الكتابة والألم
في فيلم The Words الكلمات يواجه العجوز الكاتب الفاشل روري جانسن، الذي سرق مخطوطه ونشره باسمه، قائلا:
“It’s about my life. It’s about my wife, about my child. It’s about the joy and the pain that gave birth to those words. You take those words, you take the pain.”
“إنها حياتي. إنها زوجتي وطفلي. إنها الفرح والألم اللذان أنجبا تلك الكلمات. إذا أخذت تلك الكلمات، فعليك أن تأخذ الألم أيضًا”.
وفي موضع آخر يختصر الفكرة كلها في عبارة أشد قسوة:
“You choose the words, you choose the pain.”
“حين تختار الكلمات، فإنك تختار الألم”.
إن الأمر أكبر من إدانة السرقة الأدبية، فهذه العبارات تكشف شيئًا أعمق بكثير عن طبيعة الكتابة نفسها.
لا يتحدث العجوز عن الكلمات بوصفها ملكية فكرية. لا يقول للكاتب الذي احتال على نصه الروائي: “لقد سرقت نصي. لو كان الأمر كذلك لاكتفى بالمطالبة بالمال أو بالاعتراف القانوني كما عرض عليه الكاتب المزور الذي طارت شهرته في الآفاق بسبب نسب قصة العجوز له. ما يقوله هو أن الكلمات ليست حروفًا. ليست جملاً. ليست بناءً أسلوبيًا يمكن نقله من شخص إلى آخر كما تُنقل قطعة أثاث أو لوحة فنية. الكلمات الحقيقية هي شكل متجمد من الألم الإنساني بعد أن تتحول إلى لغة.
لهذا حين يقرأ روري المخطوط وجد فيه حياة كاملة. وجد حرارة لا يستطيع إنتاجها بنفسه. والسبب أن النص لم يكن مصنوعًا من الموهبة وحدها، بل من الخسارة. من الحب. من الفقد. من انهيار عائلة. من ذاكرة امرأة ضاعت. لقد أخذ النتيجة ولم يعش الطريق الذي أوصل إليها.
وهنا يلمس الفيلم سؤالاً قديمًا في فلسفة الأدب: هل يمكن فصل النص عن جرحه الأصلي؟
كان Roland Barthes قد أعلن «موت المؤلف»، وكأن النص يصبح مستقلاً عن صاحبه. لكن فيلم The Words يقف في الجهة المقابلة تقريبًا. إنه يقول إن هناك نصوصًا لا يمكن فصلها عن الدم الذي كُتبت به. فالكلمات العظيمة ترسب وجودي. إنها ما يتبقى من الحياة بعد احتراقها.
لهذا يشعر روري بالاختناق رغم النجاح. لقد حصل على المجد الأدبي، لكنه لم يحصل على الأصل الذي أنجب ذلك المجد. أخذ الثمرة دون الشجرة. أخذ الأغنية دون الجرح الذي جعلها ممكنة.
ومن هنا يمكن فهم العبارة بطريقة أكثر مأساوية: «إذا أخذت الكلمات فعليك أن تأخذ الألم أيضًا». ليس المقصود أن العجوز يطالبه بالعقاب. بل كأنه يقول له: سوف يأتي الألم من تلقاء نفسه. لأن الكلمات الحقيقية لا تقبل أن تُفصل عن مصيرها.
ولهذا فإن روري، بعد أن يسرق النص، يبدأ بالتفكك نفسيًا. يصبح أسيرًا لما كتبه شخص آخر. كأن الكلمات تطالب بأصلها. كأن النص يرفض أن يستقر في جسد لا ينتمي إليه. وتتحول الكتابة إلى لعنة ستؤدي إلى تفكك بيت روري بعد اعترافه لزوجته بانتحال الرواية، ولقلق الذي المؤلم الذي أصبح يعيشه.
وهذا يقودنا إلى فكرة أكثر رعبًا: الكاتب الحقيقي لا يملك كلماته أصلًا. هو يدفع ثمنها.
كل كتابة عظيمة هي شكل من أشكال الدفع. يدفع الكاتب جزءًا من عمره، أو ذاكرته، أو براءته، أو استقراره النفسي. ولذلك نجد عند كافكا أن الكتابة كانت نزيفًا وجوديًا، وعند دوستويفسكي ارتبطت الكتابة بالفقر والمرض والمقامرة، وعند بروست وفيرجينيا وولف ونيتشه كانت معركة ضد الزمن والاندثار والموت. النصوص الكبرى كتبت بما فقده أصحابها في الطريق.
لهذا تبدو جملة العجوز كأنها تعريف سري للأدب: ليست الكتابة أن تجد الكلمات المناسبة، بل أن تكون مستعدًا لدفع الثمن الذي يجعل تلك الكلمات حقيقية. فالكلمات التي لا يسبقها جرح تبقى زخرفا. أما الكلمات التي خرجت من قلب التجربة فإنها تحمل معها دائمًا ظل الألم الذي أنجبها. وربما لهذا السبب يخاف الكتّاب الحقيقيون من الكتابة بقدر ما يحبونها، لأنهم يعرفون أن كل نص عظيم يطلب شيئًا من صاحبه قبل أن يمنحه الخلود.
