تكريم الكاتب و الشاعر نور الدين ضرار بالدار البيضاء
في إطار السهرة الختامية لفعاليات الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي الذي نظمته مؤخرا جمعية آرت وايف بفندق كنزي تاور بمدينة الدار البيضاء تحت شعار “الفن المعاصر وأبعاده الفكرية ” ، تم مؤخرا تكريم المبدع والمربي سعيد كيحيا صحبة فنانين مغاربة و عرب أشقاء : د. أحمد سلامة ( السعودية) ، سفيان مرزا( العراق)، عماد خوري( فلسطين) ، د. كنزة الصحراوي ( تونس) ، سعيد كيحيا ، بنيونس عميروش، الحيسن ابراهيم، لبابة لعلج (المغرب).

نور الدين ضرار شاعر، مترجم، ناقد، موسيقي وفاعل ثقافي مهتم بالمجال الفني والأدبي والفكري. من مواليد مدينة الدار البيضاء سنة 1960. تابع تعليمه القرآني والابتدائي والثانوي بالدار البيضاء، قبل أن يلتحق بالمركز التربوي الجهوي طالبا في شعبة اللغة العربية بوجدة (1981)، ثم المدرسة العليا للأساتذة بشعبة الأدب العربي بالرباط (1989)، فسلك التبريز في اللغة العربية والترجمة بمكناس (2004). تنقل بعدها بين عدة مدن مغربية بالشمال والوسط والجنوب أستاذا بالسلك الإعدادي، والثانوي ثم تكوين أطر وزارة التربية الوطنية، قبل حصوله على التقاعد النسبي من سلك الوظيفة العمومية والالتحاق بسلك الصحافة المكتوبة ثم كأستاذ في معهد الصحافة ومهن التلفزيون بالدار البيضاء بين 2007 و2010. وهو متفرغ حاليا للترجمة والتأليف الأدبي والموسيقي والعمل الجمعوي والثقافي.
وعلى مستوى مهامه كفاعل ثقافي، فهو الأمين والعضو المؤسس لـ”نادي هايكو – موروكو”، المؤسس – المشرف العام السابق لمنشورات “ورشة”، “الاتحاد المغربي للثقافات المحلية”، “دار الراوي”، والمشرف على سلسلة “إبداعات القلم” عن منشورات دار القلم، بالإضافة لمشاركاته في العديد من المهرجانات الأدبية والملتقيات الثقافية الوطنية والعربية والدولية داخل المغرب وخارجه..
من إصداراته الشعرية: تسكعات في خرائط التيه، توشيات لأهوال الحب والمطر، هلوسات خارج التغطية، تداعيات من زمن الحب والرصاص، استيهامات العاشق الأوحد، إشراقات من حياة أخرى، تلك الجوكندا بلباس نومها، ومضات من آخر سماء، زخّات من المطر الأخير، منشورات دار الراوي، الدار البيضاء، 2023.
وصدرت له عن الهايكو أعمال أنطولوجية منها: نفحات من الهايكو الياباني، باقات من حدائق باشو.. إلى جانب أعمال مشتركة منها: الهايكو العربي وشعريات هايكو العالم، نفحات من الهايكو المغربي، قبسات من الهايكو المغربي..
وله العديد من الترجمات الأدبية والفكرية والتوثيقية والفنية:
نذكر له في مجال في الشعر: من رماد وجمر (فاطمة شهيد)، أجساد (حميد ذويب)، برقيات المطر (مريم قوّش)، تشظيات، (ميلودي نويغا ودومينيك بيرجو)..
في الأعمال السردية قصة ورواية ومحكيات: طارق بن زياد (زكية داوود)، نوارس بأجنحة السواحل (عمر برادة)، مراكش التي كانت (مؤلف جماعي)، عائد لأبحث عنك (غيوم ميسو)، نساء من فاس (سعاد بلهاشم العلوي)، خمس أمثولات من فاس (كاي داستورغ)..
في مجال التصوف: أناشيد البقاء (إدريس لاهور)، رمضان كريم (مؤلف جماعي)، ذاك النور (دومينيك بيرجو وميلودي نويغا)، في رحاب الصالحين (فوزي الصقلي)..
في مصنّفات الموسيقى: محمد بن عبد السلام (مؤلف جماعي)، موسيقيات من المغرب (ريتا ستيرن)، الموسيقى اليهودية في المغرب (أحمد عيدون)..
في حقل التشكيل: تعرية وانبعاث (مؤلف جماعي)، الفرس في الفن المغربي الحديث (مؤلف جماعي)..
في حضارة المغرب: أسرار الصانعات التقليديّات بالمغرب (فوزية المكناسي وعبد الكريم عوّاد)، حدائق المغرب التاريخية (محمد الفايد)، التبوريدة، (مؤلف جماعي)، خيول وفرسان (جان فرانسوا كليمون ومحمد بنبراهيم)..
وفي أدب الأطفال حصريا عن دار مرسم بالرباط: بحر بكل الألوان (نور الدين ضرار)،
السمندرة التي كانت تلعب بالنار، بيشو الذي لا يعرف الكذب، علي بابا في قصر الذاكرة، الثعلب والقنفذ، (جان كريش).
الجَمّال الجشع، ذهبيّة وإخوانها السبعة، الشمعدان السحري، الأمير الذي لا يضحك أبدا، الحلم المطرّز (حليمة حمدان).
الكلمة السحرية (دنيا شرف)، هدية دائمة (سامانتا ملافاسي)، افتخار الحصان (حبيب المازني)، عفريت أنيسة (كريم ثابت)..
كما أن له مساهمات في أعمال نقدية مشتركة منها: قراءات في الإصدارات القصصية التسعينية، الهايكو العربي وشعريات هايكو العالم، القصة القصيرة جدا في تونس، تصورات ومقاربات..
وصدر له مؤخرا كتابه “مديح الألم.. شذرات في أعطاب الكينونة”، وترجمته “أفروتوبيا” للمفكر السينغالي فلوين سار.. فضلا عن مخطوطات أدبية وفكرية قيد الإعداد حاليا للنشر..
ومن أهم الإصدارات النقدية الخاصة بتجربته الإبداعية:
. نور الدين ضرار، شاعر التخوم البعيدة، تجربة إبداعية بأبعاد متعددة. دراسات (مؤلف جماعي).
. نور الدين ضرار، الشاعر الجواب، بورتريهات صديقة، (مؤلف جماعي)..
ومن الإصدارات النقدية المتضمنة لبعض أعماله الشعرية:
. الحساسية الجمالية في تخوم الفن والأدب، (أشرف الحساني).
. راهن الشعر المغربي، الثابت والمتغير، (مؤلف جماعي).
ومن أعماله الموسيقية: ألبوم غنائي من شعره وألحانه وغنائه، بعنوان “شغف“.
وله، شعرا ولحنا وغناء، على اليوتوب: شغف، سفر، أنشودة حب، رحيل، حالة، كان حلما، تلك الليلة، مراهقة، ابقي هذا المساء، مسافة حب، لأني أحبك، لليلة فقط، وأعمال أخرى قيد الإنجاز..
هذا مع تقديمات وتصديرات لأعمال أدبيّة وفكريّة متنوعة.. بموازاة العديد من النصوص الشعرية والنقدية المنشورة في دوريات ومجلات أدبية داخل المغرب وخارجه…

شهادة الشاعرة خديجة عثمان :بين حياة وحياة
على ساحل موغادور، حيث الرياح لا تهدأ ولا تستكين، ينتصبُ نور أمام البحر رُوحه التّوأم، ويطلق العنان لأمواجه المتلاطمة بعنف، وكأنها تعكس الصراع الذي يرجّ جوانحَ خلجانه، وهو يسرح بنظرته الساهمة فيما وراء الأفق الأزرق كما لو كان يستنفر غيوبا من بشائر حياة موعودة استرسالا لحياته السابقة. هكذا عرفته بسكينة نورس يفرد جناحيه في لجة الزوابع، وصلابة سفينة نجاة تقاوم الغرق لآخر أفق موصول بالسماء دونما شاطئ أو مرفأ. هو صنوُ البحر، خلوته الفسيحة بما يسع إشراقاته دَرءاً لألم الروح، وشاعر العزلة البعيدة الذي يَمدّ خَطوَه على مدّ الشطوط، لِيَرسُمَ بزبدها حدود اليابسة. على هذا المنوال نجده دائما يُهادِنُ مَكرَ الوقت بصفاء، ويقاوم وهن العمر بالقصائد والأغنيات. وكلما تمزق شراعٌ، أشرَعَ صَدره لهول اليّمّ من أوّلِ مَوجَةٍ لآخر عاصفة.
تتوالى تفاصيلُ سيرته في الذاكرة شريطا مطولا من صور الطفولة كحبات فشار تتسابق في وعاء الحنين المخضب بالألم. انطلاقاً من ارتياده للمسيد في سن الأرجوحة بقرار عائلي لمسار دراسي مرسوم سلفاً دون سؤال مسبق طبقا لوصية جده الفقيه، مرورا بصرخات الشعور المبكر بالوحدة بين جدران البيت بصحبة الكتب وأسطواناته القديمة، مع الانجذاب لتراب الأرض الذي يتسرب إلى عروقه من سفرياته الأولى لدواوير الشاوية أثناء عطله المدرسية، إلى بواكير قصائده الطفولية لتتشكل بالتدرّج من خلالها كينونةُ الشاعر الذي صار تَطلّعُه أكبرَ من جسده، وحلمُه أوسع من روحه.
في غير ما نص من كتاباته، يتذكر كيف كان ينبثق الصباح على المدينة البيضاء، وصوت الأمومة المزدوج يُعَمِّقُ شُعورَه بنوع من الفقد صَبِيّاً موزّعا بين حاضنة حاضرة ووالدة غائبة، وكيف تواشَجَت مشاعره بتلك التي تَبَنّته بأقوى ما يكون حب امرأة لصغيرها الأوحد، في حكاية لم يستطع تفكيك حبكتها إلا في سنينه اللاحقة، وظل نفس الطفل بنفس الحبّ عالقا بحضنها الأرحب، إلى أن انتزعها منه الموت لتتركه في ريعان الشباب طافحا باليتم وحيدا بأكثر من وجهة في دروب الحياة، لكن بهمة قوية لا تستكين وعزيمة صلبة لا تلين.

مرت عليه السنون وهو مشدود لعوالمه الخاصة من مُصَنَّف لمُصَنّف، ومن مؤلف لمؤلف، شغوفا بفضول معرفي متصاعد في شتى صنوف العلم وفنون الأدب. وكان لا بد أن يقف على أكثر من ساحل، ويخوض في أكثر من بحر، وبين الأمواج المتلاطمة تتقاذفه شتى التيارات وتتنازعه مختلف النزوعات، فيغوص في محيط شاسع من المذاهب الأدبية والفنية والفلسفية والفكرية، ويتشابك مع قضايا وإشكاليات على اختلاف مرجعياتها وتباين مستوى تشعباتها، ليصبح تقدميًا حتى النخاع في مراوحة واعية بين قديم وجديد، ويصير هاجسه خارج أي انتماء حزبي أو عَقَدِيّ متمحورا حول مبدأ العدالة الاجتماعية والحرية كما آمن به أساسا جوهريا للحقوق الإنسانية.. هذا قبل أن تنقلب به البوصلة ذات سفر في رحلة روحية فريدة انتهت به لتذويب تناقضات كل تلك التشعبات الفكرية والفلسفية التي تشبع بها مرحلة بعد مرحلة في بوتقة واحدة بعزلته المطلقة، ويتحول للبحث عن عدالة أخرى، عدالة السماء مفعما بمحبة الله وحسه الصوفي العميق، على إيقاع “إشراقات من حياة أخرى”.
على أرضه أكثر من منبع إلهامي لا ينضب، وفي جعبته أكثر من أسلوب إبداعي لا ينفد، ولا يزال في غياهب غيبه غيرُ ما من إشراق مرتقب، وإن كان قدره حينا فحينا من زمن لزمن يحمله وهنا على وهن، ومع ذلك حتى في لحظاته السوداء يحتفظ لنفسه بالقدر الكافي من الصفاء ليواصل العطاء، وتظل عالقة في صلبه أسرار يصونها كما يصون العارف جواهر البحر. نلتقطها ذات صحبة أو ذات فيض متعدد، لأنه يحب الغوص في كل المحيطات حرفًا لحنا وطربا وغناء.
نور ليس مجرد فنان موسيقي أو شاعر مترجم.. أكثر من ذلك، هو صوفي ينتشي في كل إشراق بخمرة الله المسكرة، زاهد تكفيه بساطة حياته الهائلة، مغربي العقيدة كوني النزعة، ومن عاداته اليومية في كل خلوة أن يتلاعب بأبجددية الكتابة كما يلاعب الـ”نبيل” المحترف الكرة، غير أن ملعب نور من ورق زاخر ببهاء الحروف وضياء الكلمات، بلغته العربية القديسة النفس، وفرنسيته الناعمة كخيط حريري يلوح للوجود من قمة برج إيفيل.
