ترميم الذات

ترميم الذات

بقلم: المصطفى عبد الدائم /

في كل مرة أجالس فيها نفسي ، تنقلب الجلسة إلى محاكمة قاسية فأجدني متهما أمام قاض لا يرحم ، يعدد علي ضعفي وقلة حيلتي وهواني بين الناس ، كأنما خُلقت لأكون مثالا لما لا ينبغي أن أكونه .. لنفسي أمدّ يدي متوسلا بعض اللين ، فترد علي بغضبة هوجاء ، كأنها تشعر بالفخر حين تراني ثاوٍ على صخر خوفي منها ، فتنهال علي بسياط من أسئلة تدقها في رأسي كالمسامير : لماذا اخترت الآداب ولم تختر العلوم ؟ لماذا مضيت في دروب الفلسفة ولم تلتحق بالقانون ؟ ألا ترى أقرانك الذين سبقوك إلى العلوم كيف صاروا مهندسين ومدراء شركات ورجال أعمال ؟ ألا ترى أولئك الذين اختاروا القانون كيف أصبحوا محامين وقضاة ووكلاء ملك ورؤساء محاكم، بل ومنهم من صار وزيرا وقائدا سياسيا او نقابيا ؟ وأنت ما زلت أنت لم تفلح في غير الكتابة تكتب وتكتب ، وتكتب ، و كأن الكتابة قدر لا فكاك منه ، أو لعنة تلتصق بك حيثما ذهبت …
تكتب كما كتب الذين رحلوا قبلك ، ولم يتركوا سوى كتب .. كتب تركوها في زمن لم يعد أحد يقرأ ، بل إن القراءة نفسها صارت أثرا من آثار الماضي .. العالم تبدل ، والناس تبدلوا أيضا ، أصبحوا يحملون في أيديهم هواتف صغيرة ، و بنقرات بسيطة تمنحهم ما كانوا يبحثون عنه في صفحات الكتب ، من تلك الهواتف اصبح بأمكانهم ان يتجولوا في عالم واسع صار مجرد قرية ضيقة ، لا يحتاجون فيها إلى كاتب ولا إلى كتاب ما عليهم إلا أن يسألوا فتجيبهم الآلات .. ان يطلبوا فتمنحهم ما يريدون اجوبة جاهزة ، أو نصوصا متقنة .. حتى الكتابة تأليفا لم تعد تحتاج إلى كاتب …
فماذا بقي لك بعد ؟ تساءلت نفسي وأردفت بكل قسوة او لأقل ماذا بقي منك بعد ؟
أهرب من نفسي إلى أنا ، وأتركها خلفي تصرخ .. أستحث الخطى ، وأمضي ، وأنا أقاوم الألم ، أحاول أن أضعف قبضة الندم التي تعتصرني .. ندم على ما فات ، وندم على ما كان يمكن أن يكون لو أنني اخترت غير ما اخترت … و أقول لأنا أ لسنا سوى نتيجة اختياراتنا !؟ لكن هذا القول لا يخفف شيئا من ثقل السؤال بل يزيده رسوخا في صدري فأتذكر بداياتي حين كنت تلميذا مجدا في ليسي بلاطو بسلا ، وكيف بدا لنا الطريق واضحا .. حتى في مسرحياتنا البسيطة كنا نعرف ان محمد الأثير أقدرنا على التشخيص .. وفي كرة القدم كانت لمسات محمد عجام المعروف بسمير منبئة أن مستقبله فيها مضمون ..وفعلا تحقق لهما ذلك .. وكذلك أنا كانت خطاي ثابتة، والآمال ممتدة أمامي بلا عوائق .. فانخرطت في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بدءا بالحركة التلاميذية، ثم في الشبيبة والحركة الطلابية .. وكان لكل خطوة معنى ، وكان لكل انتماء وعد .. نجحت في الباكالوريا بميزة حسن ، ومضيت نحو الجامعة وأنا أظن أن الطريق سيظل مفتوحا كما بدأته .. لكن الطرق لا تبقى كما هي ، والمنعطفات لا تُرى دائما من بعيد ، فبعد التخرج والعمل أستاذا بدءا بالدار البيضاء ثم انتقالا إلى مراكش، حططت الرحال بمسقط رأس الٱباء والأجداد بمدينة أسا حاضرة اقليم أسا / الزاك اين وجدت نفسي أنجرف نحو مسار آخر .. مسار ” انفصالي ” فيه من سوء التقدير أكثر من رجحان العقل .. مسار قادني إلى تخوم تجربة ” سياسية فاشلة ” ، لم أكن أدرك مداها ، فانتهى بي الأمر متنقلا بين السجون من كلميم ، إلى إنزكان ، إلى أيت ملول ، إلى تزنيت وتزنيت ، وأخيرا سجن سلا 2. هنا في هذا الأخير اقتحمت عالما مغلقا اختلطت فيه الوجوه والقصص ، وجاورت حكايات الإرهاب والارتشاء وتجارة المخدرات وجرائم القتل .. جاورت علي أعراس وبلعيرج ومحمد الوزاني الملقب بالنيني وقتلة المحامي وزوجته بمكناس وطحنهما ” كفتة ” .. في هذا العالم المغلق كأن الحياة كلها قد انكمشت داخل جدران ضيقة لتكشف أقسى ما فيها…
في ذلك العالم، انتهيت إلى نفسي كما لم أعرفها من قبل ، مجردا من كل شيء إلا من مواجهة لا مفر منها ومنذ 2011 إلى اليوم، وأنا أخوض تجربة طويلة لترميم الذات ، أحاول أن أعيد بناء ما تهدم ، وأن أفهم ذلك الصراع الدائم بين “أنا” و”نفسي” ، بين ما كنت أعتقده او أعتقد فيه ، وما صرت إليه او أضحيته …
وهكذا يظل الجرح سؤالا مفتوحا وتظل الكتابة رغم كل شيء هي ما تبقى لي ، وإن كنت مقتنعا أنها ليست خلاصا كاملا ، إلا أنها بطريقة ما ليست هزيمة مطلقة ، أو لنقل إنها محاولة مستمرة للفهم و للقول ، والأهم الاستمرار حيا رغم كل أسباب الموت من حولي …

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *