الجواز والتجاوز والمجاز في فلسفة القراءة المتجاوزة للحداثة وما بعد الحداثة عند الدكتور رفيق الناوي
بقلم: الدكتور بشير العواني
مختص في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، تخصص فلسفة التربية.
رئيس اللجنة الدولية للتعليم والتكنولوجيا بالمعهد الدولي العربي للسلام والتربية، جنيف، سويسرا.
يمثل المشروع الفكري والفلسفي للدكتور رفيق الناوي محاولة جادة لإعادة قراءة الحداثة وما بعد الحداثة من زاوية نقدية تسعى إلى تجاوزهما معا نحو أفق إنساني أكثر اتزانًا. ولعل ما يميز هذا المشروع أنه ينطلق من موقف فلسفي مركب معترفا للإنسانية بما حققته من نجاحات علمية وتقنية في زمن المجتمعات الصناعية، وفي الوقت نفسه يكشف عما رافق الحداثة وما بعدها من اختلالات عميقة على مستوى معنى الإنسان وقيمته ومصيره. إنه لا يرفض الحداثة المطلقة فيما هي جوهر متعالي عن التطبيقات والتجارب البشرية، ولا يقف منبهرا بمنجزات الحداثة الغربية ولا آيسا من إمكان إعادة استئناف الإنسان المنبث الذي أنتجته.
لقد عرف الإنسان الحديث تقدماً هائلاً في مجالات العلم والطب والتكنولوجيا والاتصال بفضل سلفه، غير أن هذا التقدم لم يمنع البشرية من الوقوع في حروب كبرى وأزمات مدمرة. فقد شهد القرن العشرون حربين عالميتين، كما شهد القرن الحادي والعشرون حروبًا ونزاعات وأزمات اقتصادية وبيولوجية ومعلوماتية لا تزال آثارها قائمة. وهذا يدل على أن التقدم العلمي، إذا انفصل عن البعد الأخلاقي والروحي، قد لا يكون كافيًا لحماية الإنسان من العنف والتيه وفقدان المعنى.
وفي هذا السياق، يقرأ الدكتور رفيق الناوي الحداثة بوصفها تجربة تاريخية كبرى حملت وعودًا كثيرة، لكنها أنتجت كذلك مآزق أعمق. فالعولمة، التي بشرت بعالم أكثر انفتاحًا وتواصلاً، كشفت في كثير من مظاهرها عن تفاوت كبير بين أقلية تستفيد من الثروة والرفاه، وأكثرية تعيش الهشاشة والخصاصة.
كما أن جائحة كورونا أظهرت هشاشة المدينة المعاصرة بقدر ما عرت تهافت إنسان الحداثة وسهولة ضبطه والتحكم فيه، وكشفت أن البشرية، رغم تقدمها الطبي والعلمي، ما تزال مهددة في وجودها الصحي والاجتماعي والنفسي.
وقد ظهر ذلك بوضوح في وضعية كبار السن والمرضى والفئات الهشة خلال الجائحة، خاصة في عدد من المجتمعات الغربية التي وجدت نفسها أمام اختبار صعب لأنظمتها الصحية والاجتماعية. كما أظهرت الجائحة أن حرية التنقل، التي كانت من أبرز مظاهر العالم المعولم، أصبحت مرتبطة بشروط صحية وبيولوجية جديدة، حتى صار العبور من مطار إلى آخر مشروطًا بجواز صحي أو لقاح أو شهادة طبية. وهكذا تغيّر وجه العالم، وبرزت أسئلة جديدة حول الجسد، والخطر، والمدينة، والتقنية، والسياسة الصحية.
ومن جهة أخرى، أدى التطور الكبير في مجالات البيولوجيا والمعلوماتية والذكاء الاصطناعي إلى ظهور أسئلة فلسفية غير مسبوقة. فالإنسان لم يعد يواجه الطبيعة وحدها، بل صار يواجه أيضًا نتائج قدرته على تعديل الحياة، وتوجيه المعرفة، وصناعة الآلة الذكية. ومن هنا يصبح السؤال المركزي هو: هل ما زال الإنسان سيدًا على أدواته، أم أن أدواته بدأت تعيد تشكيله وتحديد مصيره؟
تنبع أهمية المشروع الفلسفي للدكتور رفيق الناوي من كونه يطرح هذه الأسئلة من داخل رؤية فلسفية وإنسانية واسعة. فهو لا ينكر قيمة العلم، بل يعتبره نورًا ينبغي أن تستفيد منه الإنسانية جمعاء. كما لا يرفض الفلسفة الحديثة والمعاصرة، بل ينفتح على الفكر الإنساني في امتداداته المختلفة. غير أن هذا الانفتاح لا يعني التسليم بكل نتائج الحداثة، بل يعني قراءتها قراءة نقدية، والبحث عن إمكان تجاوزها حين تتحول إلى سبب في إفراغ الإنسان من روحه ومعناه.

ومن بين المفاهيم المركزية التي يقترحها الدكتور رفيق الناوي في هذا السياق مفهومي «الإنسان الكامل» و«إنسان الائتمان». وهذان المفهومان يقدمان بديلاً فلسفيًا وأخلاقيًا عن الصورة الصراعية التي رسخها بعض الفكر الحديث، وخاصة التصور الهوبزي الذي ينظر إلى الإنسان باعتباره ذئبًا للإنسان. ففي مقابل هذا التصور، يدعو مشروع الدكتور الناوي إلى إعادة بناء الإنسان على أساس المسؤولية، والكرامة، والأمانة، والانفتاح على الآخر.
إن «إنسان الائتمان» ليس إنسانًا منفصلاً عن العالم، بل هو إنسان يعيش داخل العالم مع وعي عميق بمسؤوليته تجاه ذاته، وتجاه غيره، وتجاه الطبيعة والمجتمع. كما أن «الإنسان الكامل» ليس ادعاءً للكمال المطلق، بل هو أفق تربوي وروحي وأخلاقي يسعى الإنسان من خلاله إلى تجاوز أنانيته وضياعه، والعودة إلى معنى أعمق لوجوده.
إن مشروع الدكتور رفيق الناوي يكتسب أهميته من هذه القدرة على الجمع بين النقد والتجاوز. فهو ينتقد الحداثة، لكنه لا يسقط في العدمية. ويناقش ما بعد الحداثة، لكنه لا يكتفي بالتفكيك. ويستحضر التراث الروحي والفلسفي، لكنه لا يحوله إلى مجرد حنين إلى الماضي. إنه مشروع يحاول أن يفتح طريقًا ثالثًا: طريقًا يعترف بمنجزات العصر، لكنه يطالب بإعادة توجيهها نحو خدمة الإنسان لا نحو السيطرة عليه.
ولذلك يمكن القول إن القراءة المتجاوزة للحداثة وما بعد الحداثة عند الدكتور رفيق الناوي تقوم على ثلاثة مستويات:
الجواز،
والتجاوز،
والمجاز.
فالجواز يعني الاعتراف بإمكان العبور من الحداثة دون إنكار منجزاتها.
والتجاوز يعني عدم الوقوف عند حدود أزماتها ومآزقها.أما المجاز فيحيل إلى المعنى الرمزي والفلسفي لهذا العبور، أي الانتقال من إنسان ممزق ومهدد بالمسخ، إلى إنسان مؤتمن على ذاته وعلى العالم.
من هنا يصح اعتبار مشروع الدكتور رفيق الناوي مساهمة فكرية مهمة في النقاش المعاصر حول مصير الإنسان. فهو لا يطرح سؤال الحداثة بوصفه سؤالاً نظريًا مجردًا، بل بوصفه سؤالاً يمس التربية، والسياسة، والأخلاق، والدين، والفن، والمجتمع. وهذا ما يجعل مشروعه قريبًا من قضايا الإنسان المعاصر، ومن الأسئلة الكبرى التي تواجه عالمنا اليوم.
إن هذه القراءة لا تدعو إلى القطيعة مع العصر، بل إلى ترشيده. ولا تدعو إلى هدم الحداثة، بل إلى مساءلتها. ولا تدعو إلى إنكار العلم، بل إلى ربطه بالحكمة. ولا تدعو إلى رفض التقنية، بل إلى إخضاعها لمقاصد الإنسان وكرامته. وفي هذا تكمن القيمة الفلسفية والتربوية لمشروع الدكتور رفيق الناوي: إنه مشروع يريد أن يعيد الإنسان إلى ذاته، وأن يذكره بأن التقدم الحقيقي لا يقاس بما نملكه من أدوات فقط، بل بما نحفره فينا من معنى وكرامة ومسؤولية.