كان عصيًا أحيانًا، عصبيا مزاجيًا أحيانًا أخرى، لكن قلبه مفتوح كسماء صيفية صافية، وعطاؤه للثقافة لا يعرف حدودًا، كتابة وتنظيرًا، وأستاذا مكوِّنا وجمعويا متمرسا. يعانق الكلمات، يكتب ويرسم بحروفه لوحات العشق والفرح بين هلوسات الشعر-وتسكعات النثر-، وبلغة تقطر صدقًا ونقاء، بين شعر منظوم أو منثور بعدد غير قليل من الدواوين، وهايكو ينحى في ترجمته وإبداعه منحى التأصيل بلغتين، وباشتغال عميق على مستوى المبنى والمعنى في كل السياقات…
نور حداثي أصيل تعرفه المحافل والمنابر.. ساير كل الأصناف بحنكة المبدعين وخبرة العارفين.. كيف لا وهو سليل “ضرار بن الخِطاب” ووريث أفياء دوحته العصماء.. بقلب أكثر من شاعر في الشرق والغرب لبى “استيهامات العاشق الأوحد” و”هلوسات خارج التغطية”، وخط “تداعيات من زمن الحب والرصاص” و”توشيات لأهوال الحب والمطر”، دخل الشعر بقلب شاعر، وكتب للمرأة وللوطن الأكبر كمتلازمين، يحمل في قلبه كإنسان تناقضات كثيرة بين هدأة الصمت وصرخة الأعماق، وفي وعيه ككاتب بين اصالة التقليد وحداثة التجديد، كأنه كائن من زمن آخر حملته بوابة الثقافة إلينا من سواحل بعيدة، فنثر “تسكعاته في خرائط التيه” و”زَخّاته من المطر الأخير”، بجينات الصعاليك المتمردين وروح الأولياء القديسين.
أبدع، بل تميز في كل فن عانقه بحب، وأنجب العديد من الطربيات الموسومة بنوره بمشاعره العميقة وبصمته العريقة، وتظل أغانيه المشبعة بنفحة من زمننا الجميل تطفو بين الحين والحين صدى في مهب الريح كأهل الكهف في زمن لا يثمن قيمة النوادر والجواهر. تتردد في أعماله الفنية تَيْماتُ الشغب والشغف والحب والرحيل والسفر والسهر والحزن والفرح.. في قوالب موسيقية خفيفة الروح ومقامات بلمسة بارعة… من “أشودة حب” و”كان حلما”، مرورا بـ”تلك الليلة” و”مسافة حب”، إلى “مراهقة” و”علاش لا”، فضلا عن “لليلة فقط” و”لأني أحبك”. وكلها أغان مشبعة بجمالية خاصة فيها الكثير من الصدق الفني وحنين السنين.
في أكثر من محنة، أقام في مستشفيات عدة،ولكنها لم تمنعه من اعتلاء المنصات وتفقد المكتبات ومواصلة السفريات، والاعتكاف الدائم في أركان المقاهي الهادئة للقراءة والكتابة والترجمة مما يؤهله كل موسم بباقة من الإصدارات داخل المغرب وخارجه بوتيرة متواصلة، كأنه يقاتل الداء بالقلم بإيجابية مثلى ومعنويات عالية وطاقة ربانية فريدة.. وفي كل هذا التنوع، يبقى الشاعر الذي يرى القصيدة ابنته البكر المدللة، وحبيبته الفاتنة، منارة الحياة، وتوأم الروح والكفاح، أما الهايكو فطفله اليافع الذي يعتني به كما يعتني بفلذة كبده، تنشئة ورعاية ورسم مسار.. وفي كل غروب، لا يفوته أن يقف مع صديقته أمام المحيط المتماوج، يتأبط قصيدة ليعايش معها تفاصيل القصة ويراوغ أمواج البحر باتجاه آفاق جديدة أو سواحله البعيدة.
هكذا يجد نور نفسه دوما بين الحياة والحياة، لا موت يحول بين العاشق وعشقه، بين الكاتب وقلمه، وكأنه وحده من يستنطق صمت الوجود، ليقول لنا:
“ما زلت هنا… بين الموج والرياح، بين الألم والرجاء، بين -اليد العاشقة- و-الصدر الأعظم-، بين الحب والحياة. أحيا، ولا شيء غير الحياة.”
