الفنان التشكيلي الأردني محمد العامري : التفكير بالعين

إلى أين يريد المبدع محمد العامري أن يرحل بنا عبر تلويناته التي لا تتوقف؟ وما الذي نراه في لوحاته لاسيما الأخيرة منها الموسومة بحرّية الانتشار الخطي واللوني؟ كيف يخلط ألوانه وصبغاته التي تظهر في لوحاته متدفقة وسيّالة على إيقاع آثار ممتدة للجسد ولإيماءاته؟
في جغرافيا لوحات هذا المعرض، تتبدّى الرّؤية وينتشر النّظر ويتمدّد عبر امتاع العين وإبهارها بلوحات صباغية استثنائية هي بمثابة قصائد بصرية ترسم متاهة السّفر عبر العين وعبر قوّة اللون وبلاغة التبصيم في امتداداته وتقاطعاته التعبيرية واللونية مع التطبيقات التجريدية التي ميّزت بدايات القرن العشرين كما وقّعها مصوّرون طلائعيون تمثلوا الطبيعة وأعادوا توثيق اليومي وسرد الأحداث والوقائع التاريخية وتأويلها على نحو تجريدي صرف خلخل النّمط التقليدي الذي تبنّاه التصوير التّشبيهي الأوروبي والأمريكي وكرّسه في الفن الأكاديمي لقرون من الزمن. من عمق جمالية هذه الجغرافيا، يضعنا المبدع العامري في حيرة كبيرة لمعرفة الطريقة التي يصوّر ويلوّن بها كائناته التي لا تشبه أحداً..ولا تختلف عن أحد، بل يجعلنا نتساءل بفضول: متى يعتكف داخل مرسمه لإبداع كلّ هذه الأطياف الملوّنة التي تلاحق وعينا المرئي واللّامرئي؟ ومن أين أتى بهذه المخلوقات الطيفية والتشكلات اللونية المدهشة؟

الرّاجح أن العامري لا يرسم ويصبغ بيده فحسب، بل أيضاً بفكره المبدِع والخلّاق وبحذقه وبصيرته، عينه الثالثة التي تقوده نحو نسج لوحات على مقاسات ما يسكن الرّوح والباطن..
هو هكذا مثل ناسك زاهد يبدع مندمجاً مع خطوطياته وحبرياته وصبغاته وألوانه التي تقول كلّ شيء وتخفي كلّ شيء في آن!! إنه احتفاء العين عبر مرايا الذات التي تنعكس على الداخل لترى الخارج..وتنفتح على الخارج لتمنح الذات طاقة متجدّدة عنوانها الإبداع الذي صار رهانه الأوّل وأفقه الجمالي الذي ينتصر به على مكر الحياة وتفاهتها.
ففي مجمل بحثه الصباغي الممتع، تترحل العين في لوحات العامري عبر ثنايا المادّة في بحث دائم ومستمر لإيقاظ الدّهشة، وتفيض الألوان على القماش والورق داخل أشكال ونماذج سابحة تتوارى خلف طيَّات وخلائط صباغية تستعير جماليتها وشروط كينونتها الأيقونية من دينامية الجسد الدّائبة، وذلك على إيقاع تجريدي مديد يحاور العين والفكر. من ثمَّ يمتلك الأثر سرائر عديدة تشتغل داخل اللوحة كذاكرة وكهوية جمالية لها حيِّزها الثقافي والتاريخي الخاصّ. هكذا يغدو الأثر نوعاً من التوقيع البصري الذي يترك بصماته على السّند، قبل أن يتحرَّك حيّاً، متسرِّباً من عمق مغاور المادّة والسّند ليسجل وجوده في حركات وتوليفات لونية متباينة دائبة الجلاء والخفاء..

في عمق لوحات العامري تتفجر الألوان وتتشظى قبل أن تُعيد تركيبة هويتها الجمالية، إذ تُمسي في حالات معيّنة داكنة في هيئة كتل متراكبة، متراصة أحياناً، تحتل مركز العمل الفني، لتتعايش في حالات أخرى مع اختيارات لونية مختلفة شفيفة تحيا داخل مقطعات مساحية عريضة منتشرة تستوعب التخطيطات المبصومة بأسلوب حركي مثل إمضاءات وتواقيع سريعة التنفيذ. وفي طيّات لوحات أخرى تتموقع شرائط ملوَّنة صغيرة بدرجات طيفية متناغمة مع المكوِّنات اللونية المهيمنة داخل فضاء اللوحة لتغتني مرَّات بحروفيات ونصوص شعرية تشترك في إنتاج المعنى والمبنى..
وبين هذه التلاوين الطريَّة، تكمن قوى متحرِّكة (دينامية)، ما يجعل العامري فناناً مسكوناً بخلق الأضداد والتباين (الكونتراست) بين النّماذج المرسومة والمصبوغة انسجاماً مع كلام الفنان هنري ماتيس H. Matisse: “أنا لا أرسم الأشياء..أنا فقط أرسم الاختلاف بين الأشياء”…

هكذا، وبمعنى ما، تخاطبنا هذه التكوينات اللونية وتحفّزنا لكي ننصت إليها بأعيننا ولنراها بذاكرتنا البصرية المشتركة لأنها ملأى بالكثير من الرسائل غير اللفظية التي تتبادل الأدوار والمواقع على السّطح التصويري.
في جغرافيا هذه اللوحات تتبدّى الرّؤية لتعانق الرّؤيا عبر أمداء واسعة من التأمّل والاستبصار والتخيّيل من أجل خلق حالات متفاوتة من التنوُّع البصري في جسد اللوحة، يقوم الفنان العامري أثناءها بتغرية قصاصات من الصحف والمجلات التي تذوب في لجَّة القماش بفعل المحو والدّعك والدّمج بواسطة صبغات وأحبار لونية هاربة ومنفلتة لتصير بمثابة غمام سابحة نحو سماوات أنقى وأرحب..
ألوان العامري مترحلة Nomades مثل أسفاره ورحلاته، لذلك فهي لا تؤمن بالسّكون والاستقرار، تعيش في الضوء كما في العتمة، في السماء وفوق/تحت الماء. إنها كائنات وأجسام طيفية متحرِّرة، تحيا مع الفنان في عزلته واعتكافه قبل أن يحتفي بها الجمهور خارج محراب الإبداع. هي أيضاً أطياف ملوَّنة تتناسل من لوحة لأخرى لتوزِّع علينا معاني الحبّ والأمل والتفاؤل، كما نطقت بذلك مجموعة من لوحاته خصوصاً منها ما جاد بها معرض “حالة حبّ” الذي أقامه قبل سنوات في “غاليري أرجوان” ببيروت.

إنه الحبّ المتعدِّد، رُوح الحياة الجميلة، الذي يتمظهر في الاختيارات اللونية البديعة وتناغمها الشاعري مع الآثار التعبيرية الناتجة عنها..الحبّ الذي يصنعه الأزرق الكوبلتي والنيلي في اندماجه مع البياض النُّوراني والأصفر الأوكر والعنبري في حواراته البصرية مع الأحمر الناري والياجوري..فضلاً عن البنِّيات والرّماديات الملوَّنة في مقابل ألوان كحلية تعكس ظلال الأشياء وتنتشر بجوارها حركات الخطوط والنقط اللونية المتطايرة بفعل التبقيع والتنقيط الخاضعة للفكر والجسد على مدى مساحات مهمّة من الإنشائية الإجمالية للوحة..
وكما في أشعاره ومسروداته ونصوصه النقدية الرّصينة، يُبدع الفنان العامري ويفكر بعين ثالثة وبرهافة جمالية واسعة. لكن؟ كيف يصنع كائناته وكيف يمزج ألوانه وحبرياته لتصير تشكلات هوائية مجنَّحة في الأعالي؟ أو سحباً عابرة بكميات لونية مقدَّرة ترسم غياب الأشياء أكثر من حضورها؟
لعل في الأمر سرٌّ ما!!

هذا السرّ لا يعرفه سوى الفنان، الذي يبدو في تجربته التلوينية المعاصرة رحالة لا يهدأ ولا يملّ من اقتفاء أثر الأثر وتتبع تحوُّلاته البصرية فوق السند، مدركاً على نحو جيِّد لكارتوغرافيا قماشاته وورقياته، مثلما يبدو مشَّاءً محنكاً مسكوناً برسم حياة الأثر ومنح الأشياء ولادات جديدة تتغيَّر باستمرار على إيقاع توليفات لونية حَدَثِيَّة وفعلانية ممتدة مطبوعة ببلاغة التبقيع وتجاور الألوان وتعايشها، وكأنه بذلك “يدرِّبنا” على الانتباه إلى أهمية الاحساس بحيوية الأشياء الصغيرة والهامشية التي قد لا تراها العين بسهولة..
هو، بلا شك، مبدعٌ طقوسيٌّ يشتغل بعوائد خاصّة وكثيراً ما يفتح حوارات اندماجية مع اللوحات التي يبدعها، يداعبها وهي لا تزال في طور الإنجاز، يستنطقها، يستفزها أحياناً..ويداعبها أحياناً أخرى وسط موجة من “الانفعالات الإبداعية” التي تقوده إلى النتائج المبحوث عنها ساعات الاعتكاف داخل المرسم..

ولا شك أن هذا المنجز التشكيلي الفريد، وبالنّظر لقيمته الإبداعية، يفتح حواراً جماليّاً مع المتلقين وعشاق الفن، ممّا يتيح لهم فرصة التفاعل مع الفن الجادّ ويُعزز فهمهم وتقديرهم للإبداع والجمال، ليبقى الثابت أخيرًا أن بصمات محمد العامري تأكيد وإقرار بالمقام الإبداعي المتفرّد الذي يتميّز به فناناً خلاّقاً وإنساناً ودوداً يفيض بالعديد من معاني السّخاء والبذل والعطاء اللّامحدود.

* تصدّر هذا النص كاتالوغ معرض الفنان محمد العامري “عين ثالثة” الذي أقيم بغاليري “دار المشرق” Orient Gallery بعمّان- الأردن خلال نونبر/ دجنبر 2025.
