جمالية السلطة وسلطة الجمال: نحو أركيولوجيا بصرية للترامبية

جمالية السلطة وسلطة الجمال: نحو أركيولوجيا بصرية للترامبية

لم يكن التاريخ السياسي الحديث منفصلاً يومًا عن اقتصاد الصور. فمن البورتريه الملكي إلى الصورة الفوتوغرافية الرسمية، ومن التماثيل العمومية إلى الوسائط الرقمية المعاصرة، ظلّ الحكم يسعى إلى إسقاط ذاته في أشكال مرئية تُنتج الاعتقاد وتستدعي الامتثال أو تُثير الرهبة. وما يمكن تسميته اليوم بالأيقونوغرافيا الترامبية يندرج ضمن هذا الامتداد الطويل، غير أنه يدفع بعض خصائصه إلى أقصاها. فهي لا تمثل قطيعة جمالية بالمعنى الدقيق، بقدر ما تجسد تكثيفًا استعراضيًا لمنطق قديم، تضاعف أثره بفضل التقنيات الرقمية وشبكات التواصل. ومن ثمّ، لا ينبغي النظر إليها بوصفها مجرد فلكلور بصري أو انزلاقًا نحو الابتذال، بل باعتبارها سياسة للأشكال، حيث تغدو الصورة فضاءً لإعادة تشكيل رمزية السلطة.
إنّ تكاثر الصور المرتبطة بشخصية Donald Trump — من بورتريهات مُعاد تشكيلها، ومشاهد رقمية مُفبركة، ومشاريع معمارية متخيلة — يكشف عن استراتيجية قائمة على إغراق الفضاء العمومي بالمرئيات. وهذه الدينامية تستجيب لمنطق سبق أن عبّر عنه Steve Bannon، والقائم على “إغراق الحيز بالضجيج”، بما يؤدي إلى طمس المعايير وإرباك التمييز. لم تعد الصورة مجرد أداة تمثيل، بل أضحت جهازًا لإنتاج الالتباس، حيث يتشابك الحقيقي بالزائف، والواقعي بالمتخيل، في حالة من التعذر الإدراكي. وهذه السمة تمثل أحد الملامح الأساسية للجمالية السياسية المعاصرة، التي تتجسد الأيقونوغرافيا الترامبية كأحد أكثر تعبيراتها وضوحًا.
في هذا السياق، يمكن قراءة إعادة ترتيب معرض صور الرؤساء في البيت الأبيض سنة 2025 بوصفه فعلًا دالًا. فهو لا يندرج فقط ضمن تكريم استمرارية الدولة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة رمزية للذاكرة السياسية. إنّ إزاحة أو إعادة تأطير شخصيات مثل Joe Biden عبر وسائط ساخرة أو ميكانيكية، يندرج ضمن منطق تقويض الواقعي لصالح سينوغرافيا إيديولوجية. وهكذا يتحول الفضاء المتحفي إلى مسرح سياسي، حيث لا تُنقل الذاكرة بقدر ما يُعاد تمثيلها، ولا تُحفظ بقدر ما يُعاد تشكيلها.
وتواكب هذه الاستراتيجية نزعة تركيبية في الأسلوب، حيث تتجاور الإحالات الملكية والدينية والإمبراطورية دون ترتيب هرمي: تيجان رقمية، عروش مذهبة، إشارات تبريك أو مسحة قداسة، ومشاريع معمارية تستلهم قصور الأنظمة السلطوية أو بذخ الملكيات النفطية. إنّها جمالية التراكم، حيث تُقاس الهيمنة بكثافة العلامات التي تمثلها. ومن هذه الزاوية، تستعيد الأيقونوغرافيا الترامبية بعض ملامح الدعاية في الأنظمة الشمولية، حيث تتضخم صورة القائد لتغدو مرجعًا مطلقًا يحتكر المجال الرمزي.
غير أنّ ثمة فارقًا جوهريًا ينبغي التنبيه إليه. فإذا كانت الدعايات التقليدية تقوم على مركزية صارمة في إنتاج الصورة، فإنّ الأيقونوغرافيا الترامبية تنبثق داخل بيئة إعلامية مفككة وتشاركية. إذ تلعب الشبكات الاجتماعية وأدوات توليد الصور دورًا حاسمًا في إنتاج وتداول هذه التمثلات، بحيث يغدو الأنصار أنفسهم منتجين مشاركين في بناء الخيال السياسي. وهذه المشاركة لا تُضعف الجهاز الدعائي، بل تعزّز فعاليته، لأنها تحوّل التلقي إلى فعل إبداعي مندمج في منطق الولاء.
وعليه، فإنّ تحليل هذه الأيقونوغرافيا لا يمكن أن يقتصر على نقد الذوق أو إدانة الابتذال، بل يستدعي مقاربة أركيولوجية تتتبع طبقاتها التاريخية، وأنظمة ظهورها، وشروطها التقنية. فهي تكشف عن تحول عميق في علاقة السلطة بالتمثيل، حيث لم يعد السياسي يُختزل في المؤسسات أو الخطابات، بل بات يتجلى في القدرة على إنتاج عوالم بصرية مقنعة، وصياغة سرديات حسية، وتوجيه الإدراك الجماعي.
من هذا المنظور، تبدو الأيقونوغرافيا الترامبية عرضًا دالًا لا انحرافًا عرضيًا. فهي تعكس تحوّلًا أوسع في المجتمعات المعاصرة، حيث تتقدم الصورة على النص، وتغدو الرؤية أسبق من الحقيقة، وتُمارس السلطة عبر التحكم في الانتباه بقدر ما تُمارس عبر القرار. والسؤال لم يعد ماذا تُظهر هذه الصور، بل ماذا تفعل: كيف تؤثر، وكيف تعب mobilize، وكيف تعيد تشكيل الممكن السياسي.
في المحصلة، إنّ هذه الجمالية السلطوية تفرض إعادة نظر في مفاهيم التمثيل والشرعية والسيادة، ضمن عالم مشبع بالصور والمحاكاة. وبذلك، لا تغدو الأيقونوغرافيا الترامبية مجرد ظاهرة عابرة، بل مختبرًا تتشكل فيه أنماط جديدة من الهيمنة الرمزية، يستدعي فهمها أدوات نقدية تتجاوز الأحكام الجاهزة نحو تفكيك بنى الرؤية ذاتها.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *