مهرجان كازابلانكا الدولي للشعر

حين يتحول الشعر إلى جسر للحوار والإنسانية
احتضن المسرح البلدي بوجميع بعين السبع مؤخرا فعاليات النسخة الثانية من مهرجان كازابلانكا الدولي للشعر الذي يعتبر تظاهرة ثقافية أعادت للشعر وهجه داخل الفضاء العمومي، وكرّست مدينة الدار البيضاء كواحدة من الحواضر المغربية الحاضنة للفعل الثقافي والإبداعي.
الدورة التي حملت اسم الشاعر المغربي الراحل عبد الله راجع، جاءت محملة بدلالات رمزية وثقافية عميقة، باعتبارها احتفاءً بتجربة شعرية مغربية تركت أثرًا بارزًا في القصيدة الحديثة، كما شكلت مناسبة للقاء شعراء ومثقفين وجمهور عاشق للكلمة، في لحظة امتزج فيها الإبداع بالتأمل في واقع الثقافة المغربية وأسئلتها الراهنة.
وشهد حفل الافتتاح تكريم الشاعر المغربي حسن نجمي، باعتباره أحد أبرز الأصوات الشعرية المغربية والعربية المعاصرة، وواحدًا من الأسماء التي ساهمت في نقل الشعر المغربي إلى فضاءات عربية ودولية متعددة. وقد اعتبرت الجهة المنظمة هذا التكريم اعترافًا رمزيًا بمسار شعري وفكري طويل، بصم المشهد الثقافي المغربي لعقود، سواء من خلال الكتابة أو الترجمة أو الحضور الثقافي والإعلامي.
وفي كلمة مؤثرة خلال حفل التكريم، استعاد حسن نجمي بداياته الأولى مع الشعر، قائلاً:
“بدأت الشعر في الثالثة عشر من عمري، وأنا أكتب بالعربية والفرنسية والإيطالية، قرأت جغرافية الشعر حتى وصلت إلى الستين من عمري.”
كلمات حملت الكثير من الحنين والتأمل، وعكست علاقة الشاعر الوجدانية بالشعر باعتباره رحلة حياة قبل أن يكون مجرد ممارسة أدبية. كما عبّر نجمي عن إيمانه العميق بأن الشعر يظل أحد المصادر الأساسية لإنسانية الإنسان، وفضاءً للتعبير الحر والارتقاء بالوجدان الجماعي.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر حسن نجمي يُعد من بين الأصوات الثقافية المغربية التي اقترحت فكرة الاحتفاء باليوم العالمي للشعر، والتي حظيت لاحقًا باعتراف رسمي من طرف منظمة اليونسكو، في خطوة كرّست أهمية الشعر كجسر للحوار الإنساني والتقارب الثقافي بين الشعوب.
ولم تقتصر فعاليات المهرجان على الأمسية الافتتاحية، بل امتدت لتشمل برنامجًا فكريًا وشعريًا متنوعًا، حيث احتضن القصر الثقافي ندوة فكرية تحت عنوان “الشعر وأسئلة الراهن”، بمشاركة الكاتب أنيس الرافعي إلى جانب عدد من الشعراء والباحثين، في محاولة لفتح نقاش حول موقع الشعر في عالم سريع التحولات، وحول قدرة القصيدة على مواكبة الأسئلة الاجتماعية والإنسانية الجديدة.
كما تضمن برنامج الدورة قراءات وعروضًا شعرية متنوعة، أتاحت للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع تجارب شعرية مختلفة، مغربية وعربية، في أجواء تحتفي بالكلمة وتعيد الاعتبار للثقافة كفضاء للحوار والانفتاح.
أيام متوالية من اللقاءات الفكرية والأمسيات الشعرية التي جعلت من الشعر محورًا للنقاش والتلاقي الثقافي.
لقد جسد مهرجان كازابلانكا الدولي للشعر في دورته الثانية تجربة ثقافية متنامية تسعى إلى ترسيخ حضور الشعر داخل المشهد الثقافي المغربي، وربط الجمهور بالفعل الإبداعي، في زمن أصبحت فيه الثقافة في حاجة إلى مبادرات تعيد للكلمة مكانتها الرمزية والإنسانية. كما عكس المهرجان رغبة حقيقية في جعل مدينة الدار البيضاء أرضية ثقافية مفتوحة على التجارب الوطنية والدولية، بما يعزز الحوار الثقافي ويمنح الشعر نفسا جديدًا للحياة والتجدد.

