بمبادر ة من مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج : المعرض الجماعي: «آثار على الضفاف »

بمبادر ة من مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج :   المعرض الجماعي: «آثار على الضفاف »

إعداد : ع .ش

تصوير : ابراهيم كرو.

بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس رواق ضفاف نظمت مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج المعرض الجماعي «آثار على الضفاف». منذ تأسيسه سنة 2016، يسعى هذا  الفضاء  النموذجي إلى إتاحة فضاء للعرض يمنح الفنانين الذين يبدعون خارج حدود الوطن إطارا من الرؤية والاعتراف، بما يساهم في تثمين إسهاماتهم الفنية وتعزيز الروابط الثقافية بين المغرب وفعالياته الفنية المنتشرة عبر العالم.

يقدم هذا المعرض مختارات من مجموعة مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج التي تجمع أعمال ستين فنانا سبق لهم أن عرضوا أعمالهم في رواق ضفاف خلال السنوات العشر الماضية، ويقيمون في بلدان متعددة مثل فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، هولندا، إيطاليا، إسبانيا، روسيا، كندا، الولايات المتحدة الأمريكية، الإمارات العربية المتحدة، قطر وغيرها. ويضم هذا اللقاء الفني أسماء راسخة في المشهد التشكيلي إلى جانب فنانين شباب يحملون رؤى وتجارب معاصرة جديدة.

يسلط معرض «آثار على الضفاف» الضوء على أعمال فنية تعكس تعدد الرؤى وتنوع المقاربات التشكيلية، كما يحتفي بالدينامية والتعدد والغنى الذي يميز إبداع الفنانين المغاربة المقيمين بالخارج. فمن خلال هذه المبادرة، تسعى المؤسسة إلى الإسهام في تعزيز  هذه الساحة الفنية  الأخرى التي تمثل أحد الأبعاد الأساسية للحضور الثقافي المغربي على الصعيد الدولي.

جسور للإبداع العالمي وحوار الثقافات

يشكل حضور الفنانين المغاربة المقيمين بالخارج ظاهرة ثقافية وفنية لافتة في المشهد الإبداعي المعاصر، إذ لم يعد دورهم مقتصرا على تمثيل ذواتهم الفنية في فضاءات العرض العالمية، بل أصبحوا فاعلين أساسيين في بناء جسور ثقافية بين المغرب والعالم، ومساهمين في إثراء الحوار الحضاري بين الثقافات. فالفنان المهاجر أو المقيم خارج وطنه يعيش في تماس دائم مع بيئات ثقافية متعددة، ما يجعله شاهدا على التحولات الفكرية والجمالية التي يشهدها العالم، ومشاركا في صياغة خطاب فني عابر للحدود.

لقد أفرزت حركة الهجرة الثقافية والفنية التي عرفها المغرب منذ عقود جيلا من المبدعين الذين استقروا في مدن أوروبية وأمريكية وعربية مختلفة، حيث انخرطوا في ديناميات فنية عالمية، وتفاعلوا مع مدارس وأساليب متعددة، دون أن يفقدوا صلتهم الرمزية والوجدانية بمرجعيتهم الثقافية المغربية. يكمن أحد أهم أدوار هؤلاء الفنانين في قدرتهم على الجمع بين الانتماء المحلي والانفتاح الكوني، بحيث تتحول أعمالهم إلى فضاءات رمزية تتلاقى فيها الذاكرة المغربية مع التجارب الفنية العالمية.

تجاوز الحدود اللغوية والجغرافية

إن الفنان المقيم بالخارج يعيش غالبا حالة من الازدواج الثقافي الخلاق، فهو من جهة يستحضر في أعماله عناصر الهوية الأصلية، سواء من خلال الرموز البصرية أو الإشارات التراثية أو اللغة الجمالية المستلهمة من البيئة المغربية، ومن جهة أخرى يستوعب التحولات الفنية التي تشهدها الساحة الدولية. يمنح هذا التفاعل المستمر بين الذاكرة والانفتاح أعماله طابعاً خاصاً، يجعلها قادرة على مخاطبة جمهور عالمي متنوع، دون أن تفقد جذورها الثقافية.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الفنانين المغاربة المقيمين بالخارج بوصفهم سفراء ثقافيين غير رسميين، يساهمون في التعريف بالثقافة المغربية في المحافل الدولية، ليس عبر الخطاب المباشر، بل من خلال التعبير الفني الذي يمتلك قدرة فريدة على تجاوز الحدود اللغوية والجغرافية. فالفن التشكيلي، على سبيل المثال، يتيح للفنان أن يقدم رؤية جمالية تعكس ملامح الهوية المغربية، سواء عبر استحضار الخط العربي، أو استلهام الزخارف التقليدية، أو توظيف الألوان والمواد المرتبطة بالذاكرة البصرية للمغرب.

لا يقتصر دور هؤلاء الفنانين على تقديم صورة جمالية عن الثقافة المغربية، بل يتجاوز ذلك إلى المساهمة في تطوير الخطاب الفني العالمي نفسه. فحين يلج الفنان المغربي المقيم بالخارج إلى فضاءات العرض الدولية، فإنه لا يكتفي بتبني الأساليب السائدة، بل يعمل في كثير من الأحيان على إعادة تأويلها وإغنائها برؤى جديدة مستمدة من تجربته الثقافية المتعددة. بهذا المعنى، يصبح الفن مجالا للحوار الخلاق بين المرجعيات الجمالية المختلفة، حيث تتقاطع التأثيرات وتتولد أشكال تعبيرية جديدة.

من الملاحظ أن كثيرا من الفنانين المغاربة المقيمين بالخارج يميلون إلى معالجة موضوعات ترتبط بالهوية والذاكرة والهجرة والانتماء، وهي موضوعات تعكس تجربة العيش بين ثقافتين أو أكثر. تكتسب هذه الموضوعات بعدا إنسانيا عالميا، لأنها تمس قضايا مشتركة يعيشها ملايين البشر في عالم يتسم بتزايد حركة التنقل والهجرة. وهكذا يتحول العمل الفني إلى مساحة للتأمل في معنى الانتماء، وإلى وسيلة للتعبير عن التوترات والآمال التي ترافق تجربة العيش في فضاء ثقافي متعدد.

كما أن حضور الفنانين المغاربة في المؤسسات الفنية العالمية، مثل المتاحف و الأروقة والتظاهرات الدولية، يساهم في إدماج التجربة الفنية المغربية ضمن الخريطة الثقافية العالمية. لا تتيح هذه المشاركة فقط عرض الأعمال الفنية أمام جمهور واسع، بل تفتح أيضاً مجالا للتفاعل مع نقاد الفن والباحثين والقيمين على المعارض، مما يعزز من حضور الفن المغربي في النقاشات الجمالية المعاصرة.

من جهة أخرى، يلعب الفنانون المقيمون بالخارج دورا مهما في نقل الخبرات والتجارب الفنية إلى الساحة الثقافية المغربية. فكثير منهم يحرص على المشاركة في معارض أو ملتقيات فنية داخل المغرب، أو على التعاون مع مؤسسات ثقافية وأكاديمية مغربية، الأمر الذي يسهم في خلق حوار متبادل بين التجارب المحلية والدولية. في هذا الإطار، تتحول الهجرة الفنية من مجرد انتقال جغرافي إلى عملية تبادل ثقافي مستمرة.

كما أن هذه الدينامية تساهم في تعزيز صورة المغرب كفضاء ثقافي منفتح ومتعدد، قادر على التفاعل مع التحولات الفنية العالمية دون أن يفقد خصوصيته الحضارية. فالفنان المغربي المقيم بالخارج يجسد في أعماله هذا التوازن بين الأصالة والانفتاح، بين الذاكرة المحلية والآفاق الكونية، وهو ما يجعل تجربته الفنية ذات قيمة خاصة في سياق العولمة الثقافية.

من زاوية أخرى، يتيح وجود الفنانين المغاربة في الخارج فرصا جديدة للتعاون الفني بين المؤسسات الثقافية المغربية ونظيراتها الدولية. فالفنان، بحكم موقعه في شبكات فنية متعددة، يمكن أن يلعب دور الوسيط الثقافي الذي يسهم في تنظيم معارض مشتركة، أو إقامة مشاريع فنية عابرة للحدود، أو إطلاق برامج إقامة فنية تجمع بين فنانين من خلفيات مختلفة. ومن خلال هذه المبادرات، يتعزز الحوار بين الثقافات، ويتحول الفن إلى لغة مشتركة تتيح للإنسانية أن تتبادل رؤاها وتجاربها.

خطاب فني معاصر يعكس تعددية الهويات

إن المعارض الجماعية التي تجمع فنانين مغاربة مقيمين في بلدان مختلفة، مثل معرض «آثار على الضفاف» تمثل نموذجا دالا على هذه الدينامية الثقافية. فهي لا تقتصر على عرض أعمال فنية متجاورة، بل تقدم أيضاً صورة عن تنوع التجارب والمسارات التي عرفها الفنانون المغاربة في المهجر. ففي هذه الأعمال يمكن للمتلقي أن يلمس أثر البيئات الثقافية المختلفة التي عاش فيها الفنانون، كما يمكنه أن يكتشف في الوقت نفسه الخيط الرمزي الذي يربط هذه التجارب بمرجعيتها المغربية.

من خلال هذا التنوع، يتجلى البعد الكوني للفن المغربي المعاصر، الذي لم يعد ينحصر في حدود جغرافية معينة، بل أصبح جزءا من شبكة واسعة من التفاعلات الثقافية العالمية. فالفنان المغربي المقيم في باريس أو بروكسيل أو مونتريال أو الدوحة، على سبيل المثال، يشارك في تشكيل المشهد الفني في تلك المدن، وفي الوقت نفسه يحمل معه ذاكرة ثقافية تمتد جذورها إلى المغرب.

لا شك أن هذه الوضعية المزدوجة تمنح الفنان قدرة خاصة على الإسهام في الحوار بين الثقافات. فالفن، بطبيعته، يتجاوز الحدود اللغوية والسياسية، ويتيح إمكانات واسعة للتواصل الإنساني. وعندما يكون الفنان حاملا لتجربة ثقافية متعددة، فإنه يصبح أكثر قدرة على فهم الآخر، وعلى التعبير عن القواسم المشتركة التي تجمع بين الشعوب.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن الفنانين المغاربة المقيمين بالخارج يشكلون إحدى القوى الحيوية التي تسهم في إشعاع الثقافة المغربية على الصعيد الدولي. فهم لا يكتفون بعرض أعمالهم في فضاءات العرض العالمية، بل يشاركون أيضا في صياغة خطاب فني معاصر يعكس تعددية الهويات وتشابك الثقافات في عالم اليوم.

من هنا تبرز أهمية المبادرات الثقافية التي تسعى إلى إبراز أعمال هؤلاء الفنانين، لأنها تتيح للجمهور المغربي فرصة التعرف على تجارب إبداعية تشكلت في سياقات ثقافية متنوعة، كما تساهم في توثيق مسارات فنية تعكس حضور المغرب في الفضاء الثقافي العالمي.

يمكن النظر إلى الفنان المغربي المقيم بالخارج بوصفه فاعلا ثقافيا مزدوج الانتماء، يجمع بين جذور محلية عميقة وآفاق عالمية واسعة. فعبر هذا الموقع الفريد، يسهم في إثراء الفن العالمي برؤى جديدة، وفي تعزيز الحوار بين الثقافات عبر لغة الفن التي تظل، رغم اختلاف السياقات، لغة إنسانية مشتركة قادرة على التقريب بين الشعوب وبناء جسور التفاهم بينهم.

لبابة لعلج ، كاتبة وفنانة تشكيلية : لحظة جميلة من التبادل الإنساني

»  إن دور رواق ضفاف ذو أهمية بالغة، إذ يعد المحور الذي يعزز الروابط الثقافية، وينمي حب الهوية المغربية العربية الأمازيغية. هذه الدعوة تتيح العودة إلى الجذور في أجواء «الاحتفاء»، حيث تتلاقى الذاكرة مع صداها بين أرض الوطن وأرض المهجر. ليس الأمر اختيارا بين هذين الحبين، فالتشبث بالجذور يظل حقيقة بديهية.

لقد نجحت المؤسسة في خلق هذا الفضاء التعددي الذي يرسخ ويؤكد هذا الحب للوطن والارتباط  الوثيق بالملك. فالعيش بين بلدين يجعل القلب يتأرجح بين المستقبل والحنين، وتتشكل الهوية وسط فقدان المعالم. إنها لحظة تنطبع في أعماق الروح.

الفن يغذيها ويحرك لاوعيها، بين ذكريات وأحلام قادمة. تتفجر إبداعيتها وتتغذى من تعدد تأثيراتها. يرى الفنان في الآخر عالما مختلفا، وحلما مغايرا. والفنان المقتلع من جذوره يعيش حالة من الغموض والتعقيد، حيث تتحدى مشاعره منطقه بين «هنا» و«هناك»، بين المقاومة والمرونة. إنه يبحث عن مركزه وتوازنه، ويسعى للخروج من متاهاته، متجاوزا ألم الفقد وحاجته إلى إعادة ابتكار ذاته، ليصبح إنسانا جديدا. يدفعه الفن إلى التحول، وتدعو أعماله إلى السفر، من الاختلاف إلى التطور. يتحول جرحه إلى قوة، وكأنها بتر محرر. إنها تأملات الصمت، واندماج غالبا ما يكون ناجحا. فنه مشحون بحساسية خاصة، من لوحات بأشكال هجينة، تجمع بين مواهب شابة وأخرى راسخة، في طيف يشبه قوس قزح حقيقي.

خلال معرضي «شعر وتشكيل »، تجلت بصمتي الخاصة من خلال لوحتي «الحب والسلام»، التي عبرت عن تجربة اقتلاعي من الجذور، في كيمياء تمتزج فيها تجاربي الحياتية. كان هدفي التوفيق بين الأضداد.أنا مفتونة بكل ما يعلي من شأن الحياة، وبالألم الذي يطهر ذاته. تمثل لوحتي الثنائية الأساسية: الين واليانغ، الحار والبارد، الذكوري والأنثوي، السواد الغامض لفراغ الليل، بما يحمله من رصانة وقوة، والحداد الذي ينبغي عبوره، وأناقة التخلي، والفوضى الأولى ذات البعد الروحي.أما الأبيض، فهو الميلاد والبداية، الصفاء والعفة، الحلم والسكينة، البراءة المقدسة، والنور الإلهي.

أليس اللاعنف، في جوهره، شكلا من أشكال الشعر في مواجهة واقع العالم؟ فاللاعنيف ليس خاملا ولا مستسلما ولا عاجزا ولا غير مبال، بل يرى الأمور ببصيرة مختلفة.

لقد كسر هذه المعرض الجماعي عزلة الفنان الفرد، وأثمر روابط جديدة وخلق تناغما مشتركا، حيث تقاسم الفنانون شغفهم في أجواء من الدفء والألفة. كانت لحظة جميلة من التبادل الإنساني « .

الفنانون المشاركون:

محمد أعوينة، بشرى اخنافو، أيمن بوفراقش، رشيد بوحامدي، مصطفى البصري، ياسمينة العلوي، جمال حمامي، نِعمة قيطوني، نورة مناني، أمينة حمري، ياسين الشواطي، لبابة لعلج، حفيظة العمرتي، نور الدين الوراري، عبد الله وهبي، كوثر بصير، سي محمد الشاذلي، محمد حمودان، ثريا العلوي، سمير السالمي، سمية الريسوني، ناصر اشماعو، كريمة دي لينا، أمين السلمان، عبد القادر مسكار، محمد عزوزي، سلمان الزموري، شيماء ملوكي، سعيد المساري، أسماء الورياشي، عبد اللطيف حبيب، نجيب الشرادي، حميد بوحيوي، حكيمة أوعميرة، عبد الخالق بلفقيه، حميدة واسيني، محمد أوعمي، جان نوما كو، معوال، سمير بلحوس، يوسف الغرباوي، حميد الدويب، مصطفى اليسفي، ماريا قرمادي، ابن الفاروق، علياء العزي، حنان بوعناني، علي سحتوت، محمد الزواوي، شرف الغرنطي، أحمد حميد بوزيان، عادل حواتة، مصطفى الزوفري، خالد البكاي، أمينة رزقي، رشيد هشامي، ومريم مزكلدي.

لبابة لعلج رفقة عمر عزيمان، الرئيس المنتدب لمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج.

صورة الملصق

لوحة لبابة لعلج: لين غوتليب، الحب والسلام (2020).

لوحة ” أنقذني من هذا المأزق!   ” للفنان التشكيلي حميد  بوحيوي.

لوحة “أنشودة الحرية ” للفنان التشكيلي مصطفى الزوفري.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *