في متاهة الكتب: من بغداد الجاحظ إلى بوينس آيرس بورخيس
كان خورخي لويس بورخيس يعتقد أن المكتبة ليست مكانًا، إنها قدر. قدر لا يُختار، يسكننا كما تسكننا اللغة، يجرّ القارئ من كتاب إلى كتاب، ومن حاشية إلى متن، ومن نصٍّ موجود إلى آخر كان يمكن أن يوجد. غير أن هذه الفكرة، في عمقها، ليست غريبة عن تراثٍ أقدم، عرف منذ قرون أن الكتاب لا يعيش وحده، وأن المعرفة لا تسير في خط مستقيم، بل في دوائر ومتاهات، وأن القراءة سقوطٌ داخل متاهة لا مركز لها.
كان الجاحظ، في بغداد العصر العباسي، يكتب كتبه كما لو أنه يتجوّل في سوق: يلتقط الحكاية، والنادرة، والرأي، يجاور بينها وبين نقيضها، يترك الفكرة تنقض نفسها بنفسها، يكتب ويفتح المعنى على احتمالاته الأكثر مكرًا ثم يمضي تاركا القارئ يتدبّر أمره. لم يكن “البيان والتبيين” ولا “الحيوان” كتبًا مغلقة، بل فضاءات مفتوحة، تتجاور فيها المعرفة والتهكّم، الفلسفة والطرفة، كأن الجاحظ كان يدرك، قبل بورخيس بقرون، أن الكتاب الذي يدّعي الاكتمال كتابٌ مشبوه، يخفي نقصه الأكبر المتمثل في عجزه عن توليد متاهته الخاصة..
أما إخوان الصفا فقد ذهبوا أبعد، كتبوا رسائلهم وأخفوا أسماءهم، كأنهم فهموا باكرًا أن النص أقوى حين يتحرّر من التوقيع. لم يخفوا أسماءهم فقط، بل حاولوا محو مركز النص ذاته. كتبوا رسائلهم كأنهم يوزّعون المعرفة على جسدٍ بلا رأس. لم تكن رسائلهم مؤلَّفًا واحدًا، بل مكتبة داخل كتاب تجمع قطوفا متعددة من فلسفة، رياضيات، موسيقى، آداب، لاهوت وأساطير… كل رسالة تحيل إلى أخرى، وكل جواب يفتح سؤالًا جديدًا. كل رسالة باب، وكل باب ممرّ، وكل ممرّ لا يقود إلى نهاية بل إلى تعقيد إضافي. لم يكونوا يعلّمون القارئ بقدر ما كانوا يعيدون تشكيله: يدرّبونه على أن يفقد يقينه تدريجيًا، أن ينتقل من معرفةٍ يظنها صلبة إلى أخرى أكثر هشاشة، ثم إلى هشاشة أعلى. هكذا تصبح القراءة تمرينًا على الفقدان، تُدخل القارئ في مسار تدرّجي، أقرب إلى المتاهة الروحية منه إلى الدرس.
ثم يأتي كتاب “ألف ليلة وليلة” الذي يبدو كأنه خرج مباشرة من حلم بورخيس. كتاب بلا مؤلف، بلا أصل ثابت، بلا نهاية حقيقية. “ألف ليلة وليلة” حيلة وجودية لا مجرد كتاب.. كل ليلة ليست استمرارًا لما قبلها، بل انحرافٌ محسوب عنها، تأجيلٌ للموت عبر تأجيل المعنى. شهرزاد تحكي لتبقى. تجعل السرد أداة مقاومة، وتحوّل الحكاية إلى زمنٍ إضافي يُنتزع من قبضة الفناء. لا يسعى الكتاب هنا إلى نهاية، لأنه يعرف أن نهايته هي موته. لذلك يظل مفتوحًا، متكاثرًا، خائنًا لكل محاولة إغلاق. كتاب يروي حكاية لكي يؤجّل الموت، ويؤجّل الخاتمة، ويؤجّل نفسه ويضمن امتداده وامتداد الحياة معه. تحكي شهرزاد لتُبقي المعنى معلقًا. كل ليلة كتاب، وكل كتاب باب، وكل باب يؤدّي إلى حكاية أخرى. هنا، حيث يتحول السرد إلى استراتيجية للبقاء أكثر منه وسيلة للمتعة فقط، استراتيجية مقاومة وتحويل بالأثر شخصية المتلقي الأول للحكاية من قاتل إلى عاشق “وأنجبا صبيانا وبنات وعاشا في ثبات ونبات”.
في قصة “مكتبة بابل” يتخيل خورخي لويس بورخيس الكتاب كونًا كاملًا على شكل مكتبة لا نهائية تتكون من قاعات سداسية متكررة بلا نهاية. تحتوي هذه المكتبة على كل الكتب الممكنة: كتب ذات معنى عميق، كتب مليئة بالهذيان، كتب تفسّر الحياة وأخرى تكذبها تماما.. سكان هذه المكتبة يعيشون داخلها، يقضون حياتهم في البحث عن كتاب الحقيقة أو كتاب يفسّر وجودهم لكنهم يغرقون في الفوضى، لأن عدد الكتب الهائل يجعل العثور على المعنى شبه مستحيل. تتحوّل الوفرة إلى لعنة. فالمعرفة، حين تبلغ حدّها الأقصى، تنقلب إلى عمى.
لكن ما فعله بورخيس، في العمق، هو تعرية الفكرة لا اختراعها، وكشف الشرط المظلم للمكتبة الكونية المتمثل في أن كل نظام معرفي، مهما بدا محكمًا، يخفي داخله فوضى لا يمكن ترويضها. أن كل كتاب، مهما ادّعى الشرح، يحتاج إلى كتاب آخر يشرحه، إلى ما لا نهاية. وهنا، يتحوّل المعنى إلى سلسلة إحالات لا تستقر. حين كتب بورخيس عن المكتبة الكونية، وعن الكتاب الذي يحتوي كل الكتب، وعن النص الذي يشرح نفسه بنفسه، كان – ربما دون أن يصرّح – يكتب سلالة هذه الكتب العربية التي فهمت مبكرًا أن المعرفة لا تُختصر ولا تكتمل. الفرق أن بورخيس حوّل هذه الفكرة إلى مجاز كوني، ليقول لنا: نحن لا نفتقر إلى الحقيقة بل نغرق فيها حتى العمى، بينما عاشها التراث العربي بوصفها ممارسة حيّة: في الحواشي، في الشروح، في المختصرات، في الردود على الردود.
في هذه المتاهة، لا يعود اللقاء بين الجاحظ وبورخيس مفارقة، ونجد شهرزاد تحاور كافكا، وتسبقه إلى اختراع القلق والمسخ. ورسائل إخوان الصفا تفتح بابًا على مكتبة لا نهاية لها تتماهى مع كتب فيلسوف النهضة الأوربية نيكولاوس كوزانوس و”الخلاصة اللاهوتية” لتوما الأكويني..
وفي لحظة نادرة، يدرك القارئ ما كان يجب أن يدركه منذ البداية: أن كل كتاب لا يُقرأ وحده. أن وراء كل صفحة كتابًا آخر، أقدم، أكثر خفاءً، وأكثر إصرارًا على ألا يُرى. وأننا، في النهاية، لا نقرأ الكتب بل تُعيد الكتب ترتيبنا، وتتركنا، بهدوء، أكثر تيهًا مما كنّا.
