق المعاملة الإنسانية. كما ورد اللفظ في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40] في سياق الهجرة النبوية، حيث أطلق القرآن لفظ “الصاحب” دون أن يجعله اسماً لمرتبة عقدية مستقلة، وإنما باعتباره وصفاً لعلاقة الملازمة في ذلك الظرف التاريخي.
ولهذا فجوهر الصحبة هو المشاركة في الحضور قبل أن تكون مشاركة في القيم.
أما في الشعر الجاهلي، فقد ارتبط الصاحب غالباً برفيق الرحلة أو الغزو أو الارتحال، فكان وصفاً لعلاقة وظيفية تقوم على الترافق في أداء مهمة مشتركة أكثر مما تقوم على رابطة وجدانية عميقة.
ثانياً: الصداقة… علاقة الصدق
أما الصداقة فهي مشتقة من مادة (ص د ق)، وهي تنقل العلاقة من مجرد الاجتماع المكاني إلى الاجتماع القلبي والأخلاقي. فالصديق هو الذي يصدقك الود، ويطابق ظاهر فعله باطن اعتقاده، فلا يكون وفاؤه ادعاءً ولا مودته مصلحة عابرة.
ولذلك تكاد الصداقة تقوم على قيمة الصدق أكثر مما تقوم على مجرد الصحبة؛ إذ قد يكون الإنسان صاحباً لآخر دون أن يكون صديقه، بينما لا يكون الصديق صديقاً إلا إذا تحقق فيه صدق المودة والإخلاص.
ولا يرد لفظ الصديق في القرآن بمعناه المتداول للعلاقة الاجتماعية، وإنما ترد مشتقاته للدلالة على مرتبة أخلاقية وإيمانية عالية، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: 19]، وقوله تعالى في وصف يوسف عليه السلام: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: 46]. فالصدق هنا ليس مجرد مطابقة الخبر للواقع، وإنما استقامة الوجود كله على الحقيقة.
ثالثاً: الرفقة… علاقة المسير المشترك
أما الرفيق فمن مادة (ر ف ق)، التي تدل على اللين وحسن المصاحبة والتؤدة. فالرفيق هو الذي يشاركك الطريق، ولكنه يفعل ذلك برفق ورحمة وتيسير.
وفي الاستعمال العربي ارتبط الرفيق غالباً بالسفر، ولذلك قيل: رفيق الطريق، ورفيق القافلة، ورفيق الحج، لأن السفر يحتاج إلى التعاون والتلطف أكثر مما يحتاج إلى مجرد الاقتران.
غير أن القرآن ينقل الرفقة إلى أفق أعلى، في قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]. فالرفقة هنا لم تعد مجرد مشاركة في طريق دنيوي، بل أصبحت مشاركة في المصير الأخروي، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. إنها رفقة الغاية لا رفقة الوسيلة، ورفقة المصير لا رفقة الطريق.
وهنا يتجاوز الاستعمال القرآني المعنى اللغوي الجزئي، ليجعل الرفقة مرتبة من مراتب الكمال الإنساني.
رابعاً: الخلة… علاقة الامتلاء الوجودي
أما الخلة فهي أرفع هذه المراتب جميعاً. وأصلها من التخلل، أي نفوذ المحبة في أعماق القلب حتى لا تترك فيه موضعاً لغيرها.
ولهذا اختص الله إبراهيم عليه السلام بهذا المقام فقال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. فالخلة ليست مجرد محبة شديدة، وإنما هي اتحاد في جهة المقصد، وتمام الانقياد، وصفاء التعلق.
غير أن القرآن لا يغفل هشاشة الخلة إذا قامت على غير أساسها الصحيح، فيقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]. فحتى أعمق صور الارتباط الإنساني قابلة للانهيار والانقلاب إلى عداوة إذا تأسست على الهوى أو المصلحة أو العصبية، ولم تتأسس على التقوى.
ويكشف هذا التدرج عن نسق دلالي بالغ الأهمية؛ فالصحبة تؤسس للاجتماع، والصداقة تؤسس للثقة، والرفقة تؤسس للمسير المشترك نحو الغاية، أما الخلة فتؤسس لوحدة المقصد وتمام الائتمان. ومن ثم فإن هذه المفاهيم لا تمثل ألفاظاً متقاربة فحسب، بل ترسم سلماً ارتقائياً للعلاقات الإنسانية، يبدأ بالملازمة الخارجية، ويمر بصدق المودة، ثم بالاشتراك في الغاية، لينتهي إلى أعلى درجات الاندماج الروحي والأخلاقي.
يتبع..

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *