المشهد الثقافي والفني المغربي يفقد أحد رموزه البارزين..عزام مدكور: الفنان و الناقد الذي لم يقبع في برجه العاجي

بقلم : د.عبدالله الشيخ (ناقد فني)
غادرنا يوم السبت الماضي في صمت رهيب عزام مدكور، الفنان التشكيلي والباحث والشاعر والروائي وأستاذ تاريخ الفن، عن سن يناهز ثمانين عاما ، تاركا وراءه مسارا حافلا بالعطاء والإبداع الفكري والجمالي. ويعود تاريخ أول معرض له إلى سنة 1969 بمدينة الدارالبيضاء، ومنذ ذلك الحين لم ينقطع عن عرض أعماله الفنية بالمغرب وخارجه، كما واصل توجيه أبحاثه، النظرية منها والتطبيقية، نحو القضايا الفنية الجوهرية المتعلقة بالعلامة والجسد و العمارة، و المرتبطة بنظريته الخاصة : «ثنائية الساكن والمتحرك» أو استيعاب التضادات.
شكل معرضه الصادم سنة 1981 محطة بارزة في مسار الفن المضاد بالمغرب. منذ سنة 1983، تفرغ، من بين مجالات أخرى، للنقد الفني وعلم الجمال والرواية الفنية. فبرحيله اليوم، يفقد المشهد الثقافي والفني المغربي أحد رموزه البارزين، ممن جمعوا بين الإبداع التشكيلي والتأمل الفكري العميق.في المشهد التشكيلي العربي، ثمة أسماء لا تكتفي بالحضور بل تصنع الحضور. عزام مدكور واحد من هؤلاء الفنانين الذين لا يمشون في ركب الأثر، بل يفتحون دروبا لم تطأها أقدام من قبلهم.
حين ضاقت جدران المعرض، اتسع أفق الكتابة
منذ أن خطت يده أولى اللمسات، كان يحمل سؤالا فلسفيا عميقا يتعلق بجوهر الفن ذاته: أين يقع الإبداع في المسافة الشاسعة بين التجريد والواقعية؟ وكان جوابه ثوريا صريحا، تجسد في ما أسماه بـ “الفن المضاد”، أسلوب جديد كليا، لا يستسلم لثنائية التجريد والتصوير الواقعي ولا يختار بينهما، بل يتجاوزهما معا نحو آفاق غير مرسومة.
لم يكن معرض “الأرقام الغريبة” عام 1981 بالرباط عرضا فنيا اعتياديا، بل كان إعلانا تاريخيا، إذ يُعد هذا المعرض الأول من نوعه في العالم العربي الذي يُقدم الفن المضاد بوصفه رؤية متكاملة ومنهجا فكريا. أرقام مختلفة يُقدمها فنان مختلف ، في لحظة كانت فيها الساحة الفنية العربية تتلمس طريقها بين التقليد والتجديد. من تلك اللحظة التأسيسية، تتالت أعمال مدكور وتراكمت، داخل المغرب وخارجه، في حوار مستمر مع المتلقي العربي والعالمي : المثلث والدائرة (1988)،الأبعاد الكبرى للعلامة (1998) ، التظاهرات الفنية بالشارع…
لم يقبع عزام مدكور في برجه العاجي بعيدا عن الحدث التاريخي، فكم كان حاضرا في قلب المشهد بريشة جريئة حين أقدم على معالجة ما وصفه هو نفسه بـ”حرب البترول” لا حرب الخليج فحسب، وذلك في سلسلة أعماله اللافتة “رموز الحرب والسلام”. هذه الأعمال التي وصفها المتخصصون بأنها ثورة في عالم الفن التشكيلي بالعالم العربي، كانت ثمنها باهظا، إذ تعرض الفنان للتهميش و صار مصير أعماله الظل والتناسي. غير أن التهميش عند الفنان الحقيقي لا يُسكته بل يمنحه عمقا أكثر وحرية أوسع.
حين ضاقت جدران المعرض، اتسع أفق الكتابة. انتقل مدكور إلى النقد التشكيلي بالمنهجية ذاتها التي كانت تحكم ريشته: العقل والجرأة والبحث عن الموضوعية. طالعنا كتابه ” تأملات حول الفن” كبيان نقدي جامعا تناول فيه تأملاته في الفن العالمي، ومسألة الرمز في الفن التشكيلي العربي، وإشكاليات التصوير الصباغي المغربي، بل أضاف بعدا نادرا ومبتكرا حين قارب الفن من زاوية خوارزمية تذكّر بعبقرية ليوناردو دا فينشي الذي لم يتردد قط في تفسير الجمال بلغة الرياضيات. لم يكن هذا التوجه هروبا من الفن بل ظل امتدادا له بأدوات مختلفة، وقد توالت بعده الأعمال النقدية التي أكسبها طابعها المرجعي والأكاديمي حضورا نوعيا في المكتبة التشكيلية العربية.
بين الباحث الأكاديمي والروائي الجريء
حين يمسك فنان تشكيلي بقلم الباحث، لا يكتب عن الفن من الخارج بل من أعماق التجربة المعاشة. هذا بالضبط ما يجعل كتاب ” اتجاهات تشكيلية بالمغرب” لعزام مدكور عملا استثنائيا في مكتبة النقد التشكيلي العربي، فهو ليس دراسة أكاديمية جافة تنظر إلى الفن من مسافة آمنة، بل هو شهادة من الداخل، يكتبها رجل عاش التيارات التي يصفها، وخاض معاركها، وتنفس هواءها.
يقترح الكتاب خريطة شاملة للحياة التشكيلية بالمغرب في تياراتها واتجاهاتها المتعددة، غير أنه يتجاوز الحدود الجغرافية للمملكة ليُثبت أن هذه التيارات ذات حضور وامتداد في الفضاء التشكيلي العربي الأوسع، مما يمنح الكتاب قيمة مرجعية تتخطى السياق المحلي.
يرفض مدكور الاستسهال الذي يُختزل فيه المشهد التشكيلي في ثنائيات فجة أو تصنيفات مُبسِطة. ولهذا جاء رصده للتيارات بعيدا عن أي اختزال، مُقدّما منظومة متشعبة ومتكاملة: الواقعية الإسقاطية ،الواقعية التعبيرية ،الواقعية الرمزية ،الواقعية الميتافيزيقية ،النزعة التجريدية ،تجربة الجسد الجسد الإنساني، الرمز والعلامة .ليست هذه الاتجاهات السبعة تقسيما معياريا بل هي استنتاج من صميم الاستقراء الميداني والتحليل النقدي، مما يمنح الكتاب قيمته الأكاديمية باعتباره مرجعا لا غنى عنه لكل باحث في الفن التشكيلي المغربي والعربي.
” حاضرة الفنانين “ : رواية تكشف ما وراء اللوحة
إذا كان كتاب ” اتجاهات تشكيلية بالمغرب” يُحلل ويُصنف، فإن رواية ” حاضرة الفنانين ” تفعل ما هو أعمق وأجرأ: إنها تكشف المستور. يختار مدكور لروايته فضاء خياليا، مدينة لا تنتمي إلى جغرافيا بعينها بل إلى تلك المساحة الرهيبة التي تقع بين التصريح والإيحاء، بين الواقع والاستعارة. في هذه المدينة الخيالية، يفتح الكاتب أبوابا موصدة، أبواب الكواليس الحقيقية للحياة الفنية بكل ما فيها من تناقضات ومفارقات.
لا يتردد مدكور في خوض نقاش فلسفي كبير ينطلق من أفلاطون ويتواصل عبر قرون مع كل من تخيل مدينة فاضلة. غير أنه يباشر ذلك بموقف نقدي جلي: المدن الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة والمفكرون عبر التاريخ، من أفلاطون إلى توماس مور وفرانسيس بيكون وسواهم، هي مدن صالحة لزمنها أو لأوراق كتبها أصحابها، لكنها تصطدم اليوم بصخرة الطبيعة الإنسانية التي لم تتغير في جوهرها.
الإنسان، كما يقول مدكور ضمنا، كائن قادر على الارتقاء إلى أعلى درجات الخطاب الأخلاقي، وفي الوقت ذاته، قادر على ممارسة أشد الرذائل خفاء وأكثرها تناقضا مع ما يُعلنه. وهذا هو قلب الرواية النابض: ليس الحكم ولا الإدانة، بل المواجهة الصريحة مع هذه الازدواجية في النسق الفني تحديداً. تدور الرواية في البوتقة الشخصية لعدد من الفنانين، أي في المساحة الحميمة التي يتخلى فيها الفنان عن دوره العام المُصاغ للجمهور، ليبدو على حقيقته. هنا يتجلى الخيار الجمالي والفكري لمدكور: استخدام الفضاء الروائي لا لبناء أبطال مثاليين، بل لرصد الإنسان في تعقيده الحقيقي، بعيدا عن بريق المعارض وإطراء المنابر.
” حاضرة الفنانين” هي بذلك رواية مزدوجة الطبقات: في ظاهرها حكاية بشر يصنعون الفن، وفي باطنها سؤال فلسفي لا يهدأ عن معنى الفضيلة والجمال والحرية في عالم يُتقن الادعاء ويُجيد المظاهر.
مصير الفن ومصير الإنسان: الرهان الوجودي
ثمة كتب تُقرأ، وثمة كتب تُقلق “مصير الفن” للفنان التشكيلي والناقد المغربي عزام مدكور ينتمي إلى الصنف الثاني، ذلك الصنف النادر من المؤلفات التي لا تكتفي بتقديم المعرفة بل تُعيد طرح الأسئلة الجوهرية من جذورها. فما الفن في نهاية المطاف؟ إلى أين يسير؟ وما مصيره في خضم الحضارة الإنسانية المتحولة باستمرار؟ هذه الأسئلة الكبرى هي التي تحرّك المؤلِّف في طرحه الفكري الذي يمتد على مساحة 287 صفحة، موزعةً على ستة أجزاء متكاملة تشكل في مجموعها بنيانا فكريا متماسكا يجمع بين عمق الباحث ودقة الفنان وجرأة المفكر
لا يُقدم مدكور في هذا المؤلَّف مجرد سردية تاريخية خطية تتعاقب فيها الحقب والمدارس والأساليب، بل يذهب إلى ما هو أعمق من ذلك، إذ يبني خلاصةً تركيبيةً تاريخيةً تستوعب الدراسات المتعددة التي أنجزها على مدى سنوات طويلة في مجالَي الثقافة والحضارة الإنسانية. ولعل ما يميز هذا العمل أنه يجمع بين البُعدين النظري والتطبيقي، بين التأمل الفلسفي والتحليل التاريخي، مما يجعله في آنٍ واحد مرجعاً أكاديميا وقراءة نقدية متجددة.
كاتب يمشي على حافة الحقيقة
تفصح هذه المؤلفات عن وجهين متكاملين لعزام مدكور: الباحث الأكاديمي الصارم الذي يُوثق ويُحلل ويؤطر بمنهجية علمية راسخة، والروائي الجريء الذي يأبى أن يُزين الواقع أو يُجمله. وبينهما يقف الفنان الذي يعرف أن الفن الحقيقي لم يُولد يوما من مُجاملة، بل من جسارة النظر إلى الأشياء كما هي، دون رتوش.
تجدر الإشارة إلى أن عزام مدكور، المولود في مدينة الدار البيضاء عام1946 ، قدم أول تجاربه الفنية للجمهور عام 1969 في مسقط رأسه، ليواصل بعدها مسيرة إبداعية حافلة، شهدت عرض أعماله التشكيلية داخل المغرب وخارجه دون انقطاع. تمحورت أبحاثه النظرية والتطبيقية حول نظريته الخاصة القائمة على مفهوم “ازدواجية الجامد المتحرك”، أي الاستيعاب الجمالي للتناقضات.
وتضم قائمة مؤلفاته الغنية، من بين عناوين أخرى :” أناشيد الهذيان” ، و”الفن والمجتمع المعاصر”، و” نظرية الفن المعاصر”، و “رموز الحرب و السلام”، و “وضعية الفنون التشكيلية بالمغرب”،” مدخل إلى الاستيعاب الجمالي للتضادات “…
شذرات حول فكره:
“بالنسبة إليه، أن تكون شاعرا أو نحاتا، سينمائيا أو معماريا، أمر واحد ؛ فالفنان وحده هو الذي كان يعنيه. وكان الأهم في كل ذلك هو الرؤية الفنية”.
“يجب أن يُحدث الفن صدمة أولى، من خلال تقديم صورة غير مألوفة للنظر. ينبغي له أن يدفعنا إلى التأمل والتحليل، وإلى معرفة ذواتنا”.
“إن الطريقة التي نرى بها العالم، ونتصوره، ونعيد خلقه… هي الأمر المهم، وهي الأساس أما بعد ذلك، فليست سوى مسألة تقنية ومادة”.
“ليس هناك إلا فن واحد، هو الفن الحقيقي الصادق. إن العالم المعاصر مريض بالتصنيف والتخصص، ونحن ما زلنا نواصل تعقيد الأشياء”.

