جدلية الأمازيغية والهوية بالمغرب
تعد العلاقة بين الأمازيغية والهوية في المغرب وعموم دول شمال إفريقيا من القضايا الفكرية والسياسية المركبة التي تستأثر باهتمام واسع، لما تثيره من نقاش عميق ومتواصل لا ينحصر في حدود سؤال الانتماء، بل يتجاوزه ليعكس مسارا تاريخيا ممتدا ومعقدا ارتبط بتشكل الدولة الوطنية الحديثة وبناء الوعي الجماعي. فهي علاقة لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات التي عرفتها المنطقة، سواء على مستوى إعادة تشكيل البنيات السياسية بعد الاستعمار، أو على مستوى إعادة تعريف الذات الجماعية في سياق التعدد اللغوي والثقافي، وما يرافق ذلك من رهانات الاعتراف وإعادة تشكيل التوازنات الرمزية بين مختلف مكونات الهوية الوطنية.
فحين يطرح سؤال الهوية في السياق المغربي، تبرز الأمازيغية باعتبارها أحد مكوناته البنيوية، وهو ما يجعل حضورها في هذا النقاش أمرا طبيعيا، بل ضروريا لفهم طبيعة الهوية الوطنية في تعددها وتنوعها، بعيداً عن أي اختزال أو قراءة أحادية.
إن استحضار الأمازيغية ضمن نقاش الهوية لا يُفسَّر بعامل واحد، بل يتأسس على تداخل مستويات متعددة ومتكاملة.
أولا، من الناحية التاريخية، تعد الأمازيغية مكونا أصيلاً من مكونات الشخصية المغربية، ضاربا في عمق الزمن، ومؤطراً لمسارات متواصلة من التفاعل الحضاري والثقافي الذي عرفه المغرب عبر مختلف الحقب، حيث لم تكن الأمازيغية مجرد لغة، بل حاملة لمنظومة رمزية وقيمية ساهمت في تشكيل البنيات الاجتماعية والثقافية للمجتمع المغربي؛
ثانيا، من الناحية السياسية، ارتبط بروز السؤال الأمازيغي بتحولات الدولة الوطنية الحديثة، خاصة مع تصاعد المطالب المرتبطة بالاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي، في سياق دولي يتجه نحو تكريس حقوق الثقافات واللغات، ضمن ما يُعرف بسياسات الاعتراف والعدالة الرمزية. غير أن خصوصية الحالة المغربية تكمن في كون هذا النقاش لا يُختزل في ثنائية أقليات/أغلبيات، بل يندرج ضمن تصور للهوية باعتبارها نسيجاً مركباً من مكونات وروافد متعددة ومتفاعلة، تتكامل فيما بينها داخل إطار الوحدة الوطنية؛
ثالثا، من الناحية الأنثروبولوجية، تعكس الأمازيغية أنماط عيش ورموزاً وقِيَماً اجتماعية وثقافية عميقة، أسهمت في تشكيل المخيال الجماعي، ومنحت الهوية المغربية غناها وتنوعها وفرادتها. فهي ليست مجرد عنصر إضافي، بل مكون مُؤسِّس في البناء الرمزي والثقافي للمجتمع.
إن فهم هذه الخلفيات المتداخلة يُمكّن من إدراك عمق الإشكال، ويُبرز أن النقاش حول الأمازيغية يتجاوز كونه نقاشا لغويا أو ثقافيا محدودا، ليلامس في جوهره طبيعة الدولة، ونموذجها المجتمعي، وكيفية تدبيرها للتعدد في زمن أصبح فيه العامل الثقافي مؤشرا مركزيا لقياس جودة الديمقراطية ومستوى إدماجها للاختلاف.
ورغم التحولات التي عرفها المغرب، فإن استمرار إثارة هذا السؤال من طرف بعض الفاعلين يعكس، من جهة، تراكمات تاريخية مرتبطة بموقع الأمازيغية خلال مرحلة بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، حيث ظلت إلى حد بعيد في موقع الهامش، ومن جهة أخرى، يطرح تساؤلات حول حدود تنزيل التحولات الدستورية والمؤسساتية على أرض الواقع. فقد أفرزت تلك المرحلة بنيات سياسية وثقافية واجتماعية لم تكن دائماً منسجمة مع مطلب الاعتراف بالتعدد، وهو ما تم تفصيله في كتابنا العنون ب”المسألة الأمازيغية بالمغرب من المأسسة إلى الدسترة” الصادر سنة 2023.
لقد شكل دستور سنة 2011 محطة مفصلية في هذا المسار، حيث أقر بشكل صريح بتعدد مكونات وروافد الهوية المغربية، ونصّ على الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية، في خطوة عكست انتقال الدولة من منطق التردد أو التجاهل النسبي إلى منطق الاعتراف الدستوري الواضح.
لكن نعتقد ان هذا الاعتراف، على أهميته الرمزية والسياسية، لا يُمثّل نهاية المطاف، بل يُؤسس لمرحلة جديدة أكثر تعقيداً، قوامها تفعيل هذا الاعتراف وترجمته إلى سياسات عمومية فعّالة.
في هذا السياق، يمكن القول إن الدولة المغربية انتقلت إلى مستوى جديد في تدبير سؤال الهوية، يتمثل في الانتقال من “الهوية المُعلَن عنها” في النصوص إلى “الهوية المُفعَّلة” في الممارسة المؤسساتية والاجتماعية.
هذا التحول يقتضي إرساء آليات دستورية وسياسية ومؤسساتية قادرة على تجسيد هذا التعدد، من خلال التفعيل السليم للطابع الرسمي للأمازيغية في مختلف مجالات الحياة العامة كالتعليم والإدارة والإعلام والثقافة، ضمن رؤية مندمجة للسياسات العمومية.
ويعد المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية من أبرز هذه الآليات، حيث يُنتظر منه أن يضطلع بدور استراتيجي في بلورة وتوجيه السياسة اللغوية والثقافية للدولة، وضمان انسجامها وتكاملها. فهو مؤسسة دستورية وطنية مستقلة مرجعية، أُناط به المشرع الدستوري مهاما متعددة، من بينها حماية وتنمية اللغتين الرسميتين، وصيانة مختلف التعبيرات الثقافية، بما في ذلك الحسانية واللهجات الوطنية، إلى جانب النهوض بالثقافة المغربية في مختلف تجلياتها، وحفظ التراث وتثمينه، وتيسير تعلم اللغات الأجنبية الأكثر تداولا، فضلاً عن تتبع تنفيذ هذه التوجهات بتنسيق مع مختلف الفاعلين.
لكن الملاحظ هو أن تأخر إخراج هذا المجلس إلى حيّز التفعيل الكامل يظل من بين التحديات البنيوية التي قد تعيق تحقيق انتقال سلس نحو تنزيل فعلي وشامل للمقتضيات الدستورية، ولا سيما تلك الواردة في الفصل الخامس، بما ينسجم مع روح دستور 2011 ويستجيب لتطلعات المجتمع في إقرار تدبير منصف ومتوازن للتعدد اللغوي والثقافي.
من هذا المنطلق، لم تعد جدلية الأمازيغية والهوية في المغرب، تطرح اليوم بنفس الحدة التي كانت عليها في مراحل سابقة كانت ضمن المسكوت عنه، خاصة قبل محطة الخطاب التاريخي للملك محمد السادس بمنطقة أجدير المعروف اختصارا ب”خطاب أجدير” سنة 2001، بقدر ما أصبحت تتمحور حول سؤال أكثر راهنية وعمقا: كيف يمكن تحويل الاعتراف الدستوري إلى ممارسة يومية ملموسة، وإلى سياسات ناجعة تُجسد فعلياً مبدأ التعدد داخل إطار وحدة وطنية منسجمة؟ وهو سؤال يفتح أفق النقاش حول رهانات الحكامة الثقافية، والعدالة الرمزية في توزيع الرأسمال الثقافي، وقدرة الدولة على بناء نموذج ديمقراطي يستوعب تنوعه باعتباره مصدر غنى وقوة، لا عامل توتر أو انقسام.
