المثقف ورهان المرابطة عند طه عبد الرحمن : من الالتزام الفكري إلى الالتزام العملي الائتماني

المثقف ورهان المرابطة عند طه عبد الرحمن : من الالتزام الفكري إلى الالتزام العملي الائتماني

مقدمة
في زمن تتصاعد فيه الأزمات الحضارية وتتداخل فيه تحديات الهوية والقيم مع تحديات التنمية والعدالة والاستقلال، يصبح سؤال جدوى المثقف وأدواره أشد إلحاحًا. هل يكفي أن يبقى المثقف حاملًا للمعرفة ومحلِّلاً ظواهر المجتمع من خارج الميدان؟ أم أن عليه دورًا أعمق يتطلب حضورًا عمليًا وأمانةً في العمل؟ الفيلسوف طه عبد الرحمن يقدّم رؤية واضحة ترفض صورة “المثقف البرجي” المنعزل، وتُقَرّب بدلاً منها مفهوم “المرابطة” الذي يرتقي بالالتزام الفكري إلى التزام عملي ائتماني جماعي مؤسسي ويطالب بتحويل الفكر إلى فعل مؤثر وممانع يؤسس للوجود الحضاري.
أولًا: إعادة تعريف المسؤولية — من المثقف البرجي إلى المرابط
يطعن طه عبد الرحمن في نموذج المثقف المنعزل الذي يعيش في برج نظري مرتفع. بالنسبة لطه عبد الرحمن، “الالتزام الفكري” هو خطوة أولى ضرورية لكنها ليست كافية، وهو يضع معايير صارمة لتحويل هذا الالتزام من مجرد “قول” إلى “فعل وجودي”.
1_ نقد الالتزام الفكري البرجي الفردي البارد:
يرى طه أن النخبة التي تكتفي بالالتزام الفكري (أي مجرد تبني أطروحات ومناقشتها وتفكيكها، حتى وإن كانت نقدية) تقع في فخ تمجيد القول المتفصل عن العمل؛ فهو التزام فكري “بارد” لا يغير في الواقع شيئًا، بل قد يزيد من اغتراب النخبة عن مجتمعها.
ويذهب طه إلى أن الالتزام الفكري القولي المنفصل يعاني من آفات تجعله عاجزًا عن التغيير:
– آفة الوقوع في “التقنية” المعرفية: يقع المثقف المكتفي بالالتزام الفكري في فخ “التقنية” المعرفية، حيث يتحول الفكر إلى مجرد أدوات تحليل باردة ومنفصلة عن الروح، مما يولد اغترابًا عن الأمة. يشير طه إلى أن هذا الفكر يظل “باردًا” وغير قادر على التغيير:
“إنَّ الفكر الذي يتخذ من المناهج المجرّدة غايةً في ذاتها، ينتهي إلى أن يكون ‘تقنيةً’ عقليةً تفرّغ الوجود من معناه الروحي، وتجعل صاحبها يغرق في تفاصيلَ تقنيةٍ لا تُغني عن الواقع شيئًا.”
– آفة الانفصال عن العمل الأخلاقي وتزكية النفس:
يرى طه عبد الرحمن أن الفكر الذي لا يصحبه “تزكية للنفس” هو فكر مضلل لصاحبه وللمجتمع على حد سواء. فالالتزام الحقيقي هو “التزام وجودي” يربط المعرفة بالسلوك الأخلاقي. يقول طه:
“لا قيمة لِفكرٍ لا يرتدُّ على صاحبه بالتزكيةِ والتقويم؛ فالفكرُ الذي ينفكُّ عن العمل الأخلاقيّ يظلُّ كلامًا في الهواء، بل هو أشدُّ ضلالًا لأنه يوهمُ صاحبه بأنَّ ‘القول’ يغني عن ‘العمل’.”
– آفة غياب “الشهادة”:
الفرق الجوهري بين المثقف التقليدي والمرابط يكمن في “الشهادة”. فالمثقف التقليدي قد يكتفي بدور “المراقب” الذي يحلل الظواهر من الخارج، بينما النخبة المرابطة هي “شاهدة” على عصرها من خلال ممارساتها وتأثيرها المباشر في ثغور المجتمع:
“إنَّ شأنَ المرابطِ في ثغرهِ ليس شأنَ الناظرِ من بعيد، بل هو شأنُ الشاهدِ الذي يحضرُ في قلبِ الحدثِ، ويُثبتُ حقيقةَ الحقِّ بأفعالهِ لا بأقواله؛ فالمثقفُ المراقبُ يصفُ الداء، أما المرابطُ الشاهدُ فيسعى إلى إقامةِ الدواء.”
2_ نقد الالتزام الفكري المجرد: تشخيص فخ القول
يحذّر طه من أن يظل الالتزام الفكري إذا ظل محصورًا في الكلام والنقد والتمظير دون ترجمة عملية. يقع في فخ “الاستلاب المعرفي” و”التقنية” التي تحول الفكر إلى أدوات تحليلٍ جافة تنفصل عن الروح والذات الجمعية. والنتيجة اغتراب النخبة عن مجتمعها وعقم حضاري يزداد عمقًا. المثقف الذي يكتفي بالنقد الفكري دون تقديم بديل عملي هو كمن يصف الدواء دون أن يجرؤ على تناوله. لذلك يؤكد طه: “ليس الشأنُ في أنْ تمتلكَ فكراً نقدياً قوياً، بل الشأنُ في أنْ تمتلكَ إرادةً أخلاقيةً تحوّلُ هذا الفكرَ إلى فعلٍ في الميدان. فالفكرُ بلا فعلٍ أخلاقيٍّ هو عُقمٌ حضاريٌّ ومَحضُ استلاب.”
ثانيًا: من الالتزام الفكري إلى الالتزام الوجودي — من الممانعة الفكرية إلى المرابطة
طه عبد الرحمن يرفع سقف الالتزام من “الفكر” إلى “العمل”. ففي نظره، الالتزام الحقيقي هو ما يسميه “الفعل الائتماني”.
1_ الالتزام الائتماني: الفكر كأمانة والفكر في خدمة “الأمانة”
يقدّم طه مفهوم “الائتمانية” باعتباره إطارًا أخلاقيًا جوهريًا. النخبة مؤتمنة على رسالة حضارية؛ والتزامها الائتماني يعني أن يكون الأثر العملي والفكري مقياسًا أمام الأمانة الأخلاقية، لا شهرة أو مكاسب شخصية. فالالتزام الائتماني يعني أن المثقف لا يكتب ليُسمع أو ليُبهر، بل ليعمر الأرض بمقتضى الأمانة التي حملها الإنسان. يقول في هذا السياق:
“إنَّ المثقفَ الائتمانيَّ لا يسألُ عما يجنيهِ فكرُه من شهرة، بل يسألُ عما يُحققهُ عملُه من إصلاحٍ في ‘ثغرِه’؛ إذ هو يعلمُ أنَّ كلَّ حرفٍ يكتبُه هو أمانةٌ سيُسألُ عنها يومَ الحسابِ الحضاريِّ.”
فالالتزام الفكري هو أن “تعرف” وتنتقد وتكتب وقد يكون المحرك هو انهماك حقيقي بهموم الأمة، لكن لا ينفك عن محركات ذاتية آنية وقد يتحقق له الرضى عن أدائه، فيتحقق لمنتجه الانتشار والتداول والشهرة حتى وإن لم يكن لمجهوده أي أثر يذكر في الواقع.
أما “الالتزام الوجودي” الائتماني فهو أن “تكون” وتشهد وتُحدث أثرًا. النخبة عنده لا تُعرف بما تكتب، بل تُعرف بما “تُؤسس” من قيم في واقع الناس. إذا لم يُترجم الفكر إلى سلوك (عمل أخلاقي)، فإنه يظل “كلامًا في الهواء”.
2_ “المرابطة” هي الحل
يدعو طه النخبة للانتقال من دور “المثقف العارف” إلى دور “المرابط العامل”.
– معنى المرابطة:
إن “المرابطة” عند طه عبد الرحمن ليست عملاً عسكريًا، بل هي يقظة فكرية وأخلاقية مستمرة. النخبة المرابطة التي يدعو إليها هي التي تدرك أن:
– الفكر أمانة: لا يجوز تزييف الحقائق أو تبنّي مفاهيم تذيب الشخصية.
– الموقع ثغر: أي مكان تتواجد فيه النخبة هو ميدان لحماية القيم وإثبات الحضور الحضاري.
فالمرابطة يقظة وجودية لا فكرية فقط، دائمة لحماية القيم وإقامة الحق في مواضع الباطل. لكل مجال إنساني ثغر يحتاج من النخبة حراسته، فالمرابط هو من يحرس هذه الثغور حضورًا وممارسة، لا مراقبةً من بعيد. وبتعبير طه: “إنَّ المرابطة ليست مجرد دفاع عن الحدود، بل هي إقامةٌ للحق في موضعِ الباطل، وبناءٌ للمعنى في موضعِ الفراغ، وتشييدٌ للعمارة الإيمانية في صرحِ الوجود.”
فالمرابطة تقتضي الحضور الدائم في “ثغور” المجتمع (التعليم، الإعلام، الأسرة، الاقتصاد)، حيث يتم الاشتباك مع الواقع وتحدياته بعمل يتسم بالصبر والمسؤولية والارتباط بالأصل. “الالتزام الفكري” قد يكون عملًا فرديًا يمارسه المثقف في مكتبه، أما “المرابطة” فهي التزام جماعي وميداني.
3_ المرابطة نهج استعادة التخلق بالعلم: نقد فصل العلم عن السلوك
يرتبط الحلّ، عند طه، بضرورة تحويل المعرفة إلى سلوك وتقويم للنفس. العلم لا ينبغي أن يبقى وسيلة للترقي الاجتماعي أو معيارًا فارغًا، بل أداة لتزكية النفس والإصلاح المجتمعي. الفكر الذي لا يصحبه عمل أخلاقي قد يكون أضرّ مما ينفع. لذلك يجب على النخبة أن تكون مثالًا عمليًا للقيم التي تدعو إليها، ويصبح العلم مجرد وسيلة إذا لم يصاحبها التخلق بها.
4_ المرابطة نهج شهادة: حضور فعلي في الثغور — نقد فصل المراقبة عن الشهادة
يبيّن طه الفرق بين المثقف المراقب الذي يقف على هامش الحدث وبين المرابط الشاهد الذي يحضر الفعل ويشارك في بنائه. المرابطة تتطلب حضورًا فاعلًا في ثغور المجتمع: التعليم، الإعلام، الأسرة، الاقتصاد، السياسة. حضور المرابط ليس مجرد تظاهر أو شعارات، بل عمل متواصل يُترجم المعرفة إلى إصلاح ملموس في ميدان الحياة اليومية.
5_ المرابطة نهج نُكتل ومأسسة — من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي
لكي لا يبقى الالتزام مجرد فعل فردي هش، يدعو طه إلى مأسسة الفكر: بناء مؤسسات تربوية وفكرية ومجتمعية تتحول فيها المبادئ إلى سياسات وممارسات مستدامة. المأسسة تمكّن النخبة من المنافسة في فضاءات التدافع الحضاري عبر إنتاج بدائل مؤسسية قادرة على مواجهة تحديات العصر، دون الانغلاق أو الانعزال.
ثالثًا: مهام عملية للنخبة المرابطة — أولويات التنفيذ
استنادًا إلى رؤيته، يضع طه مجموعة مهام ينبغي أن تكون أولوية للنخبة المرابطة:
– الاستقلال المعرفي: تأصيل الفكر بدلاً من استيراد نماذجٍ جاهزة بلا تكيف.
– الربط بين العلم والعمل: جعل المعرفة تقود إلى تزكية وسلوك أخلاقي.
– إحياء الائتمانية: ترسيخ قيمة الأمانة في مواقع النفوذ والعمل.
– التدافع الحضاري: المشاركة الفاعلة في الحوارات العالمية مع تقديم بدائلٍ أخلاقية قابلة للتطبيق.
– بناء مؤسسات: إنشاء حواضن فكرية وتربوية ومشروعات عملية لتطبيق القيم.

خاتمة
رهان المرابطة عند طه عبد الرحمن دعوة لاستعادة وعي يربط بين الفكر والأمانة والعمل. المثقف هنا ليس ناقلاً محايدًا للمعرفة، بل مؤتمنٌ على رسالةٍ حضارية تتطلب حضوره في “ثغور” المجتمع وحماية القيم عبر الفعل المؤسسي والأخلاقي. الانتقال من الالتزام الفكري إلى الالتزام العملي الائتماني ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة لصون الحضارة وتمكين النخبة من أن تكون فاعلة في صياغة انبعاث حضاري حقيقي.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *