عندما يصير النحتُ بوابةً للمدينة: “أنت وأنا” لماحي بنبين وإعادة تشكيل الذاكرة الحضرية بمراكش

عندما يصير النحتُ بوابةً للمدينة: “أنت وأنا” لماحي بنبين وإعادة تشكيل الذاكرة الحضرية بمراكش

تندرج منحوتة «أنت وأنا» للفنان المغربي ماحي بنبين، المنصوبة عند المدخل الشمالي لمدينة مراكش (مدار باب الأطلس)، ضمن ما يمكن تسميته بجماليات العتبة الحضرية؛ فهي ليست مجرد عمل نحتي يزين الفضاء العام، بل خطاب بصري يؤسس لأول لقاء رمزي بين المدينة وزائرها. فالمنحوتة تؤدي وظيفة البوابة الرمزية التي تستبدل العمارة الدفاعية القديمة بلغة فنية معاصرة تجعل من الفن وسيطاً للترحيب والحوار.
من الناحية التشكيلية، تقوم المنحوتة على كتلة رخامية بيضاء ذات حضور مونومنتالي، تتخللها فتحة مركزية تشكل ممراً بصرياً، بينما تتقابل داخل الكتلة ملامح وجهين متداخلين يكاد أحدهما يذوب في الآخر. هذا الاقتصاد الشديد في الخطوط، وغياب التفاصيل التشخيصية، يمنح العمل بعداً كلياً يتجاوز الفرد نحو الإنسان بوصفه قيمة كونية. فالبياض هنا ليس لوناً فقط، بل استعارة للنقاء والذاكرة والإمكان، فيما تتحول الفراغات إلى عنصر إنشائي لا يقل أهمية عن الكتلة نفسها، انسجاماً مع التصورات الحديثة للنحت التي تجعل من الفراغ مادة تشكيلية قائمة بذاتها.
يحمل عنوان «أنت وأنا» كثافة فلسفية بالغة؛ إذ يفتح العمل على سؤال الهوية والغيرية. فالوجهان لا يتواجهان في صراع، بل في اقتراب يكاد يفضي إلى الاندماج دون أن يلغي اختلافهما. هنا يستدعي العمل فلسفة مارتن بوبر في العلاقة «أنا–أنت»، كما يذكر بأخلاقيات إيمانويل ليفيناس التي تجعل وجه الآخر منبعاً للمسؤولية الأخلاقية. إن الآخر في هذه المنحوتة ليس تهديداً للهوية، بل شرطاً لاكتمالها، لتتحول المدينة نفسها إلى فضاء للتعايش والتعدد.


وعلى المستوى العمراني، تؤكد المنحوتة أن الفن العمومي أصبح أحد مكونات التخطيط الحضري المعاصر. فالمدارات الطرقية لم تعد فضاءات لتنظيم السير فقط، بل تحولت إلى ساحات لإنتاج المعنى والهوية البصرية. ومن ثم فإن العمل يسهم في بناء الصورة الذهنية لمراكش، ويمنح مدخلها شخصية بصرية مميزة تربط بين التراث التاريخي للمدينة ورهاناتها الثقافية الحديثة.
أما من زاوية التاريخ الحضري، فإن هذه المنحوتة تنخرط في تطور طويل عرفته المدينة، انتقلت خلاله العلامات العمرانية من الأسوار والأبواب والأبراج إلى الأعمال الفنية المعاصرة التي تؤدي وظيفة الذاكرة والتمثيل. وهكذا يصبح الفن امتداداً جديداً للتراث، لا بديلاً عنه، حيث يعيد تأويل الرموز التاريخية بلغة تشكيلية معاصرة.
بيئياً، ينسجم اختيار الرخام مع منطق الديمومة والاستدامة، إذ يمتاز بمقاومته للعوامل المناخية وقدرته على الاحتفاظ بقيمته الجمالية عبر الزمن، وهو ما يجعل المنحوتة جزءاً من النظام البيئي للمدينة لا عنصراً دخيلاً عليه، خاصة مع اندماجها البصري مع أشجار النخيل وضوء مراكش الذهبي.
ومن منظور علم الاجتماع الحضري، تنتج المنحوتة ما يسميه بيير بورديو بـ«الرأسمال الرمزي»، حيث تتحول إلى علامة ثقافية تمنح المدينة مكانة رمزية، وتعيد توزيع السلطة داخل الفضاء العام، إذ لم يعد الاحتفاء بالسلطة السياسية وحدها، بل أصبح الإبداع الفني نفسه مصدراً للشرعية الثقافية والذاكرة الجماعية.
إن «أنت وأنا» ليست تمثالاً صامتاً، بل مشروعاً فكرياً يعلن أن مستقبل المدن لا يقاس فقط بجودة بناياتها أو اتساع طرقها، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج فضاءات جمالية تحفز الحوار وتكرس ثقافة الاختلاف. إنها دعوة لأن يصبح المجال الحضري مجالاً للقاء الإنساني، حيث يتحول الفن إلى لغة مشتركة، ويصبح العيش المشترك ممارسة جمالية قبل أن يكون خياراً اجتماعياً.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *