مصير الفن: حين يُحاكم الفنان التاريخ ويسائل الجمال

ثمة كتب تُقرأ، وثمة كتب تُقلق “مصير الفن” للفنان التشكيلي والناقد المغربي عزام مدكور ينتمي إلى الصنف الثاني، ذلك الصنف النادر من المؤلفات التي لا تكتفي بتقديم المعرفة بل تُعيد طرح الأسئلة الجوهرية من جذورها. فما الفن في نهاية المطاف؟ إلى أين يسير؟ وما مصيره في خضم الحضارة الإنسانية المتحولة باستمرار؟ هذه الأسئلة الكبرى هي التي تحرّك المؤلِّف في طرحه الفكري الذي يمتد على مساحة 287 صفحة، موزعةً على ستة أجزاء متكاملة تشكل في مجموعها بنيانا فكريا متماسكا يجمع بين عمق الباحث ودقة الفنان وجرأة المفكر
لا يُقدم مدكور في هذا المؤلَّف مجرد سردية تاريخية خطية تتعاقب فيها الحقب والمدارس والأساليب، بل يذهب إلى ما هو أعمق من ذلك، إذ يبني خلاصةً تركيبيةً تاريخيةً تستوعب الدراسات المتعددة التي أنجزها على مدى سنوات طويلة في مجالَي الثقافة والحضارة الإنسانية. ولعل ما يميز هذا العمل أنه يجمع بين البُعدين النظري والتطبيقي، بين التأمل الفلسفي والتحليل التاريخي، مما يجعله في آنٍ واحد مرجعاً أكاديميا وقراءة نقدية متجددة.
الفن من منظور مدكور نشاط إنساني أصيل يمتد جذوره إلى أعماق ما قبل التاريخ، حيث لجأ الإنسان البدائي إلى الفعل الإبداعي لا من باب الترف بل من دافع الحاجة الوجودية: الحاجة إلى التواصل مع الآخر، وإلى صياغة فلسفة للحياة تعكس رؤيته للعالم وتُجسد علاقته بالكون من حوله. وهذه الرؤية الأنثروبولوجية للفن هي التي تُتيح للمؤلِّف أن يُقارب الظاهرة الفنية في شموليتها بدلاً من حصرها في تعريف ضيّق أو إطار زمني محدود.
ازدواجية التناقضات: المحور الفلسفي للكتاب
يقوم المؤلَّف على محور فلسفي جوهري يمثّل النواة الفكرية التي تتفرع منها سائر الأفكار والتحليلات، ويتجلى هذا المحور في مفهوم “ازدواجية التناقضات” التي يرى فيها مدكور القانون الخفيّ الذي يحكم مسيرة الفن عبر التاريخ الإنساني.
تعود هذه الازدواجية في نشأتها إلى أعماق الزمن ما قبل التاريخي، إذ تجلت منذ فجر الحضارات في صورة ثنائيات متعارضة تجاورت وتصارعت وأحياناً تداخلت وانصهرت داخل الحضارة الواحدة أو عبر الحضارات المتباينة. ويرصد المؤلف هذه الثنائيات في محطاتها الكبرى:
- الجنون والحكمة: ذلك التوتر الأصيل بين الإلهام الفائر وضوابط العقل.
- الحس والاعتقاد: الصراع بين التجربة الحسية المباشرة والمنظومة العقدية.
- المقدس والمدنس: الثنائية الأكثر حضوراً في الفن عبر الحضارات جميعها.
- الحساسية والمنطق: الجدل الأزلي بين الشعور والفكر، بين الوجدان والبرهان.
والجوهري في معالجة مدكور لهذه الثنائيات أنه لا يُقيمها تعارضا مطلقا ولا يُحولها إلى أحكام قيمية جاهزة، بل يُتابع مساراتها الدينامية ويرصد كيف تنتهي في أحيان كثيرة إلى اندماج وتركيب، ولا سيما حين تلتقي الفنون بالهندسة والعمران وفنون الفرجة والأداء في لحظات الحضارة الكبرى.
يُولي مدكور اهتماما خاصا بـالحقبة الصناعية منذ القرن التاسع عشر بوصفها منعطفا حاسما في تاريخ الفن ومصيره. ففي خضم الثورة الصناعية وما أفرزته من تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، نشأت أفكار مبتكرة ومفاهيم مستحدثة أعادت رسم خريطة الفعل الإبداعي وساءلت الموروث الجمالي في مسلّماته وثوابته .ويُقدّم الكتاب تحليلا دقيقا لهذا المنعطف مستحضرا المحطات التاريخية الكبرى لتطور الفن، من الفن الكلاسيكي إلى الرومانسية فالانطباعية، ثم التيارات الحداثية وما تلاها من موجات التجريب والتجديد التي أعادت السؤال عن ماهية الفن وحدوده ووظيفته.
مصير الفن ومصير الإنسان: الرهان الوجودي
ربما كانت أكثر أطروحات الكتاب جرأة وإثارة للتأمل هي تلك التي تُقيم رابطا عضويا بين مصير الفن ومصير الإنسان ذاته. فالفن في نظر مدكور ليس مجرد إنتاج جمالي قابل للتحليل والتصنيف، بل هو المرآة التي تعكس طموحات الإنسان وأحلامه وتناقضاته، وهو في الوقت ذاته الأداة التي يمتلك بها الإنسان قدرة فريدة على تجسيد ما يعجز عنه الكلام وتحقيق ما تقصر عنه السياسة والعلم.
بهذا المعنى يتجاوز الكتاب حدود الدراسة الجمالية الخالصة ليدخل في صميم الفلسفة الإنسانية، مطرحاً تساؤلات حول الهوية والذاكرة والمستقبل، وحول دور الإبداع في صون المعنى الإنساني في وجه التقنية والاستهلاك والنسيان.
لا يُمكن قراءة “مصير الفن” بمعزل عن مسيرة عزام مدكور الإبداعية والفكرية الطويلة التي بدأت عام 1969 حين أقام أول معارضه في الدار البيضاء مدينته التي وُلد فيها. ومنذ تلك اللحظة التأسيسية لم يتوقف عن البحث والتجريب والكتابة، متنقلا بين الريشة والقلم، بين اللوحة والنص، في حوار مستمر بين الممارسة الفنية والتأمل النقدي.
وقد أرسى مدكور نظريته الخاصة المعروفة بـ”ازدواجية الجامد المتحرك” أي الاستيعاب الجمالي للتناقضات، وهي النظرية التي تُمثّل العمود الفقري لتفكيره الجمالي وتتجلى بوضوح في هذا الكتاب كما في سائر مؤلفاته، من تأملات حول الفن إلى التوجهات التشكيلية في المغرب مروراً بـالفن والمجتمع المعاصر.
يستحق كتاب “مصير الفن” أن يصنَف ضمن الأعمال النقدية المرجعية في المكتبة التشكيلية العربية، لا لأنه يُقدم إجابات جاهزة أو يرسم خرائط ناجزة، بل لأنه يُعيد طرح الأسئلة الجذرية ويمنح القارئ أدوات التفكير لمواجهتها. إنه عمل يجمع بين عمق الباحث الأكاديمي وحدسية الفنان المبدع وجرأة المثقف الذي لا يُخشى مُصادرة أفكاره.
وفي عالم يُسرع الخطى نحو الصورة العابرة والجمال الاستهلاكي، يأتي هذا الكتاب تذكيرا بأن الفن أعمق من أن يُختزل في أدروجة أو موضة، وأن مصيره مرتبط في نهاية المطاف بمصير الإنسان في بحثه الأبدي عن المعنى.
تجدر الإشارة إلى أن عزام مدكور، المولود في مدينة الدار البيضاء عام1946 ، قدم أول تجاربه الفنية للجمهور عام 1969 في مسقط رأسه، ليواصل بعدها مسيرة إبداعية حافلة، شهدت عرض أعماله التشكيلية داخل المغرب وخارجه دون انقطاع. تمحورت أبحاثه النظرية والتطبيقية حول نظريته الخاصة القائمة على مفهوم “ازدواجية الجامد المتحرك”، أي الاستيعاب الجمالي للتضادات.
وتضم قائمة مؤلفاته الغنية، من بين عناوين أخرى : ” تأملات حول الفن” ، “اتجاهات تشكيلية بالمغرب” ، ” حاضرة الفنانين “” أناشيد الهذيان” ، و”الفن والمجتمع المعاصر”، و” نظرية الفن المعاصر”، و “رموز الحرب و السلام”، و “وضعية الفنون التشكيلية بالمغرب”،” مدخل إلى الاستيعاب الجمالي للتضادات “…

