حين تبتلع المؤسسةُ الفنَّ: مأزقُ «الميغا غاليري» بين اقتصاد الهيمنة وهشاشة القيمة
تكشف الأزمة التي تعيشها بعض كبريات صالات العرض العالمية، وفي مقدمتها مؤسسة Pace Gallery، عن مفارقة عميقة في بنية سوق الفن المعاصر. فالنموذج الذي بُني خلال العقود الأخيرة على التوسع الجغرافي، وتضخم البنيات الإدارية، وتكثيف الحضور في المعارض الدولية الكبرى، بدا لسنوات وكأنه الصيغة النهائية للنجاح الفني والاقتصادي. غير أن التقليص المفاجئ لعدد الموظفين والفنانين الذين تمثلهم هذه المؤسسة يكشف أن منطق التوسع اللامحدود قد بلغ حدوده القصوى، وأن القوة الظاهرة قد تخفي في داخلها هشاشة بنيوية تتعلق بارتفاع التكاليف التشغيلية، وتراجع القدرة على ضمان مردودية اقتصادية متناسبة مع حجم الاستثمار.
لقد تحولت «الميغا غاليري» في الغرب من فضاء للوساطة الثقافية إلى ما يشبه الشركة متعددة الجنسيات، تمتلك فروعاً في مدن عالمية عديدة، وتدير شبكات معقدة من العلاقات المالية والتسويقية والإعلامية. غير أن هذا التحول أفضى تدريجياً إلى هيمنة منطق الإدارة والربح على حساب الوظيفة الأصلية للرواق باعتباره فضاءً لاكتشاف المواهب وصناعة القيمة الرمزية. فأصبح الفنان في كثير من الأحيان جزءاً من محفظة استثمارية تخضع لمعايير الأداء والربحية أكثر مما تخضع لمعايير التجريب والإبداع، وهو ما يجعل أي تراجع اقتصادي أو ركود في السوق سبباً مباشراً في إعادة هيكلة قاسية تمس الفنانين أنفسهم.
وفي المقابل، تبدو أغلب أروقة العالم العربي بعيدة عن هذا النموذج الإمبراطوري، ليس بسبب اختيار استراتيجي واعٍ، بل نتيجة محدودية السوق الفنية المحلية وضعف البنية الاقتصادية للفن. فالرواق العربي، سواء في المغرب أو مصر أو لبنان أو دول الخليج، لا يزال في معظم الحالات مؤسسة متوسطة أو صغيرة الحجم، تقوم على العلاقات الشخصية والثقة المتبادلة أكثر مما تقوم على الإدارة المؤسسية المعقدة. ورغم ما يعتري هذا النموذج من هشاشة مالية وصعوبات في التمويل والتسويق الدولي، فإنه يحتفظ بقدر من المرونة الإنسانية التي تسمح باستمرار العلاقة مع الفنان حتى في الفترات الصعبة.
غير أن المقارنة بين النموذجين تكشف أن المشكلة ليست في الحجم ذاته، بل في طبيعة الرؤية الثقافية التي تحكم المؤسسة الفنية. ففي الغرب أدى تضخم الرواق إلى تحويله إلى فاعل اقتصادي مهيمن يساهم في تحديد الأسعار والاتجاهات الجمالية وصناعة النجوم. أما في العالم العربي فما تزال الأروقة عاجزة، في كثير من الأحيان، عن لعب هذا الدور البنائي بسبب ضعف الاستثمار في البحث الفني والنقد والمؤسسات الوسيطة. وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة مزدوجة: فائض مؤسساتي في الشمال يهدد بابتلاع الفن داخل منطق السوق، ونقص مؤسساتي في الجنوب يحد من قدرة الفن على بناء سوق مستدامة ومؤثرة.
إن ما يحدث اليوم لا ينبغي قراءته باعتباره أزمة تخص مؤسسة بعينها، بل باعتباره مؤشراً على تحولات أعمق تطال الاقتصاد الرمزي للفن المعاصر. فبعد عقود من الإيمان بأن التوسع هو الطريق الوحيد إلى النجاح، يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: هل وظيفة الرواق الفني هي تحقيق النمو المستمر أم بناء القيمة الثقافية والجمالية؟ وهل يمكن للفن أن يحتفظ باستقلاليته حين يصبح خاضعاً بالكامل لمنطق الشركات الكبرى؟
لعل الدرس الأهم الذي يمكن أن تستخلصه المؤسسات الفنية العربية من هذه التحولات هو أن المستقبل لا يكمن في استنساخ نموذج «الميغا غاليري» الغربي، بل في ابتكار صيغ أكثر توازناً تجمع بين الاستدامة الاقتصادية والالتزام الثقافي، وبين الاحترافية المؤسسية وحماية حرية الإبداع. فالفن لا يزدهر داخل الإمبراطوريات التجارية وحدها، كما لا يستطيع الاستمرار بالاعتماد على العفوية وحدها؛ إنه يحتاج إلى مؤسسات قوية، لكن مؤسسات تدرك أن القيمة الجمالية ليست مجرد رقم في ميزان الأرباح، بل هي استثمار طويل الأمد في الذاكرة والخيال والمعنى.
