حين تُشاغب التماثيلُ الذاكرة: حربُ الرموز في زمن الثقافة الرقمية بالمغرب
لم تعد الوظيفة الرمزية للنُّصُب التذكارية في الزمن الرقمي رهينة المؤسسات الرسمية أو الهيئات المنتجة للذاكرة الجماعية، بل أصبحت مجالاً مفتوحاً لممارسات فنية هجينة تتقاطع فيها الجمالية بالسياسة، والفعل الإبداعي بالاحتجاج المدني، والفضاء العمومي بالفضاء الافتراضي. فبينما كانت التماثيل والنصب التاريخية تُشيَّد تقليدياً لتخليد الشخصيات والأحداث وفق منطق الديمومة والاستمرارية، أفرزت التحولات الرقمية المعاصرة أشكالاً جديدة من التدخلات الفنية العابرة التي تتأسس على المباغتة والاختراق الرمزي والانتشار الفيروسي عبر شبكات التواصل الاجتماعي. إنها ممارسات يمكن توصيفها بما بات يُعرف بـ«المعارك الجمالية» أو «حروب الرموز»، حيث يتحول الفن إلى أداة لإعادة التفاوض حول الذاكرة والهوية والسلطة داخل المجال العمومي.
لقد كشفت التجارب الغربية الحديثة، من تماثيل دونالد ترامب العارية إلى التدخلات الميدانية المنسوبة إلى بانكسي، عن ميل متزايد نحو إنتاج ما يمكن تسميته بـ«الآثار المتمردة» أو «النصب البرية»، وهي أعمال لا تستمد مشروعيتها من القانون أو المؤسسة، بل من قدرتها على إثارة النقاش العمومي وخلخلة السرديات السائدة. ويبدو أن هذه الظاهرة ليست مجرد موضة فنية عابرة، بل تعبير عن انتقال عميق من ثقافة النصب الدائم إلى ثقافة الأثر المؤقت، ومن سلطة الحجر إلى سلطة الصورة المتداولة رقمياً.
في هذا السياق، يغدو السؤال مشروعاً حول الكيفية التي يمكن بها استيعاب هذه التحولات داخل المشهد الفني المغربي، خاصة وأن المغرب عرف خلال العقود الأخيرة دينامية لافتة في توظيف الفن داخل الفضاء العمومي، سواء من خلال الجداريات الحضرية، أو التظاهرات الفنية المفتوحة، أو المشاريع التشاركية التي أعادت تعريف العلاقة بين الفنان والمجتمع. فالمتأمل في تجارب عدد من الفنانين المغاربة يلاحظ انتقالاً تدريجياً من العمل المعروض داخل القاعات المغلقة إلى تدخلات بصرية تنخرط مباشرة في النسيج الحضري، وتعيد تأويل الرموز الثقافية والتاريخية المحلية.
لقد أفرزت مدن مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش نماذج متعددة من التعبيرات البصرية التي تتجاوز حدود التزيين الجمالي إلى مساءلة الواقع الاجتماعي والثقافي. ففي عدد من الجداريات الحروفية والفنون الحضرية المعاصرة، لم يعد الفنان معنياً بإنتاج موضوع جمالي فحسب، بل أصبح فاعلاً نقدياً يسعى إلى إعادة كتابة الفضاء العمومي بصرياً. ومن هنا تتقاطع التجربة المغربية مع ما تشهده الساحة الدولية من صعود لفنون التدخل المؤقت، حيث تتحول المدينة إلى مختبر مفتوح للتفاوض حول المعنى والذاكرة والانتماء.
إن خصوصية الحالة المغربية تكمن في أن الذاكرة الجماعية لا تزال مرتبطة بقوة بالموروث المعماري والرمزي العريق، من المدن العتيقة إلى الزوايا والأضرحة والأسوار التاريخية. ولذلك فإن أي تدخل فني داخل الفضاء العمومي يكتسب حمولة ثقافية مضاعفة، لأنه لا يحاور الحاضر فقط، بل يدخل في حوار مع طبقات متراكمة من التاريخ والهوية. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار العديد من المشاريع الفنية المعاصرة أشكالاً من «المقاومة الجمالية الناعمة» التي تسعى إلى إعادة تنشيط الذاكرة المحلية في مواجهة التنميط البصري الذي تفرضه العولمة الرقمية.
ولعل ما يميز هذه الممارسات الجديدة هو أنها لا تراهن على البقاء الفيزيائي للعمل الفني بقدر ما تراهن على انتشاره الافتراضي. فالعمل قد يُزال من الشارع بعد ساعات أو أيام، لكنه يستمر في الحياة عبر الصور والفيديوهات والمنصات الرقمية. وهكذا يصبح الأثر الرقمي أكثر دواماً من الأثر المادي ذاته، ويتحول المتلقي من مجرد مشاهد إلى مشارك في إنتاج المعنى عبر التداول والتعليق وإعادة النشر. إننا أمام تحول جذري يجعل من الفن حدثاً تواصلياً أكثر منه موضوعاً مادياً ثابتاً.
وتبعاً لذلك، فإن مفهوم «التمثال» نفسه يعرف اليوم إعادة صياغة جذرية. فبدل أن يكون رمزاً للسلطة أو الذاكرة الرسمية، أصبح أداة نقدية تكشف هشاشة السرديات المهيمنة وتفتح المجال أمام أصوات جديدة. وفي المغرب، حيث تتقاطع رهانات التراث مع تحديات الحداثة الرقمية، يمكن للفن العمومي المعاصر أن يؤدي دوراً محورياً في بناء مواطنة جمالية جديدة قوامها الحوار والانفتاح والتعددية الرمزية.
إن المستقبل لا يبدو متجهاً نحو اختفاء النصب التذكارية بقدر ما يتجه نحو إعادة تعريفها. فبين الحجر والشاشة، وبين الذاكرة الرسمية والذاكرة الشبكية، تولد أشكال جديدة من التعبير البصري تجعل الفن أكثر قرباً من المجتمع وأكثر قدرة على مساءلة الواقع. وهكذا لم تعد التماثيل مجرد شواهد صامتة على الماضي، بل أضحت كائنات رمزية متحركة، تُشاغب الذاكرة، وتفاوض التاريخ، وتعيد رسم حدود الممكن داخل الفضاء العمومي. وفي هذا الأفق، يصبح المغرب بدوره مرشحاً لإنتاج نماذجه الخاصة من هذه «الحروب الجمالية» التي لا تُخاض بالأسلحة، بل بالصور والرموز والخيال الخلاق.
