حورية لعلج: سيميائيات الترميم وجمالية استعادة المعنى
بقلم: المراسلي محمد/
تندرج تجربة حورية لعلج ضمن تلك الممارسات الفنية المعاصرة التي لم تعد تنظر إلى العمل الفني باعتباره موضوعاً جمالياً مستقلاً، بل باعتباره شبكة من العلامات والدلالات القادرة على إنتاج المعنى وإعادة تشكيل علاقتنا بالعالم. فمن خلال الرسم والتصميم والترميم، تنسج الفنانة مشروعاً إبداعياً يقوم على مساءلة الذاكرة والهوية والزمن، وتعيد الاعتبار إلى الأشياء المنسية بوصفها حوامل رمزية لذاكرة إنسانية كامنة.
إن جوهر تجربتها لا يكمن في إصلاح الأشياء التالفة فحسب، بل في إعادة تأويلها داخل منظومة دلالية جديدة. فالشيء المهمل لا يُنظر إليه باعتباره مادة فاقدة لوظيفتها، وإنما بوصفه أثراً يحمل آثار حياة سابقة. ومن هذا المنظور تتحول عملية الترميم إلى فعل سيميائي يعيد تنشيط العلامة بعد أن فقدت قدرتها على التواصل. فالدمية القديمة، أو الحقيبة العتيقة، أو قطعة الأثاث المتآكلة ليست مجرد موضوعات مادية، بل نصوص صامتة تختزن طبقات من المعاني والذكريات والانفعالات.
وتتقاطع هذه الرؤية مع تصورات الفيلسوف غاستون باشلار الذي منح للأشياء منزلة خاصة داخل الخيال الإنساني، مع اختلاف جوهري يتمثل في أن حورية لعلج لا تكتفي بتأمل الذاكرة الكامنة في المادة، بل تتدخل فعلياً لإعادة تشكيلها. وهكذا يصبح الترميم ممارسة تأويلية تُخرج الشيء من حالة الصمت إلى فضاء الخطاب، ومن وضعية الأثر المهمل إلى وضعية العلامة الحية القادرة على إنتاج معانٍ جديدة.
في هذا السياق، يكتسب مفهوم «الإصلاح» بعداً أنطولوجياً يتجاوز معناه التقني. فالترميم لا يعني استعادة الشكل الأول للأشياء، بل الكشف عن إمكانات جديدة للوجود. إنه انتقال من منطق الفقد إلى منطق التحول، ومن دلالة الانكسار إلى دلالة الاستمرار. ومن هنا تغدو كل قطعة مرممة شاهداً على قدرة الكائن والموضوع معاً على تجاوز العطب وإعادة بناء الذات.
ومن منظور سيميائي، تنتمي أعمال حورية لعلج إلى ما يمكن تسميته «جمالية الأثر». فالأثر لا يحيل فقط إلى ما كان موجوداً، بل إلى ما يستمر في الحضور رغم الغياب. إن الخدوش، والتشققات، وعلامات الزمن التي تتركها على بعض الأعمال لا تُمحى بالكامل، بل تتحول إلى عناصر دلالية تروي تاريخ الشيء وتكشف مساره الوجودي. وهكذا يصبح الزمن نفسه مادة تشكيلية تساهم في بناء المعنى.
أما حضور الحضارة المصرية القديمة في عالمها الفني، فلا يقتصر على استلهام الرموز والزخارف، بل يتجلى بوصفه استعادة لرؤية كونية كانت تعتبر الفن وسيلة للعبور من الظاهر إلى الباطن. فالرموز الفرعونية، بما تحمله من كثافة دلالية وروحية، تمنح أعمالها بعداً تأويلياً يجعل المتلقي مدعواً إلى قراءة العمل بوصفه نصاً متعدد الطبقات، لا مجرد صورة أو شكل زخرفي.
وفي أعمالها التشكيلية تتأسس علاقة دقيقة بين النور والظل، وبين الامتلاء والفراغ، وبين الحضور والغياب. وهذه الثنائيات لا تُطرح باعتبارها تناقضات متصارعة، بل باعتبارها عناصر متكاملة داخل بنية رمزية واحدة. فاللوحة تتحول إلى فضاء للحوار بين الأضداد، وإلى محاولة لاستعادة وحدة العالم خلف تعدد مظاهره.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في تعامل الفنانة مع الأشياء القديمة التي تبدو، للوهلة الأولى، محكومة بمنطق الاستهلاك والنسيان. فحين تستحضر مقولة لامارتين حول «روح الأشياء»، فإنها تؤكد تصوراً فلسفياً يرى في المادة امتداداً للذات الإنسانية. فالأشياء ليست خارج التاريخ الشخصي للأفراد، بل تشارك في تشكيل ذاكرتهم وهويتهم. ولذلك فإن إنقاذها من التلف هو، في مستوى أعمق، إنقاذ لجزء من التجربة الإنسانية نفسها.
هكذا تتأسس تجربة حورية لعلج على ما يمكن تسميته «أخلاق العناية بالمعنى». فالفنانة لا ترمم الأشياء لأنها قديمة فحسب، بل لأنها ترى فيها إمكانية لاستعادة ما يوشك على الاختفاء. ومن ثم يصبح الفن لديها ممارسة للذاكرة ومقاومة للنسيان، كما يصبح الترميم استعارة كبرى لرحلة الإنسان في مواجهة هشاشته الخاصة.
إن مشروعها الإبداعي يذكرنا بأن الجمال لا يولد دائماً من الكمال، بل قد ينبثق من آثار الكسر ذاتها؛ وأن العلامات التي يتركها الزمن على الأشياء ليست دليلاً على نهايتها، بل على قدرتها المستمرة على إنتاج المعنى. ومن هنا تكتسب أعمال حورية لعلج قيمة فلسفية وسيميائية تجعلها تجربة قائمة على إعادة إحياء الذاكرة، وترميم الرموز، واستعادة العلاقة الحميمة بين الإنسان والعالم.
هذه الصياغة تمنح النص بعداً فلسفياً وسيميائياً أكثر عمقاً، عبر توظيف مفاهيم مثل: العلامة، الأثر، التأويل، الذاكرة، الأنطولوجيا، جمالية الأثر، أخلاق العناية، وإنتاج المعنى، مع الحفاظ على روح تجربة حورية لعلج ومشروعها الفني.

