مهرجان «مقامات» بسلا: حين يتحول التراث إلى طاقة للإبداع والتنمية
بقلم: حسن المتقي/
في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والاجتماعية، وتواجه فيه المدن التاريخية تحديات النسيان والتهميش، يبرز مهرجان «مقامات» بمدينة سلا بوصفه نموذجاً ثقافياً رائداً يراهن على الذاكرة باعتبارها مورداً حياً للتنمية والإبداع. فالدورة السادسة عشرة للمهرجان، المنظمة من طرف جمعية أبي رقراق خلال شهر يونيو 2026، لا تقتصر على تقديم برنامج فني وثقافي متنوع، بل تطرح رؤية متكاملة تجعل من التراث رافعة للتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ومن المدينة فضاءً مفتوحاً للحوار بين الماضي والحاضر.
اختارت هذه الدورة شعار: «تراث سلا: من الحفظ وإعادة التأهيل إلى الوظيفة التنموية»، وهو شعار يكشف عن وعي عميق بأهمية الانتقال من منطق المحافظة الساكنة على التراث إلى منطق الاستثمار الثقافي فيه. فالتراث، كما تؤكد فلسفة المهرجان، ليس مجرد معالم أثرية أو شواهد تاريخية جامدة، بل هو ذاكرة جماعية نابضة بالحياة، لا تستمر إلا إذا ظلت مرتبطة بحياة الناس اليومية وممارساتهم الثقافية. ومن هنا تأتي أهمية هذا الحدث الذي يسعى إلى إعادة إدماج المواقع التاريخية في الدورة الثقافية للمدينة، وتحويلها إلى فضاءات للإبداع والتلاقي والتفكير.

لقد نجح مهرجان «مقامات» على امتداد سنواته السابقة في ترسيخ علاقة جديدة بين الإنسان والمكان، وبين الفن والتراث. وفي هذه الدورة، تستعيد فضاءات تاريخية عريقة مثل باب المريسة، وباب فاس، وبرج باب سبتة، وسوق الغزل، وباب احساين، ودار الصناعة البحرية أدوارها الرمزية والثقافية، لتتحول من مجرد آثار تاريخية إلى منصات حية للعرض الفني والتبادل الثقافي. وهكذا تصبح المدينة العتيقة بسلا مسرحاً مفتوحاً يلتقي فيه الفنانون والباحثون والكتاب والموسيقيون والجمهور في تجربة جماعية تستحضر روح المكان وتعيد اكتشاف معانيه.
ويتميز المهرجان هذه السنة بحضور أكثر من أربعمائة مشارك من فنانين ومثقفين وباحثين وتقنيين، ما يعكس المكانة التي أصبح يحتلها هذا الموعد الثقافي ضمن الأجندة الفنية المغربية. كما يبرز تنوع البرمجة حرص المنظمين على الانفتاح على مختلف أشكال التعبير الفني، من الفنون التشكيلية والحرف التقليدية إلى الأدب والموسيقى والشعر والفكر. فالغاية ليست تقديم عروض منفصلة، بل بناء حوار ثقافي متكامل بين مختلف مكونات الهوية المحلية.
ومن بين أبرز محطات هذه الدورة المعارض الفنية التي تمنح بعداً إنسانياً عميقاً للفعل الثقافي. فالمعرض الذي تقدمه الفنانة رقية زاهر، المقيمة بمركز الرعاية الاجتماعية للمسنين بسلا، يحمل رسالة قوية مفادها أن الإبداع لا تحده السنون ولا الظروف الاجتماعية، وأن الفن يظل مجالاً مفتوحاً أمام الإنسان للتعبير عن ذاته وصياغة تجربته الوجودية. كما تبرز معارض التطريز السلاوي التقليدي قيمة الحرف النسائية بوصفها حافظة للذاكرة الجماعية، حيث تتحول الخيوط والزخارف إلى لغة بصرية تنقل خبرات الأجيال وتعكس عمق الثقافة المحلية.

ولا يقتصر المهرجان على الفنون البصرية، بل يولي أهمية خاصة للكتاب والذاكرة المكتوبة. إذ يحتفي بإصدارات جديدة ولقاءات فكرية وأمسيات أدبية تتيح للزوار فرصة اكتشاف جوانب مختلفة من تاريخ سلا وثقافتها. ويشكل تقديم كتاب «سلا بعيون الأجانب» لمحمد الصديق معنينو نموذجاً لهذا التوجه، حيث يفتح المجال أمام قراءة المدينة من زوايا متعددة تجمع بين التاريخ والرحلة والتأمل الثقافي. كما تحتفي الدورة بأصوات شعرية نسائية معاصرة، مؤكدة أن التراث ليس فقط ما ورثناه من الماضي، بل أيضاً ما ننتجه اليوم من إبداع ومعرفة.
أما الموسيقى، فهي القلب النابض لمهرجان «مقامات». فمن خلال السهرات الروحية لفن عيساوة، وأمسيات الأغنية المغربية، والحضرة النسائية السلاوية، وليالي الملحون والطرب الأندلسي، يعيد المهرجان إحياء أشكال موسيقية تشكل جزءاً أساسياً من الهوية المغربية. وتكتسب هذه العروض دلالة خاصة حين تُقام داخل الفضاءات التاريخية للمدينة، حيث تتجاور الأصوات الموسيقية مع ذاكرة الحجر، فيتولد حوار جمالي بين الماضي والحاضر. كما يمثل عرض «أندلسيات النحاس» في حفل الاختتام نموذجاً للإبداع الذي يزاوج بين الأصالة والتجديد، ويؤكد قدرة التراث على التجدد والانفتاح على أشكال تعبيرية جديدة.
وتكتسي هذه الدورة أهمية إضافية لأنها تتزامن مع الاحتفال بمرور أربعين سنة على تأسيس جمعية أبي رقراق، المؤسسة التي لعبت دوراً محورياً في حماية التراث الثقافي لمدينة سلا وتنشيط الحياة الثقافية بها. ويشكل هذا الاحتفال مناسبة لتقييم حصيلة أربعة عقود من العمل الثقافي والمدني، والتأكيد على أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون استثمار الرأسمال الثقافي والرمزي للمدن.

إن مهرجان «مقامات» ليس مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل مشروع ثقافي متكامل يعيد تعريف العلاقة بين التراث والتنمية، وبين الذاكرة والإبداع. ومن خلال برمجته الغنية والمتنوعة، يثبت أن الثقافة قادرة على أن تكون أداة للحفاظ على الهوية، ومحركاً للتنمية المحلية، وجسراً يربط الأجيال بعضها ببعض. وهكذا تواصل سلا، عبر هذا المهرجان، كتابة سرديتها الثقافية الخاصة، مؤكدة أن المدن العريقة لا تعيش بالماضي وحده، بل بما تمتلكه من قدرة دائمة على إعادة ابتكار نفسها وصناعة مستقبلها.
