الدكتور مهند داود الساعدي: جدلية الفن والمعرفة.
الدكتور مهند الداود راضي الساعدي نموذج متميز للفنان الباحث الذي استطاع أن يجمع بين الممارسة الإبداعية والتأمل الأكاديمي، حيث تتقاطع في تجربته الفنون التشكيلية مع فلسفة الاتصال البصري والثقافة البصرية. وتنبع أهمية تجربته من قدرته على تحويل العمل الفني من مجرد ممارسة جمالية إلى مشروع معرفي يسعى إلى إنتاج المعنى واستكشاف أبعاد الصورة بوصفها خطابا ثقافيا وفكريا.

حصل الساعدي على تكوين أكاديمي متنوع يجمع بين الرسم والتصميم الجرافيكي وفلسفة الاتصال البصري والعلاج بالفن، وهو ما منح مشروعه الإبداعي أفقا متعدد التخصصات. فالدكتوراه التي نالها في فلسفة الاتصال البصري، إلى جانب دراساته في التصميم والرسم، أسهمت في بناء رؤية فنية تتجاوز حدود التمثيل البصري نحو مساءلة آليات إنتاج الدلالة داخل الصورة وعلاقتها بالمتلقي والمجتمع.

تتجلى هذه الرؤية في اهتماماته البحثية التي تركز على السيمياء البصرية والسرد المرئي والهوية البصرية وفلسفة الصورة. فقد نشر أبحاثا علمية محكمة ومفهرسة ضمن قاعدة Scopus، تناولت موضوعات ترتبط بقراءة الخطاب البصري وتحليل تمثلاته الثقافية والاجتماعية، الأمر الذي يعكس وعيا بأهمية الصورة في تشكيل الإدراك المعاصر وإنتاج المعنى داخل الفضاء الثقافي.

أما على المستوى التشكيلي، فتكشف أعماله عن حساسية جمالية تستلهم الذاكرة والهوية والتحولات الثقافية. وتتنوع موضوعاته بين المشاهد العمرانية والبيئات التراثية والرموز الإنسانية والتجريدات اللونية التي تستحضر أبعادا وجدانية وفكرية في آن واحد. كما أن معالجته اللونية وتكوينه البصري يعكسان خبرة طويلة تمتد منذ ثمانينيات القرن الماضي، تجسدت في معارض شخصية ومشاركات عربية ودولية عديدة.

وتكمن خصوصية تجربة الساعدي في إيمانه بأن الفن ليس مرآة للواقع فحسب، بل وسيلة لإعادة تأويله وبناء رؤى جديدة حوله. فالصورة لديه ليست شكلا جماليا مجردا وإنما خطاب ثقافي قادر على تفكيك البنى السائدة وفتح آفاق جديدة للتفكير. ومن هنا تبدو أعماله امتداداً لمشروع فكري يزاوج بين الحس الجمالي والبعد النقدي، ويمنح المتلقي فرصة للمشاركة في إنتاج الدلالة.

إن تجربة الدكتور مهند الداود الساعدي تندرج ضمن التجارب العربية المعاصرة التي نجحت في تجاوز الفصل التقليدي بين الفنان والباحث، مقدمة نموذجا للمثقف البصري الذي يوظف المعرفة الأكاديمية في إثراء الممارسة الفنية، ويجعل من الفن مجالا للحوار بين الجمال والفكر، وبين الإبداع والبحث العلمي. وبذلك يرسخ حضوره بوصفه فناناً وباحثاً يسهم في تطوير الخطاب التشكيلي العربي وتعميق الوعي بأهمية الثقافة البصرية في العصر الحديث.


الدكتور مهند داود راضي الساعدي: مسيرة أكاديمية وفنية في خدمة الثقافة البصرية
يعتبر الدكتور مهند داود راضي الساعدي واحدا من الأسماء البارزة في مجال الفنون البصرية والاتصال البصري في العالم العربي، حيث استطاع أن يجمع بين الممارسة الفنية والبحث الأكاديمي في تجربة متكاملة توازي بين الإبداع والمعرفة. فقد كرّس مسيرته العلمية والمهنية لدراسة فلسفة الاتصال البصري والتصميم الغرافيكي والثقافة البصرية، مساهما في تطوير هذا الحقل المعرفي من خلال التدريس والبحث والتأليف والمشاركة الفاعلة في الأنشطة الثقافية والفنية.

حصل الدكتور الساعدي على درجة الدكتوراه في فلسفة الاتصال البصري من كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، كما نال درجة الماجستير في التصميم الغرافيكي من جامعة الشرق الأوسط بالأردن، وسبق ذلك حصوله على شهادة البكالوريوس في الرسم من كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد. تعكس هذه المسيرة الأكاديمية المتنوعة اهتمامه العميق بالفنون البصرية كمجال معرفي وجمالي وثقافي يتجاوز حدود الممارسة التقنية إلى فضاءات الفكر والنقد والتحليل. كما حصل على دكتوراه فخرية من المركز الدولي للإعلام والاتصال بالقاهرة تقديرا لإسهاماته العلمية والثقافية.
على المستوى الأكاديمي، شغل الدكتور الساعدي منصب أستاذ مساعد في جامعة إربد الأهلية بكلية الآداب والفنون، كما عمل عضوا في الهيئة التدريسية بكلية الخوارزمي الجامعة التقنية في عمان. إلى جانب ذلك، مارس التدريس والمحاضرة في عدد من الجامعات والأكاديميات المتخصصة في الفنون البصرية، مما أتاح له الإسهام في تأطير أجيال جديدة من الفنانين والمصممين والباحثين. عرف كذلك بنشاطه في مجال الثقافة البصرية وعلم الجمال، إذ قدم العديد من المحاضرات والندوات التي تناولت قضايا الفن المعاصر والهوية البصرية والتواصل الثقافي.
وتتجلى مكانة الدكتور الساعدي المهنية من خلال عضويته في عدد من الهيئات والمؤسسات الفنية والثقافية، من بينها جمعية التشكيليين العراقيين، ونقابة الفنانين العراقيين، ورابطة الفنانين الأردنيين. كما يُعد عضوا مؤسسا في منتدى النخب والكفاءات العراقية ضمن لجنة الثقافة والفنون، إضافة إلى عمله سفيرا ومستشارا فنيا في الجمعية الوطنية لتأطير الشباب بتونس. تعكس هذه العضويات حضوره الفاعل في المشهد الثقافي العربي وسعيه إلى تعزيز الحوار الفني وتبادل الخبرات بين المبدعين والباحثين.
في مجال البحث العلمي، قدم الدكتور الساعدي إسهامات مهمة في الدراسات البصرية والسيميائية. ومن أبرز أبحاثه الحديثة الدراسة المنشورة سنة 2026 ضمن مجلة مفهرسة في قاعدة بيانات سكوبس، والتي تناولت تمثلات الطفولة في خطاب الأزمات من خلال قراءة سيميائية بصرية ولسانية للفيلم الوثائقي «أطفال داعش: لا أمل في المستقبل». كما نشر أبحاثا أخرى تناولت الجوانب الفلسفية والمعايير التصميمية في الرسوم المتتابعة، والتصميم التيبوغرافي ودوره في تأصيل الهوية البصرية ونشر الوعي الثقافي. وتكشف هذه الدراسات عن اهتمامه البالغ بالعلاقة بين الصورة والمعنى، وبين التصميم والهوية، في سياق التحولات الثقافية والاجتماعية المعاصرة.
أما في مجال التأليف، فقد أغنى المكتبة العربية بعدد من المؤلفات المتخصصة، من بينها كتاب «التغريب في الإعلان»، الذي يناقش الأبعاد الثقافية والجمالية للخطاب الإعلاني، و«موسوعة الفنانين التشكيليين العرب» التي تمثل مرجعا مهما لتوثيق التجارب التشكيلية العربية. كما يمتلك سجلا فنيا حافلا بالمعارض الشخصية والجماعية، بدأه منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وواصل من خلاله حضوره في الساحة الفنية العراقية والعربية، مشاركاً في عشرات المعارض المحلية والدولية.
تمثل تجربة الدكتور مهند داود راضي الساعدي نموذجا للمثقف والفنان الأكاديمي الذي توفق في الجمع بين الإبداع الفني والبحث العلمي والعمل الثقافي. فمن خلال رؤيته الفكرية وإطلالاته المتعددة، أسهم في ترسيخ مكانة الثقافة البصرية باعتبارها أداة لإدراك العالم وإعادة إنتاج المعنى، مؤكدا أن الفن ليس ممارسة جمالية فحسب ، بل هو أيضا فعل معرفي وحضاري قادر على تشكيل الوعي وتطوير المجتمعات.
