حين تصير المدينة عتبة للغياب: أحمد بليلي بين ذاكرة مراكش وماورائيات العبور

حين تصير المدينة عتبة للغياب: أحمد بليلي بين ذاكرة مراكش وماورائيات العبور

يكتسب عمل الفنان المراكشي الراحل أحمد بليلي قيمة خاصة اليوم، وهو يغادر عالم الأحياء بعد صراع مع المرض، لأن أعماله تبدو وكأنها كانت تستبق سؤال الرحيل نفسه. فهي ليست مجرد تمثيل بصري لفضاء من فضاءات المدينة العتيقة بمراكش، بل هي تأمل تشكيلي في الوجود الإنساني الهش، وفي العلاقة الملتبسة بين الحضور والغياب، بين صخب الحياة اليومية وصمت المصير الأخير.
تشكيليا يمكن تصنيف أعماله ضمن ذلك التيار الذي طبع جزءاً مهماً من التجربة المغربية الحديثة، حيث تتحول المدينة إلى موضوع جمالي وإلى خزّان للذاكرة الجماعية. فالفنان لا يسعى إلى الدقة المعمارية بقدر ما يراهن على الاختزال التعبيري. خطوطه السوداء الحادة تستعيد روح الرسم السريع (croquis) وتمنح المشهد طابعاً شبه حلمي، بينما تتوزع الكتل اللونية الترابية والزرقاء في كل أعماله في انسجام يذكر بألوان مراكش التقليدية؛ لون الطين الذي يحيل إلى الأرض والأصل، والأزرق الذي يفتح الأفق نحو البعد الروحي.
تتجلى خصوصية أحمد بليلي في قدرته على تحويل المشهد الحضري إلى مسرح إنساني مفتوح. فشخوصه لا تمتلك ملامح فردية واضحة، بل تظهر كأطياف عابرة، ككائنات تتقاطع في فضاء واحد دون أن تنفصل عن مصير جماعي مشترك. إنها أشبه بما سماه الفيلسوف مارتن هايدغر “الكينونة نحو الموت”، حيث يعيش الإنسان وجوده داخل أفق الفناء دون أن يستطيع الإفلات منه. لذلك تبدو الأجساد مرسومة بخفة، وكأنها قابلة للذوبان في الخلفية المعمارية التي تحتضنها.
وفي قلب المشهد ينتصب المسجد بمئذنته وقبته، لا بوصفه عنصراً معمارياً فحسب، بل باعتباره مركزاً رمزياً للعبور الروحي. فالعمارة الدينية هنا تؤدي وظيفة ميتافيزيقية؛ إنها تربط الأرض بالسماء، والزمن اليومي بالزمن الأبدي. ومن ثم تصبح المدينة كلها فضاءً انتقالياً، أشبه بعتبة بين عالمين: عالم الحركة البشرية العابرة وعالم السكون المطلق الذي يستدعيه الموت.
وإذا كانت التجربة التشكيلية المغربية قد عرفت أسماء كبرى جعلت من المدينة والذاكرة موضوعاً فنياً، فإن أحمد بليلي ظل وفياً لرؤية خاصة تقوم على الاقتصاد في الوسائل والرهان على جوهر المشهد. فهو لا يفتن المتلقي بالتفاصيل، بل يدعوه إلى تأمل الأثر. ولهذا تقترب أعماله من الحس الصوفي المغربي الذي يرى العالم علامات وإشارات أكثر مما يراه وقائع مادية مكتملة.
في ضوء وفاة الفنان، تكتسب أعماله معنى إضافياً. فالجموع المرسومة فيها تبدو اليوم كأنها موكب بشري دائم الحركة، بينما يغيب الرسام نفسه عن المشهد. غير أن الفن، كما يقول الفيلسوف هانز جورج غادامير، يملك قدرة خاصة على مقاومة الفناء، لأنه يحول التجربة الفردية إلى حضور دائم في ذاكرة الآخرين. وهكذا يصبح أحمد بليلي، بعد رحيله، جزءاً من تلك المدينة التي أحب رسمها؛ يختفي الجسد ويبقى الأثر، يغيب الإنسان وتظل العلامة.
إن هذه أعماله ليست فقط صورة لساحة مراكشية عامرة بالحياة، بل هي أيضاً تأمل صامت في هشاشة الوجود الإنساني. ومن هنا تنبع شاعريتها العميقة: فبين جدران المدينة العتيقة وأقواسها ومآذنها، يلتقي الزمن الأرضي بزمن آخر أكثر اتساعاً، حيث يتحول الموت من نهاية بيولوجية إلى عبور نحو ذاكرة الفن.
رحم الله الفنان أحمد بليلي، الذي جعل من مراكش نصاً بصرياً مفتوحاً على الحياة، وترك في ألوانه وخطوطه ما يقاوم النسيان.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *