طلحة جبريل… سيرة قلم خلد التجارب في صفحات التاريخ

طلحة جبريل… سيرة قلم خلد التجارب في صفحات التاريخ

في عالم الصحافة العربية، تبرز أسماء صنعت مجدها بالكلمة الصادقة والرؤية العميقة، ومن بين هذه الأسماء اللامعة يسطع اسم طلحة جبريل، الصحفي والكاتب السوداني الذي استطاع أن يحجز لنفسه مكانة مرموقة بين كبار الإعلاميين العرب، بفضل مسيرة مهنية امتدت لعقود من العطاء والتميز.
من السودان، حيث تشكلت بداياته الأولى، انطلق طلحة جبريل في رحلة مهنية رصينة قادته إلى عواصم العالم، قبل أن يستقر في إسبانيا، ليصبح شاهدا على أحداث وتحولات سياسية كبرى، وواحدا من أبرز الأقلام العربية الجادة التي جمعت بين عمق التحليل ورصانة الأسلوب.
لم يكن طلحة جبريل مجرد ناقل للأخبار، بل كان صانعا للمعنى ومؤرخا للحظة. وخلال مسيرته الصحفية الثرية، أجرى حوارات مع ستة وعشرين ملكا ورئيس دولة وحكومة، وهو إنجاز استثنائي يعكس الثقة التي حظي بها لدى كبار صناع القرار في العالم العربي وخارجه.
من بين أبرز تلك الحوارات، حواره التاريخي مع جلالة المغفور له الحسن الثاني، الذي ترك أثرا كبيرا في مساره المهني. ويروي طلحة جبريل إحدى الطرائف التي جمعت بينه وبين الملك، حين طلب منه الحسن الثاني اختيار صورة من ألبوم خاص به. وحين سأله الملك عن الصورة التي يفضلها، أجاب الصحفي السوداني بلباقة: “صورة الملك لا تُعيب”. فابتسم الحسن الثاني وسأله: “من أين تعلمت الدبلوماسية؟”، ليجيبه طلحة جبريل: “تعلمتها منكم يا صاحب الجلالة “. حكاية تختصر ذكاءه وسرعة بديهته وقدرته على كسب ثقة محاوريه.
وقد وثّق هذه التجربة في كتابه «ذاكرة ملك»، الذي يعد من أبرز الأعمال التي تناولت شخصية الحسن الثاني ورؤيته السياسية من خلال شهادات وحوارات مباشرة.
ولم تتوقف إسهامات طلحة جبريل عند الصحافة المكتوبة، بل امتدت إلى مجال التأليف، حيث أثرى المكتبة العربية بعدد كبير من الكتب التي تناولت السياسة والإعلام والسير الذاتية وأدب الرحلات. ومن أبرز مؤلفاته: «أيام الرباط الأولى»، «كتاب الأسلوب»، «المغرب.. السنوات الحرجة»، «محطات من تاريخ ليبيا»، «على الدرب مع الطيب صالح»، «الملك والعقيد»، «صحافة تأكل أبناءها»، «محمد شكري.. جرأة الحياة»، «200 كلمة خارج الصورة»، «فن البورتريه»، «أحمد بن جلون»، «عبور الجحيم»، «سنواتي في أمريكا»، «محمد شكري.. نهارات وليالي التسكع»، «الأجناس الصحافية»، و«ذاكرة ملك»، وهي أعمال تعكس تنوع اهتماماته وثراء تجربته الفكرية والإنسانية.
ظل طلحة جبريل طوال مسيرته وفيا لقيم المهنة، مؤمنا بأن الصحافة ليست مجرد نقل للأحداث، بل مسؤولية أخلاقية ورسالة تنويرية. ولذلك ارتبط اسمه بالمصداقية والعمق والقدرة على قراءة ما وراء الخبر.
إنه صحفي حمل السودان في وجدانه، والعالم العربي في قلمه، وترك بصمة راسخة في تاريخ الإعلام العربي، ليبقى نموذجا ساطعا للصحفي المثقف الذي جمع بين الخبرة المهنية والرؤية الفكرية والالتزام بقيم الكلمة الحرة.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *