حسن قاسمي علوي : وسيم الصحافة المغربية

كما كان مسطرا في أجندة المودة والوفاء، قمت ظهيرة اليوم ، ثاني أيام العيد ، بزيارة للصديق العزيز والزميل الأثير حسن قاسمي علوي الراقد حاليا فوق سرير الاستشفاء بالمستشفى الجامعي الدولي محمد السادس في بوسكورة.
وهي زيارة جرت أيضا على نحو لم يكن مقررا تماما، إذ غاب عن مرافقتي فيها صديقي الصحفي والباحث السوسيولوجي عبد القادر مانا، الذي كان في الأصل صاحب الفكرة وموقد شعلتها، قبل أن تحول بينه وبين الحضور ظروف طارئة تتصل بسوء تفاهم عابر حول موعد الانطلاق ومكانه.
لكنني وبأمانة الصحفي ودفء الصداقة، حملت معي أطراف السلام وأبلغت الأخ حسن تحيات صديقنا عبد القادر الحارة… وما أن سمع اسم عبد القادر حتى انفرجت أساريره وصاح بنبرة مخضبة بوعي الذاكرة المشتركة: – إنه صديق قديم! .. ثم أردف ممتنا: – عبد القادر إنسان لطيف جدا.
اللقاء مع حسن قاسمي علوي ومهما اختلفت الظروف أو تبدلت الأمكنة ، حتى وإن كان الفضاء غرفة مستشفى باردة تفوح منها رائحة الأدوية ، لا يمكن إلا أن يجرّك جرا إلى محراب مهنة المتاعب وأهلها. تجد نفسك بشكل تلقائي متورطا معه في الحديث عن الصحافة، عن وهجها القديم، وعن أولئك الرواد الأوائل الذين بصموا تاريخ الإعلام الوطني.
كان حديثا شجيا يفيض بحسرة نبيلة على ضرورة عدم إهمال هؤلاء الرواد، وأهمية توثيق سيرهم الإنسانية والمهنية وكفاحهم المرير في زمن الرصاص والحبر الساخن، كإرث وطني لا غنى عنه للأجيال القادمة.
ولأن شجون الوطن الصغير لا تنفصل عن آلام الوطن الكبير، عرجنا في حديثنا على الأوضاع المأساوية في لبنان، بلد الأرز الذي تركتُه يئن تحت وطأة الدمار… وهنا طلب مني حسن بفضول معرفي وصحفي متقد، أن أوافيه بنسخة من كتابي الذي أصدرته العام الماضي تحت عنوان: “تحت القصف: يوميات مغربي في حرب إسرائيل ضد لبنان” الصادر عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء.
ألحّ حسن في طلبه بكثير من الاهتمام والدماثة، وقال بعزيمة لم يوهنها المرض:
– لا بد لي أن أكتب عن هذا الكتاب قراءة ومراجعة في جريدتي…
وكان يقصد بطبيعة الحال صحيفة Maroc Diplomatic التي يمنحها من روحه وقلمه الشيء الكثير.
في غمرة استحضار الرفاق، حضر بيننا باسمه المضيء صديقنا المشترك عبد الصمد محيي الدين، الذي غادرنا قبل أيام عائدا إلى باريس ، حيث يقيم منذ عقود، لمتابعة بروتوكوله العلاجي. تمنينا له معا الشفاء العاجل والعودة الميمونة، في التفاتة وفاء من مرض يواجه مرضا، وعزيمة تسند عزيمة.
حسن قاسمي علوي.. هذا الرجل الأنيق، الذي يصح أن نطلق عليه وسيم الصحافة المغربية شكلا ومضمونا وخلقا وممارسة ، كما قلت له مازحا ومادحا، لم تستطع محنة المرض الشرسة أن تسلبه تفاؤله المعهود، ولا إيمانه الراسخ، ولا حيويته المتدفقة.
إنه لا يقضي وقته مستسلما خاضعا فوق السرير كأي مريض عادي ينتظر مرور الساعات.. بل إن الكتاب لا يفارق يديه، تماما كما لا تفارقه رغبة الكتابة.. تجده يخط الكلمات، يحلل الأحداث، ويتابع بشغف تفاصيل الأخبار البعيدة والقريبة، وكأن القلم والكلافيي هو مصله الحقيقي وجرعته المضادة للوهن.
كم هو جميل ومؤثر هذا الالتفاف الإنساني النبيل حول صديقنا حسن من طرف الأهل والأصدقاء والزملاء والتقنيين، وكل عائلة الصحافة والإعلام. إن هذا التضامن الصادق ليس مجرد مجاملات عابرة، بل هو حاضنة حب حقيقية تثبت أن الجسم الصحفي، بالرغم من كل عواصف التمييع ما زال ينبض بالوفاء، وأن حسن قاسمي علوي لم ولن يسير وحده في معركة الشفاء.
