شفاهية جديدة: من الابداع إلى الابتكارية وإلى الاشتغال على الجاهز

شفاهية جديدة: من الابداع إلى الابتكارية وإلى الاشتغال على الجاهز

تمهيد

بشكل عام يوصف العصر الحالي بكونه سمعيا بصريا مع استفادة متعاظمة من خدمات الذكاء الاصطناعي؛ ولكن ما هو دور الذكاء الاصطناعي في التوائم مع العصر السمعي البصري؟ الجواب أن الذكاء الاصطناعي يمثل خط فصل بين عصر الصناعة وعصر ما بعدها، أي العصر الالكتروني أو العصر السمعي البصري. ولو أردنا تسطير خط فصل واحد بين العصرين لقلنا أن السمة العامة للعصر الآخذ في التبلور هو اللامادية. ومن هذا المنظور يمكن القول ببساطة أن الحاسوب بوصفه آلة إلكترونية ولّد ذكاء جديدا حكم بفوات الأجل على الذكاء الميكانيكي للآلات الصناعية (انتهى عهد الخيول وبدأ عهد الدفق les flux). وعندما نقول إن الحاسوب يضع حدا لعمل الآلات الميكانيكية على أساس الاستنساخ فلكي ندقق أن الحاسوب هو آلة مزودة بذاكرة وأن هذه الذاكرة تتسم بكونها تفاعلية، أي قادرة على الاستجابة بشكل يتلاءم مع الطارئ، وذلك على نحو يشبه كثيرا استجابة الذات الفاعلة والمفكرة إزاء نفس السياق. والملاحظ أن الحاسوب يمتاز عن الهاتف والتلغراف بأنه ليس مجرد وسيط ناقل للمعلومة ولكنة وسيط يسمح بتطويرها وبتحويرها لتكون مادة لصنع مضمون مبتكر. والملاحظ أن الحاسوب يشترك مع الآلات الألكترونية التي سبقته (وعلى رأسها الفوتوغرافيا) في أنه لا يتوفر على وظيفة حصرية (fonction propre). وهذا الشغور تحديدا هو الذي جعله على ذمة الابتكارية بشكل يجمع بين المرونة والفاعلية ورحابة المجالات؛ ولا عجب بالتالي أن يترتب على تعاظم دور الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي تحول الأخير من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة الابتكارية أو التجديد. وتختلف الابتكارية عن الإبداع بدلالته الكلاسيكية في تجنبها للانتزاعية التي تستدعيها القطيعة الإبداعية والتي يتجنبها التجديد، ومنه الحرص على ضرورة تعطيل علاقة الانفصال التي تقيمها الصورية بين الوعي والحواس وبين ما هو ضمن المظاهر وما هو خارجها، والتي رهانها الفصل الحاسم بين التاريخي والكوسمولوجي. وعلى هذا الأساس تميزت الابداعية المعاصرة عن الفن الكلاسيكي بمثل تميز العلم المعاصر عن العلم الكلاسيكي. ومعلوم أن العلم المعاصر مركّب complexeبينما كان العلم الكلاسيكي ميكانيكي وبالتالي تبسيطي. فقد استند العلم الكلاسيكي إلى صرامة تؤسس فاعليتها على القياس والحساب. وهذا الاعتماد على المقاييس الكمّية جعل العلم الكلاسيكي غير قادر على تصور علاقات الوصل بين الواحد والمتعدد (الوحدة المتعددة)، فإما أنه يوحد بشكل مجرد من خلال إلغاء التنوع، أو على العكس من ذلك يضع العناصر المتنوعة جنبا إلى جنب من دون تمثل الوحدة. ولتجاوز الطابع الاختزالي للتبسيط العلمي الميكانيكي الكلاسيكي اتجه العلم المعاصر إلى نمذجة النظام الموضوع قيد الدرس. ويتعلق الأمر بنماذج يقوم عليها اليوم عدد كبير من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعالج مشاكل مركّبة. ومن أجل تحقيق فعالية أمثل، يجري اللجوء إلى ما يمكن تسميته بالمعطيات الاستكشافية heuristiques، وهي عناصر من المعلومات والمعارف الخاصة بالمشكلة المخصوصة المراد حلها. وبذلك يعطي الذكاء الاصطناعي أبعادا جديدة للطرائق الرياضية التقليدية في مجال البحث الإجرائي، مما أتاح له تحقيق نتائج هامة في ميادين متعددة من قبيل تدبير الإنتاج الصناعي وتنظيم النقل وإدارة الشبكة المعلوماتية وغير ذلك. وما يهم الابداعية في هذه الصيغة المعاصرة من تحويل الطبع إلى فكر هو أسلوب تدبير المعارف والتحليل المنطقي الرمزي، وهو مجال محوري في الذكاء الاصطناعي. ويكفي بهذا الصدد استحضار كيف أنّ Léonard de Vinci كان ينتقل بنجاح ويسر من رسومه التخطيطية في مجال التشريح إلى إنجازاته الهندسية في حين يستند المبتكر المعاصر إلى لزوم مركزي يعبّر عنه مصطلح ‘التفاعلية’. ومن هذا المنظور، يلتقي المبدع المعاصر مع رجل العلم المعاصر على صعيد التزامهما بالتحليل المنطقي التقريبي، أي تحليل قادر على الاشتغال مع أخذ نقص الكفاية بعين الاعتبار. كلاهما يشتغل وفق أواليات انتقائية أو توطيدية تتيح عزل سلوك مفيد من خضم حشد من ردود الفعل الممكنة. ومعلوم أن الحاسوب –وهو يشتغل بكيفية بسيطة- لا يستطيع إنجاز تطبيقات بالغة التركيب إلا على أساس توظيفه ‘للقوة الكامنة’ فيه بفضل ما أسماه ‘هوج بيرسيني’ Hugues Bersini ‘لمسة إحيائية خفيفة’. وإذا كان المهندس المعاصر يتقبل التخلي عن عملية مراقبة اشتغال الحاسوب والبرمجيات بما أنه يحتفظ بمهمة الإرشاد وتوجيه مسار البحث من خلال تزكية الاقتراحات الجيدة –بحكم أنه لا يتوفر على القدرات الذهنية التي يمكنها أن تخول له مواكبة اشتغال الحاسوب في انطلاقه الجامح نحو إنتاج الحلول الممكنة- فإن المبدع المعاصر وجّه عنايته لسبر رحابة الحياة الباطنية كما تبلورها علوم النماذج.

المزعج بشكل خاص هو الإذعان العربي العام لضرب من القدرية التي تفترض ضرورة مرورنا بكل المراحل التاريخية التي مرّ بها الغرب. هكذا تجدنا نعيد أخطاء تورط فيها هذا الأخير في ذات الوقت الذي يكون هو إما قد قام بإصلاحها أو هو بصدد مراجعتها. فمثلا، في حين تجتهد القوى الحية الغربية من أجل تطويق سلبيات الصناعة على جودة الحياة من خلال رد الاعتبار للثقافي (le culturel)، نباشر من جهتنا نفس التوظيف للثقافي بشكل محاكاتي (mimétique) صرف وبالتالي سنوظفه على نحو يدل على تعلّم منقوص الفهم. هكذا تجدنا من ناحية، نشارك –بل نحتفي- بالتوجه العالمي لرد الاعتبار للثقافي حيال الاقتصادي والحضاري، ومن ناحية أخرى نواصل الاعداد لمخططات تنمية تستند لتصور اقتصاد سلعي. بالموازاة لذلك، لا تهتم دراساتنا الاستراتيجية بالشكل الضروري لانتقال مواطن الاهتمام من نموذج ‘مدينة القطاع الثاني (ville secondaire) إلى مدينة ‘القطاع الثالث (ville tertiaire) وما يليه حاليا من تطوير شبكات ‘المدن الإبداعية’ وغيره من المبادرات التي تكرس نهاية العصر الصناعي وبداية عصر يخلفه ويستوعبه.

العتاقة ورد الاعتبار لحسن الرجاء

بعد نبوة الفيلسوف خلال القرن 18 ونبوة الشاعر خلال القرن 19 ونبوة المحلل النفسي في القرن العشرين… القرن الحالي يتمحور حول مقولة المشروع المندمج ضمن بيئته وبالتالي المنزاح التمركز: من التمحور حول الغرض إلى التمحور حول المستعمل؛ ومن بين تبعات هذا الانزياح على صعيد التمحور تغير المنطقة الصناعية 4.0 لتصبح جملة من ‘محلات للعيش’؛ وهي –حتى إن لم تكن جزءا من الفضاء الحضري- فإنها تحاكيه وبالتالي تتباين من المناطق الصناعية الكلاسيكية التي كانت تتسم بأنها سياق إنتاجي بحت، حتى يكاد يشطب كل الاعتبارات الأخرى. في المقابل، فإن شمولية حضور الصورة المرئية سمح بتقريب الشقة بين المجتمعات المحلية والمجتمع العام كما تبلوره تلك الوسائط وهو ما طور القدرة الاستيعابية للسلطة بما أن فلك السلطة أصبح يمتد إلى مختلف الهياكل المجتمعية. ولكن ما يزعج ‘بودريار’ هو أنه خلال العصر الرقمي عزز انفتاح السجلات على بعضها عملية استيعاب واقعيتها ضمن مقاييس ما أصبح يُسمى ‘الواقع الفائق’ (hyper réel). وفي هذا الخصوص يتوقف ‘مافيزولي’ عند تحاليل بودريار لمقولة ‘السيمولاكر’ (الشبيه القادر على أن يؤدي دور النسخة الأصلية) فيتحدث عن “الواقع الذي يشمل نقيضه: بحيث يمكننا فهم ‘عمل النفي’ الذي لا ينحل في تركيبة جدلية: المادي يحتاج بشكل متزايد للروحي، والفيزيقي لا يمكنه أن يُفهم من غير الميتافيزيقي، والتجمعية المهنية لا تأخذ معناها إلا بالعلاقة مع التصوف.”[1]

ضمن فقرة عنوانها “العتاقة الما بعد حداثية” (L’archaïsme post-moderne ) دعا ‘ريجيس دوبري’ إلى التسليم بفعلية المفارقة التالية: “المجتمع الألكتروني يتماثل مع المجتمع البدائي”[2]. الداعي -في نظره- لاعتماد مثل هذا الرأي هو أن العصر الألكتروني يمكن وصفه بأنه عصر ‘اللا مادية’ نظرا لتوفره على صفة ‘كلية الحضور’ (l’ubiquité) وهو ما يحبوه بضرب من القدرة على الفعل على نحو يعطي الانطباع بتعطيل الاكراهات الزمانية والمكانية؛ ومثل هذا الوضع اعتبره ‘ريجيس دوبري’ دافعا ‘لإحياء حسن الرجاء’ فكتب قائلا:  [3]“l’ubiquité électronique réenchante le visible”. ولكن الدكتور ‘فريد الزاهي’ –مترجم كتاب ‘حياة الصورة وموتها’، أهمل خصوصية الحمولة الدلالية والرمزية لهذا المصطلح ووضع بدله مصطلحا عائما فقال بأن “كلية الحضور الألكتروني تخدم البصري عبر إلغاء المسافات والآجال؛”[4] وبذلك تحولت الجملة المتهمة للمعاصرة بأنها ترد الاعتبار للعتاقة إلى جملة محايدة تحاذي -في أحسن الأحوال- هذه المعاني بدون أن تنص عليها صراحة. فكأننا بالمترجم غير مهتم بالتوتر التاريخي الحاصل بين التصور الغربي للحداثة وبين العتاقة بوصفها تمسك مشبوه بتكريس علاقة امتدادية بين اليومي وعالم الحياة الباطنية والاستيهامية للإنسان، وذلك بعد أن ربط ‘ماكس فيبر’ بين تطور الحداثة ونهاية ‘حسن الرجاء’ (désenchantement). هكذا فإن اعتماد ‘ريجيس دوبري’ لمصطلح ‘إحياء حسن الرجاء’ في هذا السياق إنما هو استدعاء للدلالة الحافة التي أصبحت ملازمة للمصطلح منذ أن ربط ‘ماكس فيبر’ بينه وبين اكتمال المشروع الحداثي (بحيث أصبح العتيق يتطابق غربيا مع ‘الغابر’)؛ وبالتالي تأكيد ‘ريجيس دوبري’ على أن العصر الألكتروني يمثّل ارتدادا على قيم الحداثة وعلى قيم الالتزام بعلوية المرجع التاريخي. وفي هذا الاطار سيميز ‘ دوبري’ بين البصري (visible) والمرئي (visuel) وذلك على اعتبار أن المرئي لم يصبح ذاتي المرجع إلا لميله للبقاء في حدود الاستيهامي؛ وهو ما دعا ‘ريجيس دوبري’ إلى أن ينهى كتابه طارحا على شعوب الألفية القادمة السؤال التالي: “كيف ستنظرون جيدا حولكم من دون أن تقبلوا بوجود ‘أشياء لا مرئية’ بجانبكم أو تحتكم أو فوقكم ؟” أي كيف ستنظرون جيدا حولكم من دون أن تقبلوا بفوات الأجل على صلاحية ‘الكلّي’؟

من ناحيته، يعتبر الدكتور ‘باباك ألاهي’ أن الحاصل هو أن “الأدب الرقمي يقربنا إلى القدامى أكثر مما يضعنا أمام ما هو حديث، لما يعرفه من نشر عمومي وتفاعل، وكذلك مقاومة التناسق بين الزوال والدوام. من هذا المنظور، يمكن اعتبار الأدب العربي الرقمي المعاصر، وكذلك التمثيل الرقمي للشعر العربي القديم تجسيدا للوظيفة الطقوسية للشعر: إحداث العالم وليس تمثيله.”[5] خاصة وأن الوسيط الرقمي يعمل بطريقة تشبه طريقة عمل المجتمعات الشفهية، حيث بين تقيم عملية صياغة رسالة ما علاقة تزامن مع عملية بثّها، ومنه السهولة النسبية لتتعهد الرسالة بوظيفة الرابطة الجماعية. وهذا الربط بين الرسالة وعملية بثّها هو ما يكرّس الفصل بين الصورة والفن بشكل أعمّ، وهو ما يسمح بالربط، في المقابل، بينها وبين الوجد والشعر؛ بل ويسمح لهذا الترابط أن يعود بالشعر لأداء دوره الأصلي، ألا وهو التشعير la ritualisation. هاهنا يأخذ ‘الفائض’ دلالاته الأخطر؛ فهو ما يسمح للتعدية والتأدية بأن تكون مباشرة. بكلام آخر، ‘يقتل’ الشعر قانون المطابقة الذي تقتضيه المحاكاة ليقيم بين المدار الطبيعي والمدار الشخصي علاقة انعكاس، أي علاقة تسمح للمدار الشخصي بأن يكمّل المدار الطبيعي بمجرد أن يعكسه ودونما حاجة لأن يحاكيه. وهذا الطابع الأدائي الموسوم به الشعر وسائر التعبيرات الشعرية –مما يجعلها في حالة شروع دائم- هو ما استوجب طرده من أكاديمية أفلاطون ومن عالم الفن سابقا. تبعا لذلك، فإن اختراع أثينا خلال إنجازها لحداثتها لقطبية ‘أبولوني’ / ‘ديونوزي’ إنما كان غايته تسريح الميول الأصلية وذلك من خلال ربطها بـ’التراجيدي’، أي بما لا أمل له في التصالح مع التاريخي. وللتذكير فإن ما كانت الأقوام الغابرة تدرجه في باب العجيب الذي يستفزّ شعوراً ملذوذاً بالاستغراب إزاء غيريّته المستفحلة وما تمثّله من وجود غليظ، أصبح اليونانيّ يعتبره بهيميّا: فبداية تأسيس الفكر بوصفه ترابطاً بين الذّاتيّة والوجود قد أثّر في السّرد على نحو جعله يتدهور ليصبح حكيا. وفعلا، فإنه بالإمكان القول أنه من علامات العتاقة الأولى أن الإنسان الأنثروبولوجي كان عرضة لتأثيرات الرهافة -أو ما أسماه أفلاطون ‘الشائعة’- بقدر يفوق بكثير قدرة استيعابه للتصورات والمفاهيم. والملاحظ، ضمن هذا السياق أن أفلاطون لم يول مسألة ‘الشائعة’ اهتماما بالغا إلا لأن الأمر يتعلق بخبرة وليس بمعرفة؛ أي بخبرة ذوقية محسوسة ولكن غير معلومة، بما أن الشيء عينه لا يمكن أن يكون معلوما وإنما العلامات هي التي تقبل التطويع والمعالجة المعرفية. فما هو مدار الخبرة المنوه بها إذن؟ إنه السحر الاتصالي الذي يتولد ضمن العلاقات المفتوحة على الممكن المباشر وعلى التعدية والتأدية المباشرة والمستغنية عن الوسائط. ومعلوم أنّ المنوال الذي يتوسله السحر الاتصالي لممارسة فاعليته يتسم بكونه عتيق، ذلك لأنه منزلي وسلالي ولا تاريخي. إجمالا هو لا قياسي وغير قابل للتمثيل الصوري الذي بدون وساطته لا يمكن للخبرة الذوقية أن تصبح مادة لمعرفة. وعلة هذا الاقتصار الدلالي أن السحر الاتصالي يسحر ويفتن؛ والفتنة تمارس فعلها في شكل أخذة، أي في شكل علاقة تنافذ مع الممكن المباشر. ولقد أصبحت الاستثنائية المترتبة عن الهالة الأنثروبولوجية في مقام الكفاءة التي فات عليها الأجل، ومنه انطلاق أزمة التمسك بالعتاقة وبالغابر، أي بما يتعارض مع ما يتصف بالنظامية. فالمعنى، من وجهة نظر الحداثة، هو الذي يحتويه النص وليس الذي استقر في وجدان المستمعين. وذلك على اعتبار أنّ الطيش من المنظور الحداثي –وهو المنظور الذي استهله أفلاطون- هو الاصغاء لجهة قصية على نحو يصيب بالهوان دنيا المدينة ومؤسساتها. ومعلوم كيف أن أفلاطون كان المؤسس لمجمل النظريات الجمالية عندما قام ضمن محاورة ‘إيون’ بربط السرد بالمعرفة، فاصلا إياه عن الإلهام الملازم للشائعة من حيث هي حزمة من العلاقات العائمة والسائحة. ومنذ وقتذاك أصبح الالهام-ضمن الحضارة الغربية- محلّ ريبة صاغ أفلاطون مضمونها الرئيسي عندما ربط بينه وبين التخريف، إذ كلاهما استرسال واندفاع يورد صاحبهما غربة الشطح والتطويح خارج حدّ النفس. هكذا ارتبط الاقتصار الشعري بـ’الزائد عن الحد’. والشعر، كما صوره أفلاطون، ضمن محاورة ‘إيون’، متورط في ‘الزائد عن الحد’، وذلك بحكم ارتهانه بالشائعة، أي بما يمكن أن يكون موضوع إلهام ووحي (نظرا لاتسامه برهافة تمنع عبوره نحو الكتابة). ولأنّ الفنّ لاحق للشعر فقد كان رهانه مبدئيا هو الإقفال الذي بمقتضاه يفوت الأجل على نمط في القول وفي الرجاء فيتهاوى إلى مرتبة ما هو عتيق و’غابر’ وما سقط بالتقادم. مع ذلك فإن من شأن تعليق صلاحية الاقفال المذكور أن يفسح المجال لطرح التساؤل التالي: كيف يمكن تجسيد الاشتمال الموسوم به الأشخاص، وبالتّالي تحويل الشّريحة الرّهيفة التي تحجبهم إلى كلام يفشى ما هو متبطّن؟

مدار الرهان إذن قتل الاستيهامي للمرجع على نحو يعزز الانفتاح على التّقديريّ le virtuel. وهو ما لا تستطيعه الفلسفة، على الأقلّ في صيغتها النّسقيّة الكلاسيكيّة. ذلك أنّ التّقديريّ هو مباين للحالي وللممكن، والفلسفة تشتبه وتتوجس خيفة من كلّ أشكال المباينة المستفحلة hétérogénie radicale، والتّقديريّ هو المباين بإطلاق. والمباين عصيّ على المشاكلة، مطلب النّظريّة بامتياز.

من ناحيتها، اهتمت “شاري توركل”، ضمن كتابها الموسوم ‘أطفال الحاسوب’، بالجواب عن سؤال كيف يمكن تجسيد الاشتمال الموسوم به الأشخاص ؛ وفي هذا الخصوص تلاحظ المذكورة أن الأطفال

«se servent de l’ordinateur pour créer des micromondes, de la même manière que d’autres enfants se servent de crayons de couleur, de poupées ou de soldats de plomb pour inventer des histoires. »[6]

ولهذا بادرت الكاتبة –منذ الصفحات الأولى للكتاب- بالتأكيد على أن الحاسوب هو آلة ‘ميتافيزيقية’ وأنه كذلك آلة ‘بسيكولوجية’ وذلك بالنظر أولا لطبيعته التفاعلية وثانيا بالنظر إلى توفيره لبيئة يمكن الانغماس فيها لحدّ الغطس، وهو الغطس الذي من مزاياه أنه يسمح للطفل بأن يجمع تلقائيا بين تطوير مساره الفكري بالتوازي مع تطور نوازعه الوجدانية. فالحكايا هي جزء من الثقافة التي تساعد على خلقها. الحكايا توحد الناس فتجعل منهم مجتمعا مشتركا تتعهد ضمنه طائفة من الرموز والثيمات والشخصيات الموسومة الادراك والفاعلية التأويلية. ومن الممكن أن نتبين في هذه الحكايا ثيمات أساسية توضح أنه برغم الحقيقة القائلة بأن كل حالات المقاومة، والتمرد، والثورة هي محلية في الجوهر، فهي تعكس أيضا حقائق أوسع وأعمق حول ما هو ممكن. فالبشر يبنون، منذ زمن طويل بنى تحتية من مختلف الأنواع، قنوات، وطرق، ومنشآت مثلا، وحاليا أصبحنا ندرك أن النظم المصممة لتأمين المعلومات أو العدالة أو الصحة هي أبنية تحتية أيضا، تتشكل في أصول كثيرة بقوة المحلي والمتعين، حتى وإن كانت تستمد المعلومات مما هو عابر للقوميات. وهذه الأبنية التحتية تساعدنا على الحياة على أساس يومي، ومنذ ظهور الأنترنت تضاعفت فاعليتها بشكل غير مسبوق: ذلك أن الأخيرة تسمح على التوالي وبشكل متزامن بالأقلمة والعولمة (l’internet territorialise et mondialise simultanément). على هذا الأساس تم تحوير السياق الذي كان يسمح بأن نواصل الثقة في صلاحية المرجعية الأرسطية المرتكزة على تناقض المحلي والكلّي (‘لا علم إلا بالكليات’). فإذا كانت عملية بناء المعنى داخل العقل البشري المعاصر تعتمد أساسا على تدفق المعلومات والصور التي تُعالج في شبكات الاتصال، فمن المنطقي أن نستنتج أن السلطة تكمن اليوم في شبكات الاتصال ومالكي شركات هذه الشبكات. ‘جيريمي ريفكين’ ، مثلا، يقرّ ‘والتر إيزاكسون’ عندما يجزم أن “المؤسسة القديمة كانت ناديا، أما المؤسسة الحديثة فهي شبكة.” ولهذا يعقّب ‘ريفكين’ بالملاحظة أن الصناعات الثقافية في هوليود تمتلك خبرة طويلة المدى في التعامل مع المنظمات المستندة إلى الشبكات، ولذلك تصبح هذه الصناعات بسرعة نموذجا للمؤسسات في باقي النظام الرأسمالي العامل على الخطوط الشبكية. وهو ما من شأنه أن يجعل من ناحية، الجبهة الثقافية أوسع من الجبهة السياسية، ولكن هو ما من شأنه من جهة أخرى أن يوسع احتمالات تحويل الجبهة الثقافية إلى أداة تنقل السياسي إلى أفق يحرره من السياسوية؛ إذ يُفترض في السياسي أن يكون صانع الوحدة، ومثل هذه المهمة تتجاوز الاعتبارات التقنية أو الصورية الصرفة؛ فصناعة الوحدة تتطلب مضاعفة الصلاحية المعرفية بالقدرة على الاستشراف في علاقة بما هو جوهري.

—————————————————————–

[1] ميشيل مافيزولي، تأمل العالم، الصورة والأسلوب في الحياة الاجتماعية، ترجمة فريد الزاهي، المجلس الأعلى للثقافة، 2005، ص 42 .

[2] .Régis Debray, Vie et mort de l’image, une histoire du regard en Occident, Gallimard, 1992, p 412

[3]  .Ibid., p 411

[4]  ريجيس دوبري، حياة الصورة وموتها، ترجمة فريد الزاهي، أفريقيا الشرق، 2002، ص 242.

[5]  د. باباك ألاهي، الشعرية المعلقة، أصداء القصائد الغنائية السبع في الأدب العربي الرقمي، ترجمة محمد أهوراي، ضمن كتاب ‘الأدب الإلكتروني  العربي، آفاق جديدة ورؤى عالمية، أعمال مؤتمر جامعة روتشستر لتكنولوجيا بدبي، 25-27 فبراير 2018، منشورات روابط رقمية، الرباط، بلا تاريخ، ص 155.

[6] . Sherry Turkle, Les enfants de l’ordinateur, traduit de l’américain par Claire Demange, Denoël, 1986, p 133

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *