روح الرأسمالية الرقمية: تفكيك الخطابات النيورجعية في عالم التكنولوجيا
شهد الفضاء الإعلامي الغربي في الآونة الأخيرة تركيزًا متزايدًا على بعض رموز التكنولوجيا في الولايات المتحدة، مثل بيتر ثيل وكيرتس يارفين ونيك لاند، بوصفهم مهندسي تحوّلٍ إيديولوجي عميق داخل وادي السيليكون وداخل دوائر القرار السياسي الأمريكي. ويُقدَّم هؤلاء باعتبارهم منظّري «الأنوار المظلمة» أو دعاة التسارعية والليبرتارية التقنية، بل ويُنسب إليهم تأثير مباشر في إعادة تشكيل النزعة الترامبية في طورها الجديد.
غير أن هذا التصوير، على ما فيه من جاذبية تفسيرية، يثير إشكالًا منهجيًا أساسيًا. فحين تُختزل المرحلة التاريخية الراهنة في صعود «النيورجعية التقنية» أو «التكنو-فاشية» أو «التكنو-قيصرية»، فإننا نكاد نعيد إنتاج السردية التي تروّجها هذه التيارات عن ذاتها بوصفها الفاعل الحاسم في مسار التاريخ. إن تضخم التسميات لا يعني بالضرورة تعمّق التحليل؛ إذ غالبًا ما يُعَوَّل على الأنساب الفكرية أكثر مما يُعَوَّل على الشروط المادية التي تسمح بظهور هذه الأفكار وانتشارها.
لقد أسهمت دراسات حديثة في إضاءة الخلفيات النظرية لهذه التيارات، وربطتها بالليبرتارية الجديدة، وبالفكر المحافظ الراديكالي، وببعض تأويلات الداروينية الاجتماعية والسيبرنيطيقا. غير أن الاقتصار على التحليل الإيديولوجي يظل قاصرًا ما لم يُدرج ضمن إطار الاقتصاد السياسي للرأسمالية الرقمية المعاصرة.
فالخطاب النيورجعي ليس مجرد إنتاجٍ نظري معزول، بل هو تعبير عن تموضع طبقي محدد داخل بنية الرأسمالية العالمية: تركّز غير مسبوق لرأس المال التكنولوجي، هيمنة المنصات الرقمية، ارتهان الدول للبنيات التحتية الخاصة، وتحوّل العلاقة بين السيادة السياسية والقدرة الحاسوبية. ضمن هذا السياق، تبدو الدعوة إلى «حكامة خوارزمية» أو «سيادة ريادية» امتدادًا راديكاليًا لمخيال نيوليبرالي سابق، أكثر مما هي قطيعة تامة معه.
إن مقاربةً سوسيولوجية نقدية تمكّننا من تجاوز الافتتان بالخطاب إلى مساءلة شروط إنتاجه. فالأفكار لا تنتصر بقوتها الذاتية فحسب، بل بارتباطها ببُنى مادية وشبكات نفوذ ومصالح اقتصادية. ومن ثمّ، فإن فهم «روح الرأسمالية الرقمية» يقتضي تحليل التفاعل بين البنية التحتية التقنية، ورأس المال المالي، والتمثلات السياسية.
وبذلك نتفادى الوقوع في فخٍّ منهجي دقيق: دراسة هذه الخطابات لا ينبغي أن تتحول إلى إقرار ضمني بادعائها تفسير العالم أو قيادته، بل إلى تفكيك نقدي لشروط إمكانها التاريخي.
