حينَ تُجدِّدُ المدينةُ واجهاتِها وتُهمِلُ روحَها: مراكش بين هندسةِ التهيئة وفقرِ الخيال الحضري

حينَ تُجدِّدُ المدينةُ واجهاتِها وتُهمِلُ روحَها: مراكش بين هندسةِ التهيئة وفقرِ الخيال الحضري

لم يعد سؤالُ المدينة المعاصرة سؤالَ البنية التحتية وحدها، ولا رهانَ التهيئة العمرانية بوصفها تدبيرًا تقنيًا للمجال، بل أضحى سؤالًا ثقافيًا وجماليًا وسياسيًا يتعلق بكيفية إنتاج أنماط العيش وتشكيل الوعي الجماعي بالفضاء. وإذا كانت التجارب الحضرية المعاصرة قد تجاوزت منطق «إعادة التأهيل» إلى منطق «إعادة اختراع المدينة»، فإن جزءًا من النقاش الدولي الجديد بات يلتفت إلى ما يمكن تسميته بالقانون غير المكتوب للمدينة أو «الشرعية الاجتماعية للمجال»؛ أي ذلك النسق من التمثلات والعادات والتوقعات الجماعية التي تحدد فعليًا كيف تُستعمل الشوارع والساحات والأحياء، أكثر مما تحدده النصوص التنظيمية نفسها.
في هذا الأفق، تبدو التجربة الحضرية التي عُرضت في بعض المدن الأوروبية وكأنها أدركت أن التحول لا يبدأ من الأرصفة والطرقات وحدها، بل من إعادة تعريف العلاقة الرمزية بين الإنسان والمدينة؛ إذ يصبح الشارع فضاءً للتفاوض الجمالي، ومجالًا لإعادة إنتاج القيم المشتركة، وليس مجرد قناة لعبور المركبات أو واجهة للاستهلاك. غير أن هذا التحول يفتح، في المقابل، سؤالًا حرجًا أمام مدن كثيرة تُقدَّم اليوم بوصفها «مدنًا متجددة»، بينما لا يتجاوز التجديد فيها حدود إعادة الطلاء أو تحديث البنية التقنية.
ومن بين هذه الحالات التي تستحق مساءلة نقدية عميقة تبرز مراكش، المدينة التي تحولت خلال العقود الأخيرة إلى مختبر متسارع للتدخلات العمرانية والاستثمار السياحي وإعادة تشكيل المشهد الحضري. لقد شهدت المدينة مشاريع للتوسعة والتأهيل وإعادة تنظيم المجال العام، وتزايد حضور الخطاب الرسمي حول الاستدامة والجاذبية والانفتاح. غير أن السؤال الذي يظل معلقًا هو: هل أنتجت هذه التحولات مدينة أكثر إبداعًا؟ أم أنها أعادت إنتاج صورة سياحية مُحكمة التنظيم وفق منطق الاستهلاك البصري؟
إن الملاحظة النقدية للمشهد الحضري المراكشي تكشف مفارقة لافتة: فكلما توسعت مشاريع التجديد، تراجع حضور الخيال الفني داخل المجال العام. فالساحات الجديدة، والمسارات الحضرية، والواجهات المؤثثة بعناية، كثيرًا ما تبدو وكأنها تُنجَز بمنطق الأداء الوظيفي أو الاستثمار العقاري أكثر مما تُبنى بوصفها تجارب جمالية حية. لا يتعلق الأمر بندرة الأعمال الفنية فحسب، بل بغياب تصور يجعل الفن عنصرًا مؤسسًا للعمران لا ملحقًا زخرفيًا له.
لقد أصبحت الجاذبية في كثير من الأحيان مرادفة للنظافة البصرية والانضباط الشكلي والتجانس التجاري، بينما الجاذبية الحقيقية للمدينة تُقاس بقدرتها على إنتاج الدهشة، واحتضان الاختلاف، وخلق لحظات اللقاء غير المتوقعة بين الذاكرة والإبداع. فالمدينة التي لا تمنح سكانها أسبابًا لتأملها تتحول تدريجيًا إلى مشهد يُستهلك ولا يُعاش.
ومن هنا يمكن القول إن أزمة التهيئة في مراكش ليست أزمة نقص مشاريع، بل أزمة تصور للمدينة بوصفها أثرًا ثقافيًا مفتوحًا. فالتجديد الحضري الذي يكتفي بإعادة توزيع الكتل العمرانية دون إعادة بناء المعنى يظل تجديدًا ناقصًا. إن المدينة لا تُقاس بعدد الأرصفة الجديدة ولا باتساع المحاور الطرقية ولا بحجم الاستثمارات، بل بقدرتها على إنتاج حساسية جديدة تجاه المكان.
إن مراكش، بما تملكه من تراكم تاريخي وذاكرة بصرية وروح شعبية مركبة، ليست في حاجة إلى مزيد من التماثل المعماري أو التسويق العمراني، بل إلى مشروع جمالي يعيد للفن دوره في تشكيل المجال العمومي: جداريات تتجاوز الزخرفة، تدخلات فنية تُشرك السكان، فضاءات للتجريب البصري، ومسارات ثقافية تجعل المدينة تُقرأ كما تُسكن.
ولعل التحدي الأكبر اليوم ليس كيف نجعل مراكش تبدو مدينة متجددة، بل كيف نجعلها مدينة تُنتج الخيال. فهناك فرق عميق بين مدينة تُعاد تهيئتها ومدينة تُعاد كتابتها. الأولى تُصلح شكل العيش، والثانية تُغيّر معنى الحياة داخل المجال.
ذلك أن المدن العظيمة لا تُخلَّد لأنها كانت منظمة فقط، بل لأنها نجحت في أن تجعل من الفضاء لغةً، ومن الجمال حقًا جماعيًا، ومن الإبداع شرطًا من شروط المواطنة الحضرية. أما حين يغيب هذا الأفق، فإن التجديد قد يتحول، paradoxalement، إلى شكل آخر من أشكال الفقر الرمزي.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *