الإتمانية منهجا و مقاربة في فكر طه عبد الرحمان.
يواصل الفيلسوف المجدِّد طه عبد لرحمن في كتابه ا (ثغورُ المرابطة) إعمالَ “الإِتمانية” منهجًا ومقاربةً في تحليلِ مساحاتٍ/ثغورٍ جديدة لم يتطرَّق إليها من قبل،فبمقتضى الائتمانية لم يكن متصورا ان ينحصر انتاج طه في مجال البناء الفلسفي والتاسيس الفكري والمفهومي للحداثة المؤيدةالبديلة مقوضا اركان الحداثة الدهرية.
يتعرض طه لثغور كبرى مفصلية ينقدَها ائتمانيا ويقتراحَ مداخلَ لإصلاحِ خللها، وتعديلِ موازينها، وتسويةِ الجوانبِ المُنقَلِبَة فيها.
وأولى هذه الساحاتِ ساحةُ المرابطة في الثغر المقدسي،وثانيها ساحةُ المرابطة على ثغر الوحدة الإسلامية،وثالثها ساحةُ المرابطة على ثغر الأخوة الإسلامية،ورابعها ساحةُ المرابطة على ثغر المؤانسة/الأخوة الإنسانية،وخامسها ساحةُ المرابطة على ثغر المعالملة/الأخوة العالمية بمعنى امتدادِ أخوةِ الإنسان إلى العوالمِ الأخرى التي ليست من جنسه.
وهذا الاتساعُ في الأعمالِ والامتدادُ في المقاربات يدلّ في حدِّ ذاته على تماسك النظرية الإِتمانية، وقوّة أدواتها المنهجية، وجدّة انظارها التحليلية والنقدية والاقتراحية.
والشيق في الكتاب أنه، بحكمِ طبيعةِ الثغور التي يتناولها، يفتح أمامنا قراءةً طهاتيةً متفرِّدة لقضايا تاريخيةٍ (ما بين فتنتَي السقيفة وصفين، وما بعدهما من صور تنازعِ الملك المتعضِّض بين التيارِ التحكّمي الذي لا يشمل كل أهل السنة، والتيارِ التظلمي الذي لا يشمل كلَّ الشيعة)وقضاياَ سياسيةٍ أخرى (النظام السعودي المتحكّم والنظام الإيراني المتظلم). وهذه قضايا شائكة ومتشابكة.
فالتاريخي منها، رغم أنه أسال مدادًا كثيرًا، لم يزد النظر/الموقف فيه إلا تنازعًا بين الدارسين والصفوف الا تشرذما بين المسلمين.
والسياسي منها، رغم أنه أغُرِقَ بصنوفٍ من التوصيف والتحليل في بعديه التاريخي والراهن، فإنّ مجمل تلك القراءات لا تقترح حلولًا بقدر ما تنشر يأسًا وتدعم هدمًا. وهي، إن لم تعمّق التباعدَ والتنازعَ، فلا تُقدّم مداخلَ للتقريبّ، بل تبتعد عن التوحيد؛ وذلك لأنّها في عمومها لم تنطلق من رؤيةٍ نسقيةٍ كليةٍ بقصد إِئتمانيِّ إصلاحي رباطي على ثغورِ المرابطة، وبخاصة ثغرَي الوحدةِ الإسلامية والأخوةِ الإيمانية.
تكشف القراءة الطهانية للنظامين السعودي والإيراني الخللَ في كليهما، مع تباينٍ في النوع والدرجة، وتبرز مخاطرَ كل خللٍ على الثغرين؛ وتجلّي جذوره اللامتزامنة أو لاتوازنهما بين كفتي “أمانةِ المسؤولية” التدبيرية الرعائية و”أمانةِ المستودعية” الحفظية الحمائية.
ثم يبسط طه تجلّياتِ كل خللٍ في الواقع السياسي لكل نظام، ودوره في إذكاء الصراع الإسلامي-الإسلامي، وفي إصابة ثغرَي الوحدةِ والأخوةِ الإسلاميتين في الصميم، وفي إضعاف المرابطة على ثغر الصراع الإسلامي مع الصهيونية، وبالتالي إضعاف المرابطين على الثغر المقدسي.
ويقترح طه عبد الرحمن مداخلَ إِئتمانيةٍ جديدة وفريدة متسقةً مع فلسفته الإِتمانية لعلاج الخلل الموصوف في النظامين، مع بيان أثر تلك المداخل الإيجابي على ثغورِ المرابطة.
وينهي الفيلسوف المجدِّد كتابه بفصلٍ يبسطُ فيه أمانةَ مرابطة الفقيه السياسي (والمقصود بالفقيه هنا معنى خاصًا؛ يسميه الفقيهُ التعرُّفيُّ والسياسيُّ التقَرُّبيُّ، وهو غير الفقيه المُسَيَّس ولا السياسي المُتَفَقّه) على ثغرِ الصراع الإسلامي-الإسلامي بمبادئَ تخليقيةٍ عامة (مبدأ المؤانسة ومبدأ التحرّر) وأخرى تخليقيةٍ خاصة (مبادئُ تخليق النظام السعودي ومبادئُ تخليق النظام الإيراني).
وخصّص فصلًا آخرَ يبسطُ فيه ما يتعلّقُ بأمانةِ المثقفِ المرابط (غير المنسلخ) في المرابطة على ثغرِ الصراع العربي-العربي، ويقترحُ مبادئَ لمثلِ هذهِ المرابطة أطلق عليها اسمَ “مبادئُ ثقافةِ الإحياءِ والخروجِ من الفتنةِ القابِلية” (نسبةً إلى قابيل أوّلِ من سنَّ القتلَ في واقعِ الإنسان). والمقصودُ بها الفتنةُ التي تقتتلُ فيها أمّةُ العربِ بعضُها بعضًا تحت عناوينَ متعدِّدة: نصرةُ الدين، ونصرةُ السلطان، ونصرةُ الطائفة، ونصرةُ الوطن… فتنةٌ يغرقُ فيها العالمُ العربي، وينسلخُ فيها المثقفُ العربي عن أمانته، إمّا بانغماسٍ وإذكاءِ للنار، أو بحيادٍ وانزواء، أو برثاءٍ وبكاءٍ.
هذه بعضُ خواطرَ علِقت في الذهن من قراءتي الأولى السريعة لهذا الكتاب الشيقِ العميق. الغرض من إثباتِها هنا تشويقُكم للإقبال عليه بالدراسةِ والمداوَسة؛ فإنه من غيرِ شكّ يفتحُ للمتدبّرِ بروحِ المرابطة آفاقًا رحبةً لتجدّدٍ في النظرِ والموقفِ والعمل.
