قراءة سوسيوثقافية في رائعة الفنان الدكتور سلام جبار “مزاد مزمن”
المقدمة:
يتحفنا الفنان الكبير (سلام جبار) مرة اخرى بواحدة من اعماله المثيرة للجدل بما تتضمنه من مشاكسة للسائد في آليات التخيل الابداعي وميكانيزمات الاداءالاحترافي في الرسم وبما يحقق اضافة نوعية للتشكيل العراقي, وقد اعتاد الفنان التعبير عما هو ممنوع تصويره من الراكد في الضمير والوجدان رغم الغليان, في المزاد المزمن يقتحم الفنان الواقع العراقي المأزوم من طبقاته العميقة ليكشف لنا على السطح المسكوت عنه من الحقائق وما كان وما هو كائن تحسباً لما سيكون.

توصيف العمل:
يضم العمل عناصر متزاحمة ومتنوعة, ضمن فضاء ملحمي يعيد للاذهان روائع متحفية تتفاخر بها الامم كـ (الحرية تقود الشعوب) لديلاكروا و(طوفان الميدوزا) لالجيريكو و(مفترق طرق) لدييجو ريفيرا, الحدث التصويري في المزاد المزمن يعاد فيه انتاج الزمان والمكان خارج قوانين الفيزياء وعلى وفق (ضرورة داخلية) ينتقيها الفنان لتجسيد فكرته, كالتي بشّر بها الفنان الكبير فاسيلي كاندينسكي, فتحولت الاشكال المفعمة بالدلالة الى رموز وهل الفن سوى حقل رمزي (كما تقول سوزان لانجر) في هذا الحدث تتمسرح العناصر البصرية على وفق ميزانسين تحكمه خبرة اخراجية في تحريك الشخصيات وتشعبات دلالية في التشفير وتتراصف مشاهد المزاد المزمن على وفق مونتاج ممنهج ومقصود.
عتبة العنوان:
مزاد مزمن عنوان العمل وعتبة التلقي ونقطة شروع القراءة, وبالملاحظة الدقيقة للاصطلاحين نجد ان الاول يتصل بمفهوم التسليع والاستهلاك حيث لا قيمة للاشياء سوى مقابلها المادي, ومادامت العناصر ضمن حدود (المزاد) فلا قيمة لابعادها الروحية والوجدانية ولا للذكريات التي ترتبط بحياة مالكيها, اصبحت قيمتها في الاغراء الذي تفرضه على شهوات المشترين وقدرتها على دفعهم للتنافس المحموم والاستئثار بها بفعل قوتهم الشرائية مجهولة المصدر.
اما الكلمة الثانية في العنوان وهي (المزمن) فلها دلالة الامتداد والاستمرار عبر الزمن وغالبا ما ترتبط تداولياً بالامراض المستعصية التي لا يرجى لها دواء او شفاء والتي يتم إسكات مصابيها بالمسكنات حتى يحين اجلهم, وبالتالي تتشكل عتبة العنوان من تقاطع قيمي حاد بين دلالة استهلاكية تفترس الاشياء بعد ان تخضعها قسرا للتخلي عن هويتها والتحول الى سلع متداولة تباع وتشترى, ودلالة المرض الممتد على امتداد الزمن ولا خلاص منه.
السطح والفوضى المنظمة:
يتالف العمل من سيناريو درامي تتمسرح عناصره برؤية اخراجية ذكية ويخضع لعملية مونتاج منحته هويته التي استوعبت ثنايا جدار الذاكرة والوجدان وتحقق بهاءها على جدار المتحف, فالعناصر هي اشكال بشرية مالوفة ونمطية في الحياة اليومية لكن امتزاجها العميق بالعناصر العقلية جعلها شبكة الرموز مما يستوجب التامل والتاويل لكشف مضامينها التي تؤسس خطابها الابلاغي العام, والملاحظة الاولى التى تواجه القراءة هو االتكاثر الذي تفرضه الفكرة على الشكل العام (نظام التكوين) وهو الدرس البليغ الذي يترجمه الفنان عن مقولة بيكاسو الي يؤكد ان اشكاله محكومة بأفكاره.
عند فحص السطح التركيبي يتبين انه يتمحور حول واسفل تمثال الرصافي ويتوزع حوله بصيغة افراد او مجموعات تشترك جميعها في صخب الشكلانية وعمق الدلالة, كما ان بنية العمل بشكل عام خاضعة لقانون الانتشار وتشظي المركز وهي سمة انتقائية يلجا لها الفنان للتعبير عن ضروراته التعبيرية, فوزعها على عموم السطح في تماهي تقني مع معطيات الارث الابداعي للفنان جاكسون بولوك عندما حطم التمركز الشكلي والدلالي في اعماله ونقله الى كل ابعاد العمل, اذ ان العمل لو كان قد انتظم على وفق قوانين تكوينية محددة كالتمركز او القطبية او التوازن او السيمترية لكان المبنى والمعنى قد اختلفا بشكل حاد وقوّض احدهما الاخر, وهو امر لا يغيب عن الخبرة المتراكمة للفنان, الغريب في التكوين انه وبرغم سيادة قانون الانتشار واللاتمركز في مدياته الاربعة الا ان المجاميع التي يضمها الحدث التصويري تنتمي لصياغات تكوينية متنوعة وما عصم التكوين من الانهيار هو تماهي الحركة الجزئية للعناصر مع الحركة الكلية للعمل على وفق الدرس الجمالي الذي صرّح به الفنان الكبير بول كلي.
لعبة الاضاءة:
من الملامح البنائية البارزة في هذا العمل هو لعبة الاضاءة وتقسيمها وتقويض فيزياء الطبيعة لصالح جمال الفن, فمن الدارج ان تخضع الاشكال لمركز ضوئي موحد, لكن من المميز ان يتم تفعيل اسلوب الفنان رامبرانت في تحديد مركز الجذب البصري بالضوء وهي مغامرة كلفت رامبرانت الكثير في حينها لكنها فتحت افاق للابداع من بعده كما في هذا المزاد, فالانارة التي وفرت الضوء للنماذج الشاخصة في العمل لا تخضع في ظهورها الا لذاتية الفنان وقناعاته المنفلتة من التابوهات الصارمة وفيزياء الواقع.
الهندسي والوجداني في التموضع:
تبدو العناصر الشكلية متحررة في تموضعاتها من سلطة المنظور الهندسي الذي حكم اجزاء المشهد وعناصره فيزيائيا في الاعمال التاريخية لتحقيق صفة المطابقة مع الواقع كمعيار ابداعي والتي اقرها وطورها دافنتشي من قبل, والتي تمرد عليها الفنان كما تمرد الانطباعيون من قبل واعلنوا انهم يرسمون كما تغني الطيور فالرسوم لا تصنعها الشرائع, ففي المزاد المزمن يبتسم الفنان (سلام جبار) لكل الاشارات المرورية الحمراء ويتخطاها بثقة المدرك لقوانين الرسم كمحترف والمبتكر للجديد كفنان وهو الدرس الي تعلمه وعلمنا اياه من الفنان بابلو بيكاسو, اي ان المنطق الذي يحكم الفنان هو منطق الرياضيات التي لا تناقش (1+1=2) ومنطق الموسيقى التي تحتفي بالاداء ولا تكرر, فليس بالامكان اجمل مما كان.
تحليل المرئيات المريرة:
المقدمة:
يشترك في المزاد المزمن قرابة ال 25 عنصرا بصريا, بدءا من تمثال الشاعر معروف الرصافي وعلى يمينه بنابة تبدو خالية او غير مكتملة, على يساره في السماء منطاد وللاسفل منه آليات تحطيم مباني وبجوارها عمود خشبي فلكلوري بلون التركواز والى جواره اسفل التمثال نحو اليمين منادى يحمل مكبر صوت والى جواره رجلان احدهما يتامل والاخر يرفع يده وبجوارهما شخص يحمل بيده ميزان وبجواره مجموعة وجوه ثم باب آيل للسقوط وللاسفل منه مجموعة من المضاربين في سوق العملات والى يسارهم مهرج يحمل ديك وبجواره تمثال الحاكم جوديا وتلفاز يستقر على غسالة وبائع وخلفه عصا المساحة المائلة ودمية ترتدي ثوب فاخر وبجنبها شخص يحمل صندوق وشخص مسلح يسير بعيدا عن المكان واسفل الدمية حمال يحمل على ظهره آلة بيانو واوراق متناثرة وفايلات مرمية على الارض ونخلة مقطوعة ولوحة الخياطة لجواد سليم وكرسي فخم وعلى الارض صورة عبدالكريم قاسم وشخص بدين يبيع الكتب وبجواره قفص طيور وفتاة جالسة بزي محتشم وانيق وتحتها صناديق كرتون وقطة تستقر على جزء من حاسبة منضدية

المرجعيات الفكرية المؤسسة:
بدءا ترصد القراءة هوية دلالية لكل عنصر من العناصر التي ذابت فرديتها في خضم علاقات المزاد, ومن وجهة النظر البنيوية تبرز قيمة العلاقات اكثر من ذاتية العناصر, ولان القراءة تستدعي اسس العمل الفني كظاهرة وليس بنيته فحسب, صار لزاما استيعاب حركة العلامات داخل البنية وكشف المؤثرات السوسيوثقافية التي ادت لها اي فحص العمل من الخارج للداخل تكامليا, فالمزاد ليس حدث عابر او مصادفة في عمر الزمن بل له مبرراته ودوافعه التاريخية والمعرفية والوجودية, وهذ يتطلب احصاء الدوال وتحديد مرجعياتها السوسيوثقافية وطبيعتها السيميائية لتشخيص الافكار الكامنة وراءها لتقديم حقائق المزاد والكشف عن من باع وماذا ولمن؟ وكما يلي:
- الجو العاصف: في مثل هكذا حدث صاخب ومريب في العمل الفني تتماهى الارض بالسماء, ففوضى العناصر في الجزء الاسفل من العمل والبيع المزمن للمعلوم ظاهرا في النص والمخفي باطنا في كواليس القرار هو قضية كبيرة تتخطى الاشكال الى دلالاتها وقيمها, كل ذلك اشركه الفنان بالجو العاصف المعتم في الجزء الاعلى من اللوحة كاشارة تستفز الوعي للانتباه للمزاد المزمن وابعاده المشفرة, هذا التراسل بين الارضي والسماوي في السطح التركيبي دعم الفكرة وعمّق المعنى بوعي وانتقائية عالية, مما يجعل الجو العاصف احالة رمزية لفكرة (تراجيديا الحدث).
- تمثال الرصافي: يحتل هذ التمثال قمة المحور الوسطي العمودي للعمل والصدارة في مراكز الجذب, ورغم مكانته التاريخية والادبية في وجدان العراقيين الا انه معروض للبيع ضمن معروضات المزاد, و(الرصافي) قضية بحد ذاته لكثرة ما قاله من ادب وقيل عنه من مدح وقيل فيه من قدح, هذا الشاعر يستعيره الفنان من التاريخ للمزاد لمخالفته السائد وتمرده على المتداول في الوعي في عصره, ففي كتاب الرصافي (الشخصية المحمدية المكتوب عام 1933 والمطبوع في بيروت منذ بضع سنين) ورد الكثير من نمط التفكير الحر والجريء والذي يستهدف الحقيقة والذي حدى بالبعض باتهامه بالالحاد (للسيد كمال الحيدري محاضرة مهمة في هذا الجانب) ان محاولة الكشف عن المبرر الموضوعي الذي جعل الرصافي في صدارة المزاد المزمن هو تمرده على الداتا المعرفية المتداولة في حينه, فقبل قرابة 90 عاما من الان كان مجرد التفكير خارج السرب مدعاة للسخط والتنكيل, لكنه فكّر وعبّر واوصى ان لا يطبع كتابه الا بعد موته خشية سوء العاقبة وقسوة العقاب, هذا الموقف الساعي لتحري الحقيقة لذاتها يتماهى مع موقف الفنان ذاته في تجاوزه الخطوط الحمراء ابتغاء لقرع ناقوس الخطر,فبالتالي يصبح تمثال الرصافي ازاحة تعبيرية نحو فكرة (التغريد خارج السرب).
- المنطاد: هذا البالون الطائر على يسار التمثال هو ليس مجرد وسيلة نقل جوية تاريخية كالتي اطلقها هايدينبرج عام 1937 بل هو نموذج لمنظومة حماية مفاعل تموز النووي العراقي الذي تم تدميره من قبل الكيان عام 1981 لمنع التطور العلمي العراقي وبلوغ ناصية التحضر فكان لزاما تدميره واجهاض المشروع, وما كان للضربة ان تنجح لولا انزال المناطيد التي كانت تحمل شبكة الاسلاك الفولاذية الجبارة التي كانت تحمي المشروع بشكل مفاجيء ومثير للشكوك, الحادثة افرزت العديد من علامات الاستفهام التي لم تجد لها صدى قانوني دولي فضاع الحلم بالازدهار مما عمله (الاشرار) مما يجعل المنطاد تعبيرا عن فكرة (الخيانة)
- البناية على اليمين: بناية كبيرة تبدو خالية وقيد الانشاء, تعيد للاذهان فكرة المجمعات السكنية الاستثمارية التي تكاثرت كالشياطين وباسعار بعيدة جدا عن امكانات المواطن البسيط والتي رصدت لها مبالغ مليارية قذرة ومجهولة المصدر ليتم غسلها وتوفير المبرر القانوني لها لتكون من مقتنيات وممتلكات الحيتان وبالتالي من نصيب البلوكرات والفاشنستات من رعاتهم الاثرياء, وهو تعبير مشفر عن فكرة (غسيل الاموال) .
- آليات تحطيم المباني: على يسار التمثال وتحت المنطاد الذي ازيح عن واجبه قسرا نجد آليات ومكائن تحطم مباني يجاورها عمود تراثي بلون التركواز في تماهي بين قيمة التراث الثقافي التي اندحرت امام بريق المكاسب الاستثمارية اي ان المال يزيح الثقافة, وهذا يذكرنا بتراثنا التشكيلي والتاريخي العظيم الذي تم سلبه ونهبه في طوفان 2003 ولم يجد من يسعى لأسترداده او المطالبة به, وهنا تسجل القراءة احالة مضافة الى فكرة (الفساد).
- المعلن: هذا الشخص يعبّر عن ظاهرة للدعاية والاعلان والتسويق وهو يتجلى في المزادات واوقات الانتخابات, يحث البائعين على بيع اشياءهم وحتى مواقفهم واصواتهم ويدفع المشترين للاقتناء فيقدم لهم كل شي سواء كان من الموجودات في المزاد (العمل الفني) او التي يتم الاتفاق عليها خارجه كالحقول النفطية والموانيء والحدود, هذا المعلن كعنصر فاعل في المزاد لا يعبأ سوى بعمولته من البائع والمشترى وليذهب اي شيء اخر للجحيم حتى لو كان التراث او المصير, هذا المعلن في المزاد يعمل كميديا مأجورة تغض البصر عن الوقائع وتزيف الاحداث وتحرف الانظار عن هول ما يجري وبالتالي يكون اشتغاله الدلالي في العمل كما لو كان (إعلام مؤدلج ومأجور).
- المشتري البدين والمجاور له: شخصان احدهما لاعب رئيس في المزاد والاخر يشترك بمجرد النظر والتسبيح, الاول رمز الثروة والثاني رمز التستر بالدين وكلاهما ينتهزان المزاد كفرصة للكسب او التسلية… كلاهما سيرحل بعد ان يسلبا من المزاد المزمن ما غلا ثمنه وخف وزنه تاركين وراءهم الخراب محصنين بحالة (ازدواج الجنسية والعصمة من المسائلة).
- بائع الميزان: الميزان في الفكر هو القوة التي تتحكم بالبلاد وهو ما به توزن الحجج والبراهين وتقاس الافكار وهو منطق العدل الذي يحمي العباد من الجلاد, الميزان المعروض للبيع هو مؤشر لضعف المنظومة القضائية عن تحقيق فضاء آمن وعادل للعيش وبالتالي هو دلالة (انتفاء الحق) في مزاد يباع فيه كل شيء حتى المنطق والعدل.
- الباب المائل: للأبواب صفات رمزية على مر التاريخ فهي حافة الخصوصية وحافظتها، لها قيمتها في الأساطير أو الدين أو الأدب, ففي المعابد الفرعونية كانت الابواب معابر من العالم للعالم الاخر كما انها رمز الرحمة والمغفرة في القرآن والخلاص في الانجيل وهي المجال الموضوعي والاخلاقي للتعامل مع الاخرين, اذ ان الباب تعبير عن حرمة وقيمة من في الداخل الواجب مراعاتها على من في الخارج وهي حقيقة تحميها القوانين والشرائع والاعراف, اي انها الحدود التي تحمى الاهل عن الغرباء والفاصل بين الاصلاء والدخلاء, يتداعى الباب في العمل بوضع مائل يوحي بـ (الانهيار الامني) آخذا معه في سقوطه كل القيم التي يمثلها ومعلنا عن استباحة كل من وكل ما كان يحفظه عندما كان قائما ومغلقا.
- جماعة البورصة: مجموعة من الافراد يتداولون بيع وشراء العملات الصعبة ولهم في المزاد حضور مزمن وعلى احدهم ضماد طبي يغطي اذنه المقطوعة, وهي اشارة الى امتهان كرامة الانسان الرافض للمشاركة في المغامرات الحربية للسلطة, في البورصة الاموال تباع بالاموال والمتحكم بهذا النوع من التداول هي الاخبار الصحيحة او الاشاعات الكاذبة , وبعد طوفان 2003 توالدت شركات الصيرفة كالشياطين تتداول العملة الصعبة وتستثمر حصصها اليومية من الخزينة المركزية لتبيعه في السوق بارباح اعلى ويستمر تكديس الارباح مما يحيل الى فكرة (نزيف العملة وخراب الاقتصاد).
- المهرج والديك: المهرج عامل مسكين وكومبارس بائس يؤدي دوره في السيرك لامتاع الجمهور خافيا وجوده خلف قناعه لأسباب ذاتية او موضوعية,هذا النموذج تناولته العديد من الاعمال الفنية العالمية لتسليط الضوء على الكواليس الانسانية لهذه الشخصية كما في (الملك لير) و(رجال الملك) لشكسبير ومجموعة المهرجين لبيكاسو, هذه الشخصية بدلالاتها اصبح لها حضور في مناسبات واماكن عدة في عالمنا الذي استحال الى سيرك كبير وخطير, هذا المهرج يعرض ديك يحمله بيده للبيع وبيده الاخرى قرص CD, و(الديك) يعد من المخلوقات الروحية المشهورة والمحبوبة في مختلف الثقافات والمعتقدات والاديان لدى العديد من الامم, فلدى المسيحيين هو رمز للشروق ولقيامة المسيح (ع) ولدى المسلمين نراه يصيح عند الفجر مع صياح ديك العرش السماوي كما تشير الميثولوجيا الدينية وبالتالي يحصل التقابل الدلالي بين المهرج كقيمة للسخرية الدنيا والديك كقيمة للروحانية العليا وهذ التضاد القيمي وفكرة التقابل بين (المدنس والمقدس) تجد صداها في المزاد الذي تغيب عنه القيم السامية.
- الحاكم كوديا: تبرز قيمة هذا العنصر البصري من مكانته التاريخية والميثولوجية الرافدينية. حيث عرفت الملاحم الأسطورية وأسست الديانات لأول مرة في هذه الارض, ولا عجب أن يقدّم لنا هذا البلد الزاخر بالحضارات أول حاكم نبي وأول معبد مقدّس في التاريخ المدوّن، معبد الإينينو الذي بناه الأمير النبي كوديا, السومري الذي عاش في عصر الانبعاث، ورأى الإله في مناماته، يطلب منه ويحكي معه ويأمره ويوحي إليه. بذلك كانت تجربة الوحي في التاريخ المُدوَّن موغلة في قدمها، قبل قرابة خمسة آلاف عام وكوديا بنى أوّل معبد مُقدَّس في التاريخ المُدوَّن، تنفيذاً لأمر الإله الذي رآه, هذه المعاني والابعاد يفترض انها تعصم مثل هذا الرمز من ان تنتهك مكانته ويعرض في المزاد لكنه معروض كدلالة لفكرة (الانهيار الثقافي)
- جهاز التلفاز: هذه الوسيلة الاعلامية والترفيهية يكاد لا يخلو منها بيت وهو الوسيلة الوحيدة التي تتيح للناس معرفة مايجري في العالم في ظل المنع الحكومي لمنظومات الستلايت التي تفسح المجال للافلات من سطوة الاعلام الحكومي والخطاب المؤدلج الذي تبثه الابواق الرسمية, تعيد للاذهان مرحلة الحصار الاقتصادي القاسي الذي تعرض له الشعب خلال تسعينيات القرن الماضي بعد مغامرة القائد الضرورة بغزو الكويت وكيف عانى الناس الامرين في سبيل البقاء على قيد الحياة او قيد العفة وكيف كان الاجر الشهري للموظف الحكومي يعادل ما قيمته دولار واحد فقط تكفى لشراء علية بيبسي واحدة فقط مما دفع الناس لبيع موجوداتهم لمواجهة (العوز الجائر).
- عصا المساحة: وتتمثل بمسطرة القياس التي يستخدمها مهندسوا المساحة في البناء والتي جعلت قصديا في العمل بوضع مائل لتكون بمثابة عارضة خشبية كالتي توضع في مداخل الوحدات العسكرية في جبهات القتال في اشارة لحقيقة ( التحشيد والعسكرة) التي طالت كل جوانب الفكر والحياة, عصا المساحة هنا تؤشر تقويض مفاهيم البناء والاصلاح واغتيال فرصة التمدن والتحضر واللحاق بالركب العالمي
- البدلة الانيقة: رمز اخر من رموز العوز والحاجة والضائقة المادية التي عصفت بالناس وهي تعزز دلالة جهاز التلفزيون وتكشف عن (شظف العيش) التي دفعت المعوزين لبيع ملابسهم والتنازل عن كل مظاهر البحبوحة والترف والزينة في الوقت الذي باع ضعاف النفوس ضمائرهم لمقاومة الحصار
- الحواسم: مظهر من المظاهر الكثيرة التي اعقبت انهيار الدولة عام 2003, اذ اقدم ضعاف النفوس على سلب الممتلكات العامة كنوع من الانتقام من الحكومة او تنفيذا لاجندات اجنبية تخريبية قادتها مجاميع تابعة لاجهزة مخابرات بعض الدول المجاورة لتحطيم البنية التحتية واعاقة فرص الخلاص من النظام السابق, كل ذلك تم امام اعين قوات الاحتلال التي لم تحمى سوى وزارة النفط والمعبد اليهودي وبعض الكنائس وتركت كل شي اخر عرضة للنهب والتخريب, كانت تلك الاحداث الموسومة بالحواسم دليل دامغ على (غياب المواطنة) بين الحاكم والمحكوم.
- الجندي: هو عنصر مثير للجدل في هذا العمل, فهو رمز القوات المسلحة المسؤولة عن توفير الامن للمواطن والوطن, فاذا كان المواطن هو الشعب فهل الوطن هو الحكومة؟ وما هي اولوية المهام الملقاة على عاتق الجيش؟ هل هي حماية الشعب ام حماية السلطة؟ وما علاقة المؤسسة العسكرية بالمجتمع هل هي حماية هيبة الحدود ام تنظيم حركة المرور في التقاطعات والساحات العامة؟ متى يحق لها التدخل وكيف؟ كيف يحافظ هذا المسلح على مسافة متساوية بين اطراف المزاد؟ كل هذه التساؤلات يثيرها مشهد الجندي المنزوي في الظل والمتجه بعيدا عن ما يدور في المزاد مما يثير التساؤل حول فكرة (شرعية التسلح) .
- البيانو: آلة موسيقية نخبوية نجدها في بيوتات الطبقة المخملية التي طوقت وحوصرت فاندفعت للهجرة منذ عام 1958 عندما كانت هذه الطبقة هي راعية الثقافة والفنون والابداع معروضة في العمل للبيع اسوة بكل ما تنازل عنه الانسان عندما جار الزمان, مشهد درامي لهذه الالة الجميلة ان تكون محمولة خارج المزاد الى مصيرها المجهول معبرة عن فكرة (غياب رعاة الابداع).
- النخلة القتيلة: النخلة في الثقافة العراقية ليست مجرد شجرة بل ترتبط وجدانيا بعمق النسيج السيكو ثقافي للانسان لما تقدمه من منافع تيسر حياته بدءا من ثمارها الى سيقانها الى اوراقها الى الخامات الاخرى التي تدخل في العديد من الصناعات الشعبية التي جعلت الحياة ممكنة في الازمان البعيدة, النخلة المقطوعة هي تعبير عن كارثة (ازاحة للطبيعي لصالح المصطنع) فغابات النخيل التي تم اغتيالها في حرب الخليج الاولى بهدف توفير مسرح عمليات عسكرية كانت كارثة بيئية واقتصادية اذ ازاحت العراق عن مكانة الصدارة في انتاج التمور على مستوى العالم وحولته الى ….مستورد.
- الكرسي الفخم: نموذج من الاثاث المتداول في بيوتات الطبقة الوسطى التي يستهدفها المزاد لأفراغها من مقومات البقاء واجهاض قدرتها على امداد المجتمع بالكفاءات والمهارات والشخصيات التي اسست مرتكزات الحضارة والتمدن, عنصر رمزي مضاف للتعزيز قسوة الظروف التي عصفت بالمجتمع اواخر القرن العشرين وسعت لـ (تحطيم الطبقة الوسطى).
- الوثائق المتناثرة: هي الاوراق الثبوتية العديدة التي تتضمن الوقائع والمعلومات التي تحتاجها الجهات ذات العلاقة سواء كانوا افراد او مؤسسات وهي ما تثبت وتحدد موقف المحكوم امام الحاكم وهي الوثائق التي ارشفت الحقائق والاسرار والتي استبيحت عمدا مثلما ضاعت الحقوق التي فيها وبضياعها في هذا المزاد نكون امام حالة (ضياع الحقوق).
- لوحة الفنان جواد سليم: لوحة لها مكانتها في المتحف التشكيلي العراقي وتتضمن امراة ريفية تحمل على راسها ماكنة خياطة وهو امر متعارف عليه تداوليا في الثقافة العراقية من حيث اتخاذ العديد من النساء هذه المهنة لتوفير الغذاء او الدواء بشرف وكرامة, هذا العنصر البصري يشتغل في العمل بدلالته التعبيرية اكثر من دوره التركيبي, فالدلالة هنا تنزاح نحو فكرة (تغييب الدور الحضاري للثقافة) والقيم الانسانية التى تكافح في سبيل الخلاص.
- صورة عبدالكريم قاسم: هو القائد العسكري الذي انهى الحكم الملكي في منتصف القرن العشرين عندما قررت القوى العظمى تحريك عناصرها للاطاحة بالانظمة الملكية في المنطقة ومنح السلطة للعسكر وكانت بداية التحولات السياسية في مصر, العراق, سوريا, اليمن, ليبيا, الصورة تمثل حالة جدلية بين انصار جعلوا صورته في القمر واعداء ما زالوا يحملوه مسؤولية الدم الشريف هذه الشخصية التي غيرت مجرى التاريخ العراقي فاتحة (بوابة جمهوريات الطاغوت)التي آلت الى هذا المزاد.
- بائع الكتب: هو نموذج لشريحة من الناس قاومت اللاعدالة الاجتماعية بالتثقيف الذاتي والانغماس المعرفي والاطلاع المستمر لزيادة الرصيد الثقافي في الوقت الذي تسابق الاخرون لزيادة الرصيد البنكي, بؤس حياة بائع الكتب دفعه ليفترش الرصيف مستعرضا كتبه وطيوره وكل ما يمكن ان يوفر قوته وقوت عياله, بينما الاخرون في هذا (الصراع الطبقي الحاد) يسكنون الفلل الفاخرة رغم قدسية ما باعوه.
- الفتاة الشابة: نموذج للمراة المتعلمة الانيقة المحتشمة التي تشبه العديد من النماذج العراقية المشرفة, تبدو بلا رجل موازي لنموذجها ومقابل لانسانيتها فمعظم الشباب من جيلها افترستهم المغامرات العسكرية او ضاعوا في الغربة وهي جالسة وحولها صناديق تشبه التي تجمع فيها الاشياء عند الانتقال من مكان لآخر, من هذا العنصر الرقيق المهمش نستشف (فكرة القرابين) العديدة التي قدمت بلا طائل.
الخطاب الابلاغي العام:
في هذه القراءة تم احصاء المنظومة العلامية للعمل والتي ضمت 25 دالة علامية والنفاذ منها تنقيبياً نحو اعماقها الرمزية ومرجعياتها السوسيوثقافية وتقصي احتمالاتها التاويلية الاكثر موضوعية للكشف عن مكنوناتها الفكرية وطبقاتها العميقة, وان كانت البنيوية تلزم القراءة بالكشف عن (كيفية القول) فحسب, فأن التداولية تفسح المجال لبلوغ (المراد من القول) والتوصل الى طبيعة الخطاب المرتجى من هذا الجهد الفني المائز الذي تشكّل من خلال جملة الافكار التي تضمنتها الدوال والتي افرزت بدورها الكشف عن مأزق وجودي والتنبيه عن وقائع الحاضر الموجع للتحذير من مغبة القادم القاتم, كما يناقش العمل قضايا جوهرية تراجيدية وظواهر عديدة في الحياة: كالخيانة, غسيل الاموال, الفساد الاداري والسياسي, اللاعدالة, نزيف الثروات والخبرات, الانهيار الحضاري, الصراع الطبقي, مواكب الشباب التي ذهبت كقرابين لمغامرات السلطة بلا طائل, إزاحة الاصيل بالدخيل في كل جوانب الحياة, توكيل المهام على اساس الطاعة وليس الخبرة.
في السياق ذاته يفضح العمل انحرافات بنيوية كالاعلام المأجور والمنابر المؤدلجة, ازدواج الجنسية التي تعصم من المسائلة, الانهيار الامني, جدلية المقدس والمدنس, غياب المواطنة, التحشيد والعسكرة, تقويض الدور الحضاري للفن, استهداف الطبقة الوسطى, ويؤكد العمل اهمية الهوية الثقافية في مواجهة طوفان الغزو الثقافي للعولمة, فالخطاب الابلاغي ينطلق من المحلي للعالمي, كما يؤكد العمل اهمية الدور الحضاري للفن أزاء سيل الاساليب المستوردة والقوالب المستنسخة والطارئة التي تجافي الواقع وتجمح نحو افاق الخيال البعيدة.
لم تجانب هذه القراءة صواب المنهج عندما أشرّت منذ البداية ان (المزاد المزمن) هو منجز ملحمي مستل من واقع مأزوم لبلاد وعباد محددين, حتى صارت اللوحة وثيقة دامغة عن الداء المزمن ذاته, فالعمل تشكّل بخبرة الجراح العارف بما تحت السطح ليشخّص عمق الكارثة وابعادها بمنتهى الدقة, سعت هذه القراءة تنقيبيا للكشف عن الثاوي والمشفّر من المعرفة الكامنة ما بين السطور وما وراء النص لأزاحة الغموض واللبس وهذا هو الدور الذي اراه جديرا بالنقد الفني وضرورته الحتمية.
