أين نحن من عبد النبي دشين؟

أين نحن من عبد النبي دشين؟

 

 

المصطفى عبد الدائم

برحيل القاص والناقد عبد النبي دشين يوم 22 أبريل 2026، تفقد الساحة الثقافية المغربية صوتا هادئا وعميقا، عاش تجربتي القص والنقد معا، وعجن القراءة والكتابة إبداعا متوازنا حتى نبضه الأخير.

رحم الله صديقي عبد النبي دشين، الذي لم يكن مجرد اسم في دفتر ذكرياتي، وإنما كان زمنا كاملا عشته معه، بدأ هناك في المركز التربوي الجهوي بـ”الفوارات” نواحي القنيطرة، حيث تشاركنا طاولة الدراسة، وتحملنا لسعات “شنويلة” في ليال للمطالعة والبحث، قد تمتد من مقر إقامتنا إلى مقهى “عصام”. ليال جعلتنا نكبر لنجالس أساتذة كبارا أمثال الشاعر محمد بنطلحة، والناقد عبد الرحيم المودن، والأستاذ إبراهيم سملال، وغيرهم كثيرون.

ما زلت أذكر، يا صديقي، جلساتنا الطويلة بمقهى “طارق”، مع أصدقاء كثر، من بينها جلساتنا مع صاحب رواية الزمن المقيت إدريس الصغير، التي كانت تمتد أحيانا حتى تتعب منا الكلمات. لعلنا يومها كنا نحتمي بالحديث من صخب العالم، ونصغي لبعضنا كما لو أن الصداقة شكل آخر من أشكال النجاة.

أذكر زياراتي لك حين اشتغلت بالدار البيضاء بعد تخرجنا سنة 1985، وكنت تدرس بإعدادية علال الرحماني. كنت أصعد إلى بيت والديك في العمارة قرب ثانوية الخوارزمي بكراج علال، وكأنني أصعد نحو جزء مني، يزيح بعشقه للدار البيضاء كل الخوف الساكن في قلبي منها. كنت تعشق الدار البيضاء كما لو أنها كائن حي، تعرف كل شوارعها، وتقرأ كل وجوهها كما تقرأ الكتب التي لا تتوقف عن ملاحقتها بمكتبات الحبس. هل تذكر، يا صديقي، مقهى موريتانيا ونادله يا مبارك، والزاوية التي كان يحتلها الكاتب الكبير محمد زفزاف؟

كان عبد النبي دشين قارئا شرها، لا يمل من البحث، ولا يتعب من التأمل، وكأن الحياة عنده نص مفتوح لا نهاية له.

وإذا كان مقدرا لي أن أنسى أشياء كثيرة عنك، فالأكيد أنني لن أنسى أول قصة نشرت لك بجريدة بيان اليوم  تحت عنوان “حكاية لسان بن الأبكم”، كما لن أنسى المسرحية التي كتبت تحت عنوان” أين أنت من زيدان ؟”. كنا نرددها ضاحكين، غير مدركين أن السؤال سيكبر يوما، ويتحول إلى وجع ينهشني، ويجعلني أصرخ: أين نحن من عبد النبي دشين؟

وداعا يا صديقي، أنتم السابقون ونحن اللاحقون.

من أهم أعمال عبد النبي دشين: مجموعتيه القصصيتين” رائحة الورس”( 1994) و” لا أحد ينتظرني”( 2025)  ، عمله النقدي” شعرية العنف”( 1999)، استراتيجيات تنمية القراءة(2020)، و”الكتابة والحياة: قراءات في السينما والأدب”(2022). وتعكس هذه المؤلفات تنوع اهتماماته بين السرد والنقد والتربية والانفتاح على السينما والأدب.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *