الكتابة بين لسانين

الكتابة بين لسانين

مأساة الإبداع في وطن لغوي منقسم

اللغة مأوى الكائن، والذاكرة التي تتشكل منها علاقتنا بالعالم. ولذلك فإن الكاتب الذي يجد نفسه موزعاً بين لغتين يعيش أكثر من مجرد ازدواج لغوي، إنه يعيش انشطاراً وجودياً عميقاً، كأنه يقف على ضفتين في آن واحد، دون أن يستطيع الاستقرار الكامل في أي منهما.

ليس أصعب على الكاتب من أن يشعر بأن صوته موزع بين لغتين، وأن ذاكرته تقيم في بيت بينما يقيم قلمه في بيت آخر. فثمة مأساة خفية يعيشها المبدع الذي تشكل وجدانه في لغة، ثم وجد نفسه مضطراً إلى التفكير أو العمل أو الكتابة بلغة أخرى. تحمل المسألة في جوهرها قلقا وجوديا يتعلق بعلاقة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالذاكرة.

فاللغة الأم طريقة في الشعور تحمل رائحة البيت القديم، وأنفاس الأم وهمسات الجدة وهي تحكي الأساطير قبل النوم. ومن هنا تأتي قوتها الرمزية الهائلة لأنها تمثل الكيفية التي نتعلم بها الحب والخوف والحنين والدهشة. حين ينطق الطفل كلماته الأولى وأسماء الأشياء، يرسم موقعه داخل الكون. لذلك تظل اللغة الأم، مهما ابتعدنا عنها، أقرب إلى الجسد منها إلى العقل. إنها شيء يسكننا.. أما اللغة الثانية، خصوصاً حين تكون لغة مستعمر سابق أو لغة فرضتها الإدارة الحديثة ومؤسسات الدولة والسوق والعمل، فإنها تدخل حياة الفرد من باب الضرورة لا من باب الحميمية. كلغة للنجاح المهني والترقي الاجتماعي والاعتراف المؤسسي، لكنها نادراً ما تكون لغة الأحلام العميقة أو الجروح الأولى.

لهذا تبدو الكتابة بلغة أخرى تجربة ملتبسة. فالكاتب يشعر أحياناً أنه يمتلك هذه اللغة الجديدة، لكنه يحس في اللحظات الحاسمة أنها لا تمتلكه بالقدر نفسه. فهو يستطيع أن يشرح بها فكرة فلسفية معقدة، وأن ينجز بها عملاً أكاديمياً رصيناً، لكنه يتردد حين يريد أن يصف رائحة الخبز في بيت أمه أو الحزن الذي تركه موت قريب في روحه. هناك دائماً منطقة عصية على الترجمة، منطقة تنتمي لا إلى المعجم ولكن إلى الذاكرة. وإذا كانت الذاكرة هي الوطن الأول للكاتب، فإن اللغة هي جغرافيتها السرية.

في هذه المنطقة الملتبسة يولد الكاتب مزدوج اللسان الذي يكتب انشطاره باستمرار. يكتب وهو موزع بين لسانين: بأي لغة ينبغي أن يحلم؟ وبأي لغة ينبغي أن يتذكر؟ وبأي لغة ينبغي أن يبكي؟ تبدو المسألة من الخارج امتيازاً ثقافياً، لكن من الداخل تشكل أحياناً لعنة حقيقية. فالكاتب الذي يمتلك لغتين لا يمتلك بالضرورة عالمين، فقد يجد نفسه فاقداً للانتماء الكامل إلى كليهما. فهو حين يكتب بلغته الأم يشعر أحياناً بأن أدوات التعبير الحديثة والحقول المعرفية التي تشكل وعيه قد وصلت إليه عبر لغة أخرى. وحين يكتب باللغة الثانية يشعر بأن شيئاً من حرارة التجربة الأصلية قد ضاع في الترجمة، وأن الكلمات التي يختارها لا تزال غريبة عن قلبه مهما أتقنها. إنها حالة شبيهة بمن يعيش في منفى مزدوج: منفى عن اللغة التي ولد فيها لأنها لم تعد تكفيه معرفياً أو مؤسساتياً، ومنفى عن اللغة التي تعلمها – فرضا أو اختيارا- لأنها لا تحتضن ذاكرته بالكامل.

في المجتمعات التي عاشت تجربة الاستعمار تتخذ هذه الإشكالية بعداً أكثر تعقيداً. فاللغة الثانية حاملة لسلطة سياسية ورمزية وأحياناً لغة الطبقة المهيمنة ثقافياً. ولذلك فإن العلاقة بها لا تكون بريئة أبداً. فكل جملة يكتبها المبدع بها تحمل، بشكل أو بآخر، أثراً من تاريخ الهيمنة الذي صاحبها. وهنا يظهر التوتر العميق الذي عاشه كثير من كتاب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. فقد كانوا يدركون أنهم يكتبون بلغة جاءت على ظهور السفن والمدافع، لكنهم كانوا يدركون أيضاً أن هذه اللغة نفسها أصبحت جزءاً من تكوينهم الشخصي. لم تعد لغة الآخر فقط، لقد تحولت إلى جزء من ذواتهم. وهكذا وجدوا أنفسهم أمام مفارقة قاسية.

تفرض المؤسسات الحديثة في العالم المعاصر أشكالاً جديدة من الاستلاب اللغوي. فهناك من يكتب بلغة لم يخترها لأن الجامعة تفرضها، أو لأن الإدارة تعتمدها، أو لأن المعرفة العالمية تنتج بها. وهنا يتحول الإكراه السياسي القديم إلى إكراه وظيفي جديد. لكن النتيجة تكاد تكون واحدة: انفصال تدريجي بين لغة العيش ولغة التعبير، بين اللغة التي نحيا بها واللغة التي ننتج بها.

إن أخطر ما في هذا الوضع ليس ازدواج اللغة، وإنما ازدواج الوعي نفسه. فمع مرور الزمن تتسلل هذه اللغة إلى البنية الذهنية للكاتب حتى تصبح جزءاً من آلية تفكيره. يبدأ الكاتب في العيش داخل منظومتين رمزيتين مختلفتين. لكل لغة قاموسها الخاص، لكل لغة تصورها الخاص للعالم. الزمن يتغير. وفكرة الذات تتغير وحتى العلاقة بالمقدس وبالجسد وبالموت تتغير بين لغتين. ولعل المأساة الكبرى للكاتب المنقسم بين لسانين تكمن في شعوره الدائم بالخيانة. فإذا كتب بلغته الأم شعر بأنه يهجر آفاقاً معرفية واسعة تتيحها اللغة الأخرى. وإذا كتب باللغة الثانية شعر بأنه يخون شيئاً من جذوره ومن ذاكرته الجماعية. وهكذا يتحول فعل الكتابة نفسه إلى عملية تفاوض مستمرة بين وفاءين متعارضين.

لكن هذه المأساة قد تكون أيضاً مصدر ثراء استثنائي. فالكاتب الذي يعيش بين لغتين يمتلك قدرة نادرة على رؤية العالم من زاويتين مختلفتين. إنه لا ينتمي إلى أي يقين لغوي ولذلك يصبح أكثر حساسية تجاه المعاني المختبئة خلف الكلمات، وأكثر وعياً بأن اللغة طريقة مخصوصة في بناء الواقع وتأويله.. كل لغة تحمل رؤيتها الخاصة للزمن والحب والموت والجسد والذاكرة. وحين ينتقل الكاتب بين لغتين فإنه ينتقل بين رؤيتين للوجود. ومن هنا تنبع الطاقة الإبداعية الهائلة التي نجدها لدى كثير من الكتاب الذين عاشوا على الحدود بين اللغات. إنهم أشبه بسكان المناطق الحدودية الذين لا ينتمون إلى دولة واحدة بقدر ما ينتمون إلى العبور نفسه. فالكتابة عندهم سفر دائم بين ضفاف متعددة. ولهذا كثيراً ما تصبح نصوصهم مشبعة بالحنين والأسئلة والقلق الوجودي.

يشعر الكاتب المنقسم بين لغتين بأنه يعيش أحياناً داخل شخصيتين مختلفتين. هناك ذات تتكلم من أعماق الذاكرة، وذات أخرى تتكلم من داخل الثقافة المكتسبة. ذات تنتمي إلى الحكايات والأمثال والصور القديمة، وذات تنتمي إلى الكتب الحديثة والجامعات والأسئلة الجديدة.. إنه كائن يقف باستمرار على الحدود. والحدود أماكن غريبة. وقد يكون هذا التيه هو الثمن الذي يدفعه الكاتب مقابل اتساع أفقه. فالذي يعيش داخل لغة واحدة يرى العالم من نافذة واحدة، أما الذي يعيش بين لغتين فإنه يرى العالم من شرفتين مختلفتين. إنه يدرك نسبية الحقائق، ويعرف أن الأشياء لا تمتلك معنى واحداً، وأن كل لغة تخفي داخلها فلسفة كاملة للحياة. لهذا يصبح الإبداع عنده أكثر تعقيداً وأكثر غنى في الوقت نفسه. إنه يكتب انطلاقاً من حوار دائم بين مرجعيات متعددة. يترجم نفسه إلى نفسه باستمرار. وكل نص يكتبه يصبح محاولة للمصالحة بين الأصوات التي تتزاحم داخله.

وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى. فالجرح الذي يسببه الانشطار اللغوي هو نفسه مصدر الخصوبة الإبداعية. فالكاتب الذي يعيش بين لغتين يشبه إلى حد بعيد المسافر الأبدي. لا يصل نهائياً إلى أي ميناء، لكنه يكتسب من الرحلة ما لا يكتسبه المقيمون. إنه يحمل في قلبه أكثر من ذاكرة، وفي صوته أكثر من إيقاع، وفي نظرته أكثر من أفق. حيث تصبح الكتابة محاولة مستمرة لبناء وطن لا يوجد على الخرائط. فحين يبلغ الإبداع ذروته، تتراجع اللغات إلى الخلف قليلاً، ويظهر الإنسان في جوهره العاري: ذلك الكائن الذي يحاول، منذ آلاف السنين، أن يجد الكلمات المناسبة لوصف غربته في العالم.

وربما ليست مهمة الكاتب أن يحسم الصراع بين اللغتين، ولكن أن يتعلم السكنى داخله. أن يحول الانقسام إلى حوار، والازدواج إلى ثراء، والمنفى إلى أفق. فالأدب الحقيقي غير معني بقضية انتصار لغة على أخرى، ولكن بالقدرة على جعل اللغتين معاً تنصتان إلى ذلك الصوت الإنساني العميق الذي يسبقهما جميعاً ويبقى بعدهما جميعاً. أي تحويل التوتر بين اللغتين إلى طاقة شعرية وفكرية، فالإنسان المعاصر، وخاصة في المجتمعات التي عاشت تقاطعات ثقافية واستعمارية معقدة، لم يعد كائناً أحادي الهوية أو أحادي اللغة. لقد أصبح كائناً مركباً، يحمل داخله طبقات متعددة من الانتماءات والمرجعيات والأصوات، حيث يصبح الانشطار اللغوي، رغم ما يحمله من ألم وقلق، أحد أكثر المختبرات الإنسانية خصوبة. ففي المسافة الفاصلة بين لسانين تتشكل ذات جديدة أيضاً تعرف أن الوطن قد يكون لغة، وأن اللغة قد تكون منفًى، وأن الكتابة ليست سوى المحاولة الأجمل لبناء بيت بين الاثنين.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *