النحت العراقي المعاصر ممارسة نقدية بامتياز
يُعد النحت العراقي المعاصر امتدادا مركّبا ومتغيّرا لإرث بصري عميق الجذور، يمتد من المنجز الرافديني القديم بوصفه مرجعية تأسيسية، ولا يتوقّف عند حدود الحداثة، بل يدخل في حوار مفتوح مع أسئلة المعاصرة، والذاكرة، والصدمة، وإعادة تعريف المعنى. فالنحت في العراق لم يكن في أي مرحلة ممارسة تزيينية أو ترفًا شكليًا، بل ظلّ مرتبطًا على نحو بنيوي بالأنظمة الرمزية والطقسية والسياسية، الأمر الذي يفسّر الحضور المبكر والمتقدّم للبعد المفاهيمي حتى في أكثر تجاربه المعاصرة حدّة وتطرّفًا.
تشكل النحت العراقي الحديث، منذ منتصف القرن العشرين، ضمن مشروع توفيقي سعى إلى المزاوجة بين المرجعية الرافدينية واللغة النحتية الحديثة، ليس عبر الاستعارة الشكلية المباشرة، بل من خلال إعادة تأويل البنية الرمزية للمنجز القديم. وقد مثّلت تجربة جواد سليم لحظة مفصلية في هذا المسار، إذ أعاد قراءة الرموز الرافدينية بوصفها أنظمة دلالية حيّة، قابلة لإعادة التوليد داخل خطاب حداثي، لا باعتبارها مخلفات أثرية جامدة. ومن هنا ترسّخت فكرة محورية في مسار النحت العراقي مفادها أن العلاقة مع الماضي ليست علاقة استحضار، بل علاقة تفكيك وإعادة تركيب وفق شروط الحاضر وأسئلته.
في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، شهد النحت العراقي توسعا ملحوظا على المستويين التقني والمضموني، تمثل في تنوّع الخامات، واتساع الفضاءات العرضية، ولا سيما في مجال النُصُب العامة. وقد برزت أعمال عزّزت من مكانة النحت بوصفه خطابًا بصريًا ذا بعد تعبوي، تحت ضغط الحرب والأيديولوجيا، كما في نصب الشهيد لإسماعيل فتاح الترك والجندي المجهول لخالد الرحّال. وفي مقابل ذلك، ظهر بعد سردي وإنساني أكثر حميمية في أعمال أخرى، مثل نصب كهرمانة لمحمد غني حكمت، حيث استُدعي الموروث الشعبي والأسطوري في علاقة مباشرة مع فضاء المدينة والذاكرة الجمعية. غير أن هذا الاتساع ظلّ محكومًا، في كثير من الأحيان، بإكراهات الخطاب الرسمي، ما وضع النحت العراقي بين إغراء التعبير الحر وضغوط التوظيف الأيديولوجي.
ومع تسعينيات القرن العشرين، وما رافقها من حروب وحصار وانهيارات بنيوية، دخل النحت العراقي طورا مختلفا، اتسم بالتشظّي والقلق الوجودي. لم يعد الجسد النحتي متماسكًا أو مكتملًا، بل أخذ يتبدّى بوصفه جسدًا مجزّأً، متآكلًا، أو غائبًا جزئيًا، يُستدلّ عليه عبر الأثر والفراغ. واتجه النحاتون إلى خامات هشّة أو مهملة، وإلى تقنيات التركيب والتجميع، بوصفها صيغًا تعبيرية تتيح القول غير المباشر، وتمنح الفنان هامشًا من المناورة الرمزية في مواجهة الممنوع والقمع والخوف. وهنا يمكن رصد تحوّل النحت من كيان صلب ومتعالٍ إلى منجز أقل وطأة، ومن حضور مكتمل إلى علامة على الفقد والانكسار،
السؤال الوجودي المفتوح
في النحت العراقي المعاصر، يحضر التاريخ، صراحة أو بالاستعارة، بوصفه محورا نقديا مركزيا. فالعمل النحتي لم يعد معنيا بتمجيد البطولة أو تخليد المثال، بل بمساءلة التاريخ ذاته، وكشف ما ينطوي عليه من عنف مقنّع في الصور الرسمية. كما تحول الجسد من رمز للقوة أو الجمال إلى حامل لآثار الصدمة: جسد مبتور، مشوّه، أو غائب، تُستعاد دلالته عبر الفراغ والغياب. وبهذا المعنى، يقترب النحت العراقي من جماليات ما بعد الصدمة وما بعد الحداثة، حيث لا تُقدَّم المعاني بوصفها مكتملة أو نهائية، بل مؤجَّلة، هشّة، ومفتوحة على احتمالات التأويل.
في المحصلة، مثل النحت العراقي المعاصر ممارسة نقدية بامتياز، تتجاوز البعد الشكلي إلى تفكيك العلاقات المعقّدة بين الذاكرة والسلطة والهوية. إنه نحت لا يستقر في المتحف وحده، بل يتقاطع مع الفضاء العام، ومع الخراب، ومع السؤال الوجودي المفتوح. ومن هنا تنبع خصوصيته: نحت لا يدّعي الاكتمال، بل يشتغل على الشقوق، بوصفها المجال الأكثر صدقا لقول الحقيقة الجمالية.
