البينالي بوصفه مرآةً لقلق الحضارة: كيف تتحوّل الهامشية إلى مركزٍ للضجيج
لا تبدو الدورة الحادية والستون من Biennale de Venise مجرّد تظاهرة فنية دولية تحتفي بالإبداع المعاصر، بقدر ما تكشف عن أزمة عميقة تضرب البنية الرمزية للثقافة الغربية ذاتها. فبين مدينة البندقية التي تواصل غرقها البطيء تحت وطأة الزمن والسياحة المفرطة، وبين مؤسسة فنية تدّعي مساءلة المركزيات الثقافية وإعادة الاعتبار للأصوات المهمّشة، تتجلّى مفارقة لافتة: فكلما ارتفعت الشعارات الداعية إلى الإنصات للهامش، ازداد صخب المركز وهيمنته على المشهد. لقد تحوّل البينالي، الذي اختار شعار «المفاتيح الصغرى» أو «النغمات الخافتة»، إلى فضاء للصراعات الجيوسياسية والاحتجاجات الإيديولوجية والتجاذبات الهوياتية، حتى غدا الفن نفسه مهدداً بالاختفاء خلف ضجيج المواقف والخطابات.

تكشف هذه الدورة عن انتقال الفن المعاصر من سؤال الجمال إلى سؤال الشرعية الثقافية، ومن البحث في أشكال الرؤية إلى التنازع حول مواقع التمثيل. فالمقولات التي تأسست عليها النظريات ما بعد الكولونيالية، مثل تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالتعدد الأنطولوجي والدفاع عن الهويات المهمشة، لم تعد خطاباً نقدياً هامشياً، بل تحولت إلى أرثوذكسية جديدة تمارس بدورها سلطة رمزية لا تقل تأثيراً عن السلطة التي جاءت لمعارضتها. وهنا تتبدّى إحدى أهم مفارقات الفن العالمي الراهن: فالهامش الذي كان يطالب بالاعتراف أصبح مركزاً جديداً لإنتاج المعنى، بينما صار المركز القديم يتخفّى خلف خطاب التعددية والانفتاح.
إن ما يثير الانتباه في هذه النسخة ليس الأعمال الفنية في حد ذاتها، بل المناخ الثقافي الذي يحتضنها. فالمؤسسة الفنية العالمية تبدو اليوم وكأنها تعيش حالة من القلق الحضاري العميق، حيث تتجاور الدعوات إلى التحرر مع أشكال جديدة من الرقابة الرمزية، وتتقاطع مطالب العدالة الثقافية مع نزعات الاستقطاب السياسي. وهكذا يصبح البينالي مختبراً كاشفاً للتحولات التي يعرفها العالم المعاصر أكثر من كونه معرضاً للأشكال البصرية. فالأعمال لم تعد تُقرأ فقط من خلال قيمتها الجمالية أو قدرتها على الابتكار، بل أيضاً من خلال انتماء أصحابها الجغرافي والسياسي والهوياتي.
ومن منظور فلسفي، يمكن القول إن هذه الدورة تعكس ما وصفه فرويد بـ«قلق الحضارة»، أي ذلك التوتر المستمر بين الرغبة في الحرية والحاجة إلى النظام الرمزي. فالثقافة التي تسعى إلى تحرير الإنسان من أشكال الهيمنة القديمة تجد نفسها وهي تنتج أنماطاً جديدة من الصراع والتنازع. وبينما كان يُنتظر من الفن أن يؤسس لمساحات مشتركة للحوار والتأمل، أصبح في كثير من الأحيان امتداداً للمعارك السياسية التي تمزق المجال العمومي العالمي.
ومع ذلك، فإن أهمية هذه الدورة لا تكمن في نجاحها أو فشلها بقدر ما تكمن في قدرتها على تعرية التناقضات التي يعيشها الفن المعاصر. فهي تكشف أن سؤال التعددية الثقافية ما زال مفتوحاً، وأن مفاهيم الاختلاف والهوية والتمثيل لم تستقر بعد داخل أفق نظري متوازن. كما تؤكد أن الفن، رغم كل محاولات تسييسه أو توظيفه، يظل مجالاً حساساً لقياس نبض المجتمعات وتحولات الوعي الجماعي.
إن بينالي البندقية في نسخته الحالية لا يروي قصة انتصار الهامش على المركز، ولا يحسم معركة الذاكرة ضد السلطة، بل يكشف هشاشة الحدود بينهما. إنه مشهد حضاري تتقاطع فيه الجماليات مع السياسة، والذاكرة مع التاريخ، والهوية مع السوق الثقافية العالمية. ومن ثمّ، فإن القيمة الحقيقية لهذه التظاهرة لا تكمن فيما تعرضه من أعمال فنية فقط، بل فيما تثيره من أسئلة جوهرية حول مصير الثقافة المعاصرة في زمنٍ أصبحت فيه الضوضاء أعلى من الهمس، وأصبح فيه البحث عن المعنى أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى
