تكريم الإعلامي والباحث العراقي سفيان مرزا  بالدار البيضاء

تكريم الإعلامي والباحث العراقي سفيان مرزا  بالدار البيضاء

في إطار السهرة الختامية لفعاليات الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي الذي نظمته مؤخرا جمعية آرت وايف بفندق كنزي تاور بمدينة الدار البيضاء تحت شعار “الفن المعاصر وأبعاده الفكرية ” ، تم مؤخرا تكريم الإعلامي والباحث العراقي سفيان مرزا المقيم بألمانيا صحبة فنانين مغاربة و عرب أشقاء : د. أحمد السلامة  (السعودية)،  عماد خوري (فلسطين) ، د. كنزة الصحراوي ( تونس) ، سعيد كيحيا، ، لبابة لعلج ، الحيسن ابراهيم ،  بنيونس عميروش، نور الدين ضرار(المغرب).


حين تتحول الصورة إلى ذاكرة، والفن إلى مشروع ثقافي
في المشهد البصري العربي المعاصر، تبرز أسماء استطاعت أن تتجاوز حدود التخصص الواحد، لتؤسس تجارب إبداعية تتقاطع فيها الفنون البصرية مع البحث الأكاديمي، والإعلام مع الثقافة، والتوثيق مع التأويل الجمالي. ومن بين هذه التجارب النوعية يبرز اسم الفنان المغربي سفيان ميرزا، الذي ارتبط اسمه بالصورة بوصفها وعاءً للذاكرة، وبالفن باعتباره أداةً لإنتاج المعرفة وإعادة قراءة التاريخ والإنسان. فقد نجح، عبر مسار مهني وإبداعي متنوع، في بناء مشروع ثقافي متعدد الأبعاد، تتكامل فيه الممارسة التشكيلية مع التصوير الفوتوغرافي، وصناعة الفيلم الوثائقي، والكتابة الصحفية، والبحث الأكاديمي.
يقيم سفيان ميرزا بمدينة كولونيا الألمانية، حيث يواصل مسيرته العلمية بجامعة كولن، منخرطًا في مشروع بحثي يهتم بتقاطعات التاريخ والثقافة والفنون البصرية، في إطار رؤية معرفية تنطلق من الإيمان بأن الصورة ليست مجرد وسيلة للتسجيل، بل خطاب ثقافي قادر على إعادة تشكيل الوعي الجماعي، واستحضار الذاكرة، وإعادة تأويل الماضي في ضوء أسئلة الحاضر.


وعلى امتداد أكثر من سبعة عشر عاما، راكم تجربة مهنية غنية ومتنوعة، تنقل خلالها بين مجالات الإبداع البصري والإنتاج الإعلامي والعمل الثقافي، مكتسبًا خبرة واسعة في صناعة الأفلام الوثائقية، وإنجاز التقارير التلفزيونية، والتصوير الفوتوغرافي الاحترافي، إلى جانب ممارسته المتواصلة للفن التشكيلي. وقد أتاح له هذا التنوع أن يطوّر رؤية شمولية للصورة، بوصفها وسيطًا يجمع بين الوظيفة التوثيقية والقيمة الجمالية، وبين التعبير الفني والمسؤولية الثقافية.
ولا تنفصل تجربته التشكيلية عن اشتغاله الإعلامي والبحثي، بل تتكامل معه في مشروع إبداعي واحد، يجعل من الفن مجالًا للتأمل في قضايا الإنسان والهوية والذاكرة. ففي أعماله التشكيلية والفوتوغرافية، لا يكتفي سفيان ميرزا بتسجيل الواقع كما هو، وإنما يعيد تفكيكه وإعادة تركيبه داخل بنية بصرية غنية بالإحالات الرمزية والدلالات الثقافية، حيث تتحول الصورة إلى فضاء للتفكير، وتصبح اللوحة وسيلة لطرح الأسئلة الوجودية المتعلقة بالمكان والانتماء والزمن.


وتتأسس تجربته الفنية على وعي عميق بأهمية الذاكرة بوصفها أحد المكونات الأساسية للهوية الثقافية. لذلك تحضر عناصر التاريخ والتراث والإنسان في معظم أعماله، ليس بوصفها موضوعات جاهزة، وإنما باعتبارها مكونات دينامية تخضع لإعادة القراءة والتأويل. ومن خلال هذه المقاربة، تتحول الصورة إلى وثيقة بصرية تحفظ تفاصيل الحياة اليومية، وتكشف التحولات الاجتماعية والثقافية، وتعيد الاعتبار للإنسان باعتباره محور العملية الإبداعية وغايتها الأساسية.
ويولي سفيان ميرزا اهتمامًا خاصا للفيلم الوثائقي، انطلاقًا من قناعته بأن الصورة المتحركة قادرة على الجمع بين السرد البصري والتوثيق التاريخي، وبين الحس الجمالي والبعد المعرفي. وقد ساهم في إنتاج عدد من الأفلام الوثائقية والمواد التلفزيونية التي عالجت قضايا ثقافية واجتماعية وإنسانية، موظفًا لغة سينمائية تتسم بالدقة والعمق، وتمنح المتلقي فرصة للتفاعل مع الموضوع من منظور بصري وفكري في آن واحد.
وعلى الصعيد الثقافي، شارك في العديد من المعارض الفنية، والملتقيات، والمهرجانات داخل المغرب وخارجه، خاصة في عدد من الدول الأوروبية، حيث قدم أعمالًا تتقاطع فيها الفنون البصرية مع البحث التاريخي والتوثيق الثقافي، مؤكّدًا أن الإبداع الحقيقي لا ينفصل عن المعرفة، وأن الفن قادر على بناء جسور للحوار بين الثقافات المختلفة. وقد أسهمت هذه المشاركات في التعريف بتجربته، وفي ترسيخ حضوره داخل فضاءات فنية وثقافية تؤمن بقيم الانفتاح والتبادل الحضاري.


وبالتوازي مع نشاطه الفني والإعلامي، يواصل سفيان ميرزا اشتغاله في مجال البحث والكتابة، من خلال مشاريع أكاديمية وفكرية تستكشف العلاقة بين التاريخ والرموز الثقافية والفنون البصرية، مستفيدًا من أدوات البحث العلمي في مقاربة القضايا المرتبطة بالذاكرة والهوية والصورة. ويعكس هذا التوجه قناعة راسخة لديه بأن الفن والبحث ليسا مجالين منفصلين، بل يشكلان منظومة معرفية واحدة، تتكامل فيها الرؤية الجمالية مع التحليل النقدي لإنتاج معرفة أكثر عمقًا واتساعًا.
وتقوم فلسفته الإبداعية على اعتبار الفن رسالة إنسانية تتجاوز حدود الممارسة التقنية، إذ يرى أن الصورة ليست لحظة عابرة تُلتقط بالعدسة، وإنما وثيقة ثقافية تحفظ الذاكرة، وتعيد بناء السرديات الإنسانية، وتُسهم في ترسيخ قيم الحوار والتفاهم بين الشعوب. ومن هذا المنطلق، تصبح اللوحة الفوتوغرافية أو التشكيلية فعلًا ثقافيا يسائل الواقع، ويكشف طبقاته الخفية، ويمنح الإنسان فرصة للتأمل في ذاته وفي العالم من حوله.
إن تجربة سفيان ميرزا تمثل نموذجا للمثقف البصري المعاصر الذي استطاع أن يجمع بين الإبداع الفني، والعمل الإعلامي، والبحث الأكاديمي في مشروع متكامل، ينهل من التاريخ دون أن ينغلق فيه، وينفتح على الحداثة دون أن يفقد صلته بالجذور. ومن خلال هذا المسار المتعدد، يرسخ حضوره باعتباره أحد الأصوات الفنية العربية التي تؤمن بأن الصورة ليست مجرد انعكاس للواقع، بل وسيلة لإعادة صياغته، وأن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يترك أثرا معرفيا وجماليا وإنسانيا يمتد عبر الزمن، ليغدو شاهدا حيا على الإنسان، والذاكرة، والتحولات الحضارية.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *