أجسادٌ تكتب ما عجزت اللغة عن قوله: جمالياتُ النقصان بوصفها مقاومةً في تجربة إقبي التشكيلية
تنهض هذه اللوحة للفنان المغربي إقبي بوصفها فضاءً بصرياً يعلن منذ الوهلة الأولى انحيازه إلى الهامش، لا باعتباره موضوعاً اجتماعياً فحسب، وإنما باعتباره أفقاً وجودياً وجمالياً يعيد مساءلة المركز، ويقوض أنظمة التمثيل التي كرست عبر تاريخ الفن صورة الجسد الكامل والمنسجم والمكتفي بذاته. إننا لا نواجه هنا أجساداً مشوهة أو ناقصة بالمعنى الفيزيولوجي، بل ذواتاً أعيد تركيبها وفق منطق شعري يجعل من الكسر شكلاً للامتلاء، ومن العطب لغةً بديلة للوجود، ومن الندبة علامةً على مقاومة المحو.
تستند اللوحة إلى تقنية مختلطة تمنح مادتها التشكيلية كثافة حسية استثنائية، حيث تتجاور الطبقات اللونية مع آثار الحفر والخدش والكتابة، لتتحول سطحية القماشة إلى فضاء أركيولوجي تتراكم فوقه الذاكرة كما تتراكم طبقات الزمن. فاللون الأزرق، المسيطر على الخلفية، لا يؤدي وظيفة زخرفية، بل يستحيل إلى حقل نفسي عميق يحتضن القلق والاغتراب، بينما يخترق المستطيل الأحمر قلب التكوين مثل جرح مفتوح أو وثيقة وجودية تنزف كلمات غير مكتملة، في حين تتحول الخطوط والكتابات المتناثرة إلى أثر لصوت مكسور، وكأن الفنان يعلن عجز اللغة عن احتواء التجربة الإنسانية، فيلجأ إلى الرسم باعتباره كتابةً أخرى أكثر صدقاً من الكلمات.

أما الأجساد، وقد فقدت ملامحها التقليدية، فإنها تخرج من منطق التشخيص إلى منطق العلامة. الرؤوس تتحول إلى أوانٍ فارغة أو أقماع صامتة، والأطراف تستطيل حتى تكاد تفقد وظائفها البيولوجية، والعيون تظل متيقظة في أجساد تبدو معلقة بين الحياة والغياب. إنها أجساد لا تبحث عن الجمال الأكاديمي، بل عن الحقيقة الوجودية، حيث يغدو التشويه فعلاً نقدياً ضد المعايير الجمالية السائدة، وضد الثقافة التي طالما ربطت الكمال الجسدي بالقيمة الإنسانية.
في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه التجربة عن أثر الطفولة بوصفها جرحاً مؤسساً في المخيلة الإبداعية للفنان. فالأشكال المعلقة، والهشاشة البنيوية للكائنات، والإحساس الدائم بعدم الاكتمال، كلها تحيل إلى ذاكرة مبكرة لم تندمل تماماً، لكنها لم تتحول إلى خطاب شكائي، بل إلى طاقة تشكيلية استطاعت أن تعيد إنتاج الألم داخل لغة بصرية سامية. هنا يتحول الفن إلى فعل تطهير، وإلى آلية نفسية لتحويل الصدمة إلى جمال، والحرمان إلى إمكان، والوجع إلى معرفة.
ويكتسب حضور الإعاقة الجسدية داخل هذا العالم التشكيلي بعداً رمزياً بالغ العمق، إذ لا يتعامل الفنان معها باعتبارها نقصاً بيولوجياً، وإنما باعتبارها استعارة كبرى عن هشاشة الإنسان في مواجهة العالم. فالإعاقة هنا تُنتزع من معناها الطبي لتصبح موقفاً فلسفياً يفضح إعاقات المجتمع نفسه؛ إعاقته الأخلاقية، وعماه الرمزي، وعجزه عن الاعتراف بالاختلاف. وبهذا المعنى، فإن الفنان لا يرسم الأجساد الناقصة، بل يكشف عن النقص الكامن في التصورات المعيارية التي تقيس الإنسان بمقدار مطابقته للنموذج السائد.
وتبلغ اللوحة ذروة قوتها الفكرية حين تجعل من اللااكتمال قيمة جمالية قائمة بذاتها. فكل شيء فيها يقاوم النهاية: الأشكال غير المنجزة، الخطوط المعلقة، الكتابات غير المقروءة، والفراغات التي ترفض الامتلاء. إن اللامكتمل هنا ليس قصوراً تقنياً، وإنما اختيار فلسفي ينسجم مع تصور يرى أن الإنسان مشروع مفتوح، وأن الحقيقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُبنى عبر الشروخ والانكسارات والتجارب المؤلمة.
وتتجاوز تجربة إقبي حدود المرجعيات المحلية، من دون أن تفقد جذورها المغربية. فهي تستوعب الإرث التعبيري العالمي، وتتحاور مع تجارب الفن الوحشي، والتعبيرية الجديدة، وبعض حساسيات فنون ما بعد الحداثة، لكنها تعيد صوغ كل ذلك داخل حساسية مغربية خاصة، تجعل من الذاكرة الشعبية، والهامش الاجتماعي، والأسئلة الوجودية المحلية مادةً لإنتاج لغة تشكيلية ذات أفق كوني. ومن هنا تنبع فرادتها داخل المشهد التشكيلي المغربي؛ فهي لا تراهن على الإبهار التقني أو الزخرفة البصرية، وإنما على بناء خطاب بصري يزاوج بين العمق الفكري والقوة التعبيرية، ويمنح الفن وظيفة أخلاقية بقدر ما يمنحه وظيفة جمالية.

إن إقبي لا يرسم العالم كما هو، بل كما يشعر به الإنسان حين ينهار يقينه وتتكسر صورته عن ذاته. ولذلك تتحول لوحاته إلى مرايا للوجود الإنساني في هشاشته القصوى، حيث يغدو الرسم فعل مقاومة ضد النسيان، واللون شكلاً من أشكال الاعتراف، والجسد المبتور استعارةً عن إنسانية تبحث باستمرار عن اكتمال يستحيل بلوغه. وفي هذا الأفق، تصبح اللوحة بياناً جمالياً وفلسفياً يدافع عن حق الهامش في أن يكون مركزاً، وعن حق الألم في أن يتحول إلى معرفة، وعن حق النقص في أن يغدو مصدراً لولادة جمال جديد، جمال لا يقاس بسلامة الشكل، وإنما بقدرته على كشف الحقيقة الأكثر عمقاً في الإنسان.
