الماريشال قيبو: أسطورة فن العيطة

الماريشال قيبو: أسطورة فن العيطة


في الذاكرة الفنية المغربية أسماء تعبر الزمن وتتجاوز الحدود، لا لأنها غنت فقط أو عزفت بإتقان، بل لأنها تحولت إلى جزء من الهوية والوجدان الشعبي. ومن بين هذه الأسماء يبرز الماريشال قيبو، أحد أعمدة العيطة المرساوية، ورمز من رموز الفن الشعبي الأصيل الذي استطاع أن يحول الكمان إلى لغة تنطق بمشاعر الناس وأحلامهم وآلامهم.


اسمه الحقيقي محمد لحريزي، لكن التاريخ الفني لم يحتفظ بهذا الاسم بقدر ما احتفظ بلقبه الأشهر: “الماريشال قيبو”. لقب يحمل في طياته الكثير من الدلالات، إذ لم يكن الرجل مجرد عازف أو منشط أو اعلامي في لحظة عابرة، بل كان قائدا حقيقيا لأوركسترا العيطة، يضبط إيقاعاتها بحزم القائد العسكري، ويوجه أصوات الشيخات وأنغام الموسيقيين بمهارة نادرة جعلت منه مدرسة قائمة بذاتها.
في أزقة المدينة القديمة للدار البيضاء، وتحديدا بزنقة الديوانة غير بعيد عن بوسمارة، تشكلت ملامح هذه الشخصية الاستثنائية. هناك نشأ الطفل محمد لحريزي، وهناك بدأ شغفه بالموسيقى يتجاوز حدود الهواية ليصبح قدرا مكتوبا. لم ينتظر طويلا حتى يمتلك آلة موسيقية حقيقية، بل صنع كمانه بنفسه في طفولته، في مشهد يلخص مبكرا روح الإبداع والإصرار التي سترافقه طوال حياته.


كان عزفه منذ سنواته الأولى يثير الدهشة. وما إن يمرر القوس على الأوتار حتى يعم الصمت المكان، وكأن الجميع يستعد للإصغاء إلى حكاية جديدة ترويها أنغامه. امتلك قدرة فريدة على استخراج الأحاسيس من الكمان، فصار صوته الموسيقي جزءا من هوية العيطة المرساوية، وأصبح اسمه يتردد في المجالس والأعراس والأسواق الشعبية باعتباره واحدا من أمهر العازفين في المغرب.
وفي زمن كانت الأعراس تشكل فضاء حقيقياً للإبداع الفني، كان حضور الماريشال قيبو مطلبا أساسيا لا يقبل النقاش. فقد عرف عنه تمكنه الكبير من قيادة السهرات، وتحويلها إلى لحظات استثنائية تمزج بين الطرب والفرجة والاحتفال. كانت يداه تروضان الكمان كما يروض الفارس جواده، فتضحك الأوتار حين يشاء، وتبكي حين يريد، وتمنح المستمعين رحلة شعورية لا تنسى.


أما لقب “قيبو”، فتروي الروايات الشعبية أنه ارتبط بعادته في إخفاء وجهه بقب جلبابه أثناء إحياء حفلات النساء. في حين ارتبط لقب “الماريشال” بقدرته الفائقة على التحكم في مجريات العيطة وتوجيه أشهر الشيخات، من أمثال فاطمة المرينية وفاطمة المزابية وميلودة الدرنونية. بل إن بعض الروايات تذهب إلى أن الملك الراحل محمد الخامس أعجب بعزفه ومنحه هذا اللقب تقديرا لموهبته الاستثنائية.


ولم تقتصر مسيرة الماريشال قيبو على الأعراس والمناسبات الشعبية، بل امتدت إلى الإذاعة والمسرح. فقد شارك ضمن فرقة بوشعيب البيضاوي تحت إشراف رائد المسرح المغربي البشير لعلج، مساهما في توظيف العيطة داخل الأعمال الكوميدية والمسرحية. كما أطل على الجمهور عبر برامج إذاعية تركت بصمتها في الذاكرة الجماعية للمغاربة.غير أن الرجل لم يكن فنانا للفرح فقط، بل حمل أيضا هموم وطنه. ففي فترة الحماية الفرنسية وظف فنه لخدمة قضايا المقاومة، وغنى للوطن وللحرية، ما عرضه للمضايقات ومصادرة بعض أعماله. لكنه ظل وفيا لقناعاته، مؤمنا بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.
ورغم شهرته الواسعة وقربه من دوائر النفوذ، عاش الماريشال قيبو حياة بسيطة يسودها القناعة والزهد. لم يلهث وراء المال أو الامتيازات، وكان يردد دائماً عبارة تختزل فلسفته في الحياة: “مستور والحمد لله”. آمن بأن الثروة الحقيقية تكمن في القيم والعلم وتربية الأبناء، لا في تراكم الأموال.
وقبل رحيله، أدى فريضة الحج وكأنه كان يستعد للقاء أخير مع الحياة. وفي سنة 1974 أسلم الروح بهدوء، تاركاً وراءه إرثاً فنياً وإنسانياً كبيرا. رحل الجسد، لكن الكمان ظل شاهدا على عبقرية رجل جعل من العيطة فناً أكثر إشراقا وعمقا.
واليوم، كلما صدحت أوتار الكمان في إحدى العيوط المرساوية، يعود اسم الماريشال قيبو إلى الواجهة. ليس بوصفه فنانا من الماضي فحسب، بل باعتباره أسطورة حقيقية من أساطير التراث المغربي، ورمزاً لفن عاش في الناس وما زال يعيش في ذاكرتهم إلى اليوم.

 

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *