التجديد الاجتماعي الموالي للتجديد التكنولوجي: ‘العتاقة المعاصرة’

التجديد الاجتماعي الموالي للتجديد التكنولوجي: ‘العتاقة المعاصرة’

تمهيد

إذا كانت المطبعة قد قسمت المجتمع إلى أمي ومتعلم (إنسان كوسموبوليتاني) فإن الإلكترونيك يتميز بأنه يتوجه للجميع. ذلك أن التباعد الذي كان يشرط عمل المطبعة قد استبدله الحاسوب ببلاغة بديلة سمتها الأساسية هي ‘القرب’  La proximité. هكذا اتجهت السياقات البحثية المعاصرة لتجد نفسها مدفوعة للتسليم بأن الاتصال (transmission) -وليس التواصل (communication)- هو الذي أصبح أفقا لبحوثها ومعيارا لتقويمها. وبشكل موازي، تناسب الوعي الثقافي الشعبي (الغربي في مرحلة أولى) مع توجه الوسائط الرقمية -وقبلها الوسائط السمعية البصرية- إلى استزراع الكلام في رحم الكتابة. بشكل أكثر دقة وجد هذا الوعي الشعبي فرصا أكثر مع ما توفره الوسائط المعاصرة من إمكانيات مفصلة للتداول الإعلامي (communication) مع الاتصال (transmission) وهو ما دعم التوجه العام نحو تحويل المعرفة إلى معلومة. وفعلا، تشتكي الأوساط الإعلامية حاليا من سطوة وسائط الاتصال على نحو لا يخلو من أوجه شبه بشكوى الوسائط الطباعية سابقا من سطوة الاعلام. ذلك أنه لا يمكن تمثل المعلومة إلا بعد بثّها وإلا فإنها لن تتميز عن المعرفة (فالمعرفة كتابية والمعلومة اتصالية). هكذا، قد يعارض الاتصال المعرفة الكتابية، ولكنه لا يعارض الاعلام، بل يمدده ويزيده نفاذا في البواطن وضمن النطاقات الحميمية. وطبعا، لن يجد كل الذين يواصلون المصادقة على صلاحية المسبق الكلاسيكي الذي يقيم علاقة استبعاد تام بين قيمة الدقة وقيمة التعبير، أية صلاحية موالية لخيار رد الاعتبار للاتصال في علاقة بالتواصل وبالإعلام. مع ذلك فإنه لا أحد يستطيع أن ينكر أن المتعلمين يجدون صعوبة في الخروج من السياق المدرسي. فهم أصحاب كفاءة إن تعلق الأمر بالرد المباشر للمعارف. ولكنهم يجدون عسرا في تعبئتها لشرح الظواهر بكيفية تراعي ما يتفق لهم من وضعيات في الحياة العادية لم يقع ذكرها خلال حصص الدروس. لقد أصبح من المستعجل أن نساعد التلميذ على أن يفهم أنّ أغلب الكفاءات تتقاطع أفقيا مع المواد وأن نيسّر بالتالي التلاقي بين المشاريع والتشاور بين المدرسين. ومن الحيوي أيضا المتابعة المشخصنة والاستدراج نحو العمل التأليفي الشخصي تجنبا الميل العفوي على الاعتماد الحصري على ‘النسخ والتلصيق’. ذلك أن استعمال الحاسوب في حصص الدرس يسمح لكل تلميذ بأن تتوفر له النشاطات المناسبة لحاجاته ومستواه وان يتقدم في بحوثه وفق وتيرته الشخصية. وتحفظ بعض البرمجيات أثر الأخطاء والتمشي المتوخى وتساعد التلميذ والطالب على إصلاح نفسه بنفسه، وطبعا فإنه من نافل القول أن التلميذ أولا والطالب لاحقا لا يستطيع الاضطلاع بهذا الإصلاح إلا أن كان لا يكتفي بالتعلم بل يردفه بالفهم. ولعل هذا الربط بين التعلم والفهم هو ما يحفز على تعليق عادة الفصل بين ما هو معرفي وما هو رمزي، وهو ما يسمح تاليا بفتح المجال فسيحا أمام التشجيع على الابتكارية، أي على مشاريع ذات طابع شمولي (تجمع بين بعد عملي بعينه وبين بعد له صلة بالجوهري). فهل يصلح الذكاء الاصطناعي ما أفسده الذكاء الصناعي؟ هل هي نهاية الكوسموبوليتانية ورد الاعتبار للمكون الأنثروبولوجي في الإنسان؟

التجديد التكنولوجي والتجديد الاجتماعي

في سياق ما يحصل حاليا من تداخل بين المرجعيات خلال عصر ما بعد الصناعة، عصر الألكترونيك، ظهرت أنماط من الاتصال التي من شأنها أن تفتح للرهافة مجالات كانت محل توجس من منظور فاعلية التواصل. ولعله صدورا عن الالتزام بأفضلية خيارات الناس على باقي الخيارات (على الأقل فيما له صلة بالمسائل القصوية ultimes) بادرت عديد الدول الغربية المعاصرة على التوفر لمتابعة تأثيرات التجديد التكنولوجي على التجديد الاجتماعي. ذلك أن تطور الابتكارية في السياق الغربي استدعى قيام أغلب الدول الغربية -منذ سبعينيات القرن الماضي- بإنشاء صناديق لدعم التجديد الاجتماعي في مواجهة التجديد التكنولوجي. وتدقق ‘مرجوي جوان’ هذا الدور فتعيّن خصوصية التجديد الاجتماعي بالقول: “إن وصفنا له بـ’الاجتماعي’ لا يعني أننا نستعمله في هذا المقام مقابلا لـ’الاقتصادي’ وإنما نستعمله لتسمية كلّ تجديد غير تكنولوجي. وهو ترجمة للبعد الإنساني والجماعي الكامن في التجديد. ويشمل حقولا عديدة. ونعني حقل التضامن والعلاقات المهنية، وحقل تغيّرات المجتمع وحقل المنظّمات العمومية والخاصة وأخيرا حقل السّياسة.” ومباشرة بعد هذا التأكيد على الخصوصية الاجتماعية تخلص ‘مرجوي جوان’ للقول: “ويمكن أن نعتبر، في السياق الحاليّ أنّ مفهوم التجديد الاجتماعي يقدّم جوابا بنّاء للرؤية التي تتخذ من الاقتصاد والتكنولوجيا أساسا للتنمية الاقتصادية التي حلم وحققها الليبراليون الجدد. فهو يدافع عن الكيان في ذاته على أنه تضامن وتعاون وتنوع.” بكلام آخر، فإنه ينبغي التدقيق أنه إذا كان التجديد التكنولوجي يدخل الارتباك على العلاقات الاجتماعية القائمة -منذ استقرار الرأسمالية- على نظام التقسيم الاجتماعي للعمل، فإن هذا الارتباك ينبغي أن يكون فرصة لرد الاعتبار لأساسيات الجماعية (les fondamentaux de la sociabilité)، أي لمبادئ التضامن والقرب والمؤانسة. وفي هذا الاتجاه قام -على سبيل الذكر لا الحصر- البيت الأبيض بإنشاء مكتب للتجديد الاجتماعي وأنشأت الدانمارك هيكلا للتجديد يُعرف بـ’مندلاب’، كما أنشأت فنلندا صندوقا لدعم التجديد يُعرف ‘سيترا’ وهو على صورة صندوق ‘أوسيو’ (Oséo) بفرنسا. وهذه المشاريع تستند إلى بعض مبادئ التسيير ونعنى السعي إلى الجدوى والشفافية وغرس روح المسؤولية في الفواعل والمواطنة النشيطة واستعمال تكنولوجيات مركّزة على الأشخاص والشراكة بين العامّ والخاص وهي تشمل الاقتصاد الاجتماعي. وعلى سبيل الاختصار، فإنه بالإمكان القول أن التجديد الاجتماعي الموالي لاعتماد الذكاء الاصطناعي له عنوان كبير: استبدال خيار الدمج الاجتماعي الذي مكنته تاريخيا المطبعة من شروط إمكانه (والذي استند إلى ما أسماه دوركهايم ‘التقسيم الاجتماعي للعمل’) بالدمج الثقافي الشبيه بالذي كان معتمدا في عصور ما قبل الحداثة حين كانت الديانات والطقوس الشعائرية تسمح للجميع بالتوفر على ندية رمزية ذات صلاحية شاملة لكل المجالات ولكل الانتظارات. ومن العوامل المساعدة على هذا الرهان ما قامت به الميديا من تطويرها لذكاء جديد يتميز ببنائه لعلاقات مرنة متخطية لقطبية باث/متقبل وإيجابي/سلبي ومحوّلة، بالتالي، للبنية الحوارية إلى تفاعلية interactivité تقيم علاقة متحركة بين الباث والمتقبل. ومما تتيحه التقنية السمعية البصرية اليوم هو العودة إلى الطابع الشخصي الذي يخاطب كل مستهلك على حدة لبناء علاقة، والتمكن من ذلك بشكل اقتصادي. إذ يمكن اليوم للوسائط الذكية الوصول إلى ملايين الأشخاص برسائل مختلفة لكل فئة من بينهم. وبحكم هذا الطابع القريب والمحايث والحميمي وكذلك العملي ساهمت الوسائط السمعية البصرية في عودة الديني بدلالة البديل عن الصورية الكلاسيكية وما تقتضيه من نخبوية ترسي دعائم تباعد بين الأطراف الاجتماعية يبالغ في احترام نظام المراتب ويتراجع بمستوى آداب التعايش.

أحد مظاهر الصدع الرقمي هو الآن بصدد التدارك. وهو ذاك الذي يفصل بين الأجيال: جيل الأساتذة الأقدم عهدا وجيل الأساتذة الجدد، وجيل الكهول وجيل المراهقين. وخلال السنة الحالية (2022) غادر الجيل الموسوم بحرف ‘Z’ (والذي يمتاز بأنه عرف الأنترنت منذ نشأته) مدارج الجامعة والتحق بعالم الشغل، وهو ما يبشر بثورة ثقافية عميقة في عالم الشغل وفي باقي المجالات.  وعلى قاعدة هذه الخيارات المبدئية سيتجه التجديد عموما إلى الانجذاب إلى الأسفل، إلى القاعدة على نحو متزايد؛ وهو ما يمكن ملاحظته على صعيد التلازم الحاصل بين التطور التكنولوجي وتنامي الجمهرة (la massification) عالميا. خاصة وأن تصور خدمات لا مادية يفترض مسارا تفاعليا ومتكررا قابلا للتعديل بكيفية دقيقة وقابلة ‘للشخصنة’. وهو ما يحيل على تصور لخدمة مركزة على المستعمل (centré utilisateur). وعلى هذا الأساس فإن الكفاءات التي كانت مضمونة بفضل وضعيّتها القانونية وبعلاقاتها بالصالح العام أصبحت تتطلب قدرا كبيرا من الإبداعية، ومنه الدور المتعاظم للمصمم وما يوفره من تصورات قادرة على تحسين الخدمات وتجويدها. ذلك أن الثقافة ليست مكسبا أو منتجا من منتجات التاريخ، وإنما هي إحياء متواصل لكفاءات يتم من خلال بناء منوال الجماعية وكذلك تحويره من أجل تجويده. وللتذكير، فإنه من المعلوم أن الفاعلية الصناعية نشطت في السابق على نحو جعلها تغمر محيط المواطنين بمنتجات تتسم بكونها تحاكي منتجات صناعية أخرى وهو ما يجبر مستعمليها على أن يتعودوا على السلبية وأن تَضمُر فيهم قدراتهم الأصلية على الابداعية (الطفل الذي يلعب بقطار لا يستطيع أن يضيف لبروتوكول اللعبة أي بند، أما الطفل الذي يمتطي عصاه فله حرية أن يجعلها حصانا أو طائرة؛ وعندما يوظف قدر الأكل فله أن يستعمله كمقود سيارة أو عربة حمل أمتعة الخ). ولأن الذي يحكم التعاملات الإنسانية في ‘المجتمع’ الصناعي هو التعاقد، أي الاتفاق الذي لا ينخرط فيه الناس إلا من أجل هدف عملي، فإنه ما يكاد الهدف العملي يغيب عن الذهن حتى ينفرط العقد. وبسبب هذه الناحية النفعية فإن ‘المجتمع’ غالبا ما يتميز بالتظاهر وبالمراوغة. قاعدته العليا هي ‘التأدب’، أي التصنع. ولهذا كان السلوك يتكون من كلمات المجاملة التي يبدو كل شخص من خلالها كأنه حريص على خير الجميع، ويبدو كذلك كأن كل شخص يعتبر كل شخص آخر مساو له، بينما أن كل واحد ينافس الآخرين على كل المزايا. ومقابل كل خدمة يقدمها شخص لآخر، فإنه يتوقع، أو حتى يطالب، شيئا موازيا على الأقل. في المقابل، يستند ‘المجتمع المحلي’ في جانب كبير منه على ما يمكن تسميته ‘الميل الطبيعي’ الذي يجعل من الترابط بين الناس غاية في حد ذاته. من هذا المنطلق البسيط كانت المعاصرة في أصل تحوير على صعيد العلوم الإنسانية أظهر عدم كفاية المقاربة السوسيولوجية وضرورة إرفادها ودعمها بالمنظور الإثنولوجي. والواقع، أن النظرة الزائفة إلى التخصص المهني تعني الاحتقار للمواطنين العاديين، وتولد لغة خاصة تعزل المختص عن ‘زبونه’. فالنوع الخاطئ من التخصص المهني قد يصبح وسيلة لتقسيم المؤسسات إلى فئات منفصلة عن بعضها البعض. وعندما أصبحت كلمة ‘اختصاصي’ تعني خبير فقد تغير مفهوم المهنة ليشير لاحقا إلى وظيفة مستقلة عن المجتمع، ومؤذية له في بعض الأحيان. خاصة وأن للحمق صلة بالموقف الذي يعجز عن التمييز بين ما له أهمية فعلية وما هو بدون أهمية. وأخطر ما في الأمر أن هذا العجز الذي يعطي للحمق شروط إمكانه له صلة عضوية بالاحترافية والمهنية. وفعلا، ضمن كتابه الموسوم ‘نظام التفاهة’، يحيل ‘آلان دونو’ على محاضرة ألقاها إدوارد سعيد عام 1993 واعتبر أن “الخطر الذي يتهدد مثقف اليوم -في الغرب كما في بقية أنحاء العالم – لا يكمن في الجامعة، ولا في الأحياء المحيطة بالمدينة، ولا في التسليع الشنيع للصحافة ودور النشر، وإنما يكمن في موقف عام شامل سوف أسميه ‘المهنية’ professionnalisme”[1] من ناحيته وضع ‘لورنس ج. بيتر’ توصيفا لعلاقة الترابط بين المهنية و’نظام التفاهة’ بصياغته لما سيعرف بـ’مبدأ بيتر’ (The Peter Principle) والمتمثل في أن نظام الارتقاء الوظيفي يساعد أصحاب الكفاءة الاعتيادية على التدرج في السلّم التراتبي للإدارة بشكل ينجح –وفي نفس الوقت- في إزاحة غير الأكفاء وأصحاب الإضافة والمقاربات الأصيلة. ويؤيد ‘آلان دونو’ ما ذهب إليه ‘إدوارد سعيد’ بالاعتماد على الدلالة الاشتقاقية لمصطلح التفاهة بالفرنسية، فيقول: “إن التفاهة (بالفرنسية médiocrité) هو الاسم الذي يشير إلى ما هو متوسّط، تماما مثلما تشير كلمات  supériorité و infériorité  إلى ما هو أعلى وما هو أدنى. ليس هناك لفظ مثل moyenneté  (التوسّط) بالفرنسية. ولكن مصطلح ‘نظام التفاهة’  la médiocratie يفيد المرحلة المتوسطة خلال فعل ينطوي على ما هو أكثر من التوسّط: ّإنه يعني هذه الدرجة الوسطى بعد رفعها إلى مصافّ السلطة. بذلك، فإن ‘نظام التفاهة’  la médiocratie هذا إنما يؤسس لوسط لا يعود فيه المعتاد هو محض توليف مجرّد synthesis يسمح لنا بالوقوف على كُنه الأمور، بل يصبح هو المعيار الذي نُضطرّ للخضوع له. وهكذا، فأن يظنّ المرء نفسه ‘حرا’ ضمن نظام مثل هذا هو أمر لا يعني، في حقيقته، إلا فعالية هذا النظام.”[2] والملاحظ أنّ ‘توكفيل’ استشرف هذا التوجه منذ المنطلق وقبل استفحاله وتحوله إلى نظام قائم الذات ومهيمن على كل مناحي الحياة العملية؛ وقد نبه في هذا الصدد إلى أنه “كلما تقبّل مبدأ تقسيم العمل تطبيقا أكبر، كلّما تقدمت الصنعة، وانحطّ الصانع.”[3] ولعله، من هذا المنظور، أن من علامات الكلاسيكية الرئيسية هو غياب الوعي بهذا الاحراج. ومنه عدم حرصها على استدراج الكتابة نحو الانفتاح على التعددية الثقافية وتصدير هاجس التمحور حول العلاقة الثقافية على هاجس التمحور حول المنتوج بأصنافه (قطعة مفردة، مشغولة، منتوج صناعي .. الخ).

فالثورة الثقافية المطلوبة اليوم من مؤسسات الدولة ومن إدارتها تتطلب الجرأة في تسمية صراع المصالح ضمنها باسمه والحزم في مواجهة الزبونية والطائفية المهنية (corporatisme). والواقع، فإن ما يجعل من السياسة الصرفة خطرا على مآلات المطالب الشعبية هو عجزها عن التعامل مع واقعة أن الدولة ليست شيئا يمكن تدميره بالثورة، بل هي حالة، علاقة معينة بين كائنات بشرية، نمط سلوك إنساني؛ إننا ندمرها بنسج علاقات أخرى، بالتصرف على نحو مغاير. ولهذا، فإنه من شأن ثقافة التعاون الجماعي الجديدة ونسج شبكات التعاون المختلفة أن يصبحا بالغي الفاعلية بما يؤدي إلى المؤسسات الرسمية إلى فقدان سطوتها وتحولها إلى ممارسات غير مواكبة لروح العصر. وعلى هذا الأساس تتسم الحقبة المعاصرة بتوجه يوسم بأنه ‘بوب’ (Pop). والواقع أنه لا تصبح ‘رؤية العالم’ ناجعة سياسيا إلا إذا كانت رؤية ائتلاف طبقات يعارض طبقات أخرى. يبقى إذن رهان تصور صيغة لتشكل ‘كتلة اجتماعية’ قادمة. وتمفصل ‘الجبهة الثقافية’ مع الجبهتين الاقتصادية والاجتماعية القائمتين، تلك هي فكرة ‘غرامشي’ الكبرى. بالنسبة له، كثيرا ما يجد النقابي نفسه في الخط الأول من ‘الجبهة الثقافية’، من خلال المعارك التي ينظمها، إذ يطور موازين القوى ويسمح بذلك بإمكانية قيام عالم آخر. ومعلوم أنه يتأهب الناس للثورة من خلال تغيير طريقة نظرتهم لأنفسهم، وتصبح –تبعا لذلك- المشكلات الخاصة قضايا سياسية، ويطور الناس إرادة جماعية وفهما مشتركا للصراع. ولهذا كانت النقلة من ‘الشعبي’ إلى ‘البوب’ تتطلب توفر القدرة على استدراج بلاغتها نحو الخطاب. ذلك أن التقسيم الاجتماعي للعمل الذي تستند إليه المجتمعات الرأسمالية يقتضي المصادرة على أولوية علاقات التعاقد على علاقات التعاطف، وهي المصادرة التي بررها ‘دركهايم’ بقوله: “إن المجتمعات التي ينشئها تقسيم العمل لا يمكنها ألا تحمل طابعه. إنها لا تستطيع، من حيث أن لها هذا الأصل الخاص، أن تشبه تلك المجتمعات التي ينشئها إغراء الشبيه للشبيه، فإن عليها أن تتكون بشكل آخر، وأن تستند إلى أسس أخرى، وأن تعتمد على عواطف مختلفة.” ومن بين تبعات استيعاب علاقات التعاطف ضمن منطق العلاقات التعاقدية شطب ذلك العجيب الوارد في كلام ‘مالك بن نبي’ عندما لفت النظر –ضمن كتابه ‘مشكلة الثقافة- إلى أن “طبيب وراعي لا يمكن أن يلتقيا في المكونات الخاصة التي تمليها المهنة، ومع ذلك فإنّ هنالك تشابها عجيبا في سلوكهما الخاص، هذا التشابه من أخص الأمور وأهمها في تحديد ثقافة مجتمع معين، هو يحدد في الواقع أسلوب حياة ذلك المجتمع، كما يحدد سلوك أفراده ومدى ما بينهم من تبادل في هذين الجانبين.”

————————————————————–

[1] ) ذكره د. آلان دونو، ضمن كتبه ‘نظام التفاهة’، ترجمة وتعليق د. مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال؟، الطبعة الأولى، 2020، ص 82 .

[2] ) آلان دونو، ضمن كتبه ‘نظام التفاهة’، ترجمة وتعليق د. مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال؟، الطبعة الأولى، 2020، صص 70-71 .

[3]) ذكره إميل دركهايم، في تقسيم العمل الاجتماعي، ترجمه من الفرنسية إلى العربية حافظ الجمالي، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت 1982، ص 56 .

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *