بِالسُّكونِ الضّاربِ صَخَباً في الأعماق
وَحِيدانِ
على السّاحِلِ البَحريّ
في مَمشانا على حافّةِ الأرض..
ظِلّانِِ في إِثرِ أقدامنا على الرّمل
ورجعٌ في مَسامِعنا
مِن لُهاثِ المَوجِ
في تَجاويفِ الخُلجان..
ما مِن أحَدٍ غَيرُنا
يًعرفُنا مَن نَكُون
بِكلِّ هذا السُّكونِ الضّارِبِ
صَخَباً في الأعماق،
وَيَرانا نَنتَشي في رَشفَةِ كَأسٍ
مِن رَحيقِ القَلبِ ورَوحِ الغُيوم..
هُنا على الشّطِّ
نُحنُ الوحيدان
نَهمِي في غَبَشِ الوَقتِ
بانبِجاسِ الضّوءِ الواجِمِ في العُيُون،
نَهذِي في وَلهِ الصّمتِ
بانحِباسِ الحَرفِ الرّاجِفِ على الشّفاه..
لم يَجفُلِ البَحرُ من مَدِّ الجَزرِ بَينَنا
حين ذُبنا في رَعشَةٍ دافِقَةٍ
من دِفءِ الخُلجان،
ولم تَسقُطِ السّماءُ على أكتافنا
حين لُذنا بِظلّينا في عُريِ المكان،
فقط كانَ مِن هَولِ صَمتِنا
أن حَطّ نَورسٌ بِقُربِنا واستَكان..
كنّا وَحيدَينِ
في سَديمِنا الرّحيب
نضِجّ بِصَخَبِنا المَكتومِ
في هَدأةِ السُّكون..
وما مِن خَلفيّةٍ لِلمَشهَدِ القُرمُزِيِّ
بِأفُولِ الشّمسِ في أحداقنا
سوى صَفيرِ الرّيحِ والهدير..
وبَعضٍ من شُرودِنا العالِقِ
بأسرابٍ مُجَنّحَةٍ
خَلفَ سَفينَةٍ مُبحِرَة
من مَرفَأٍ قريبٍ لأفقٍ بَعيد..
كنّا وحيدين..
وهناك على الرّمل
من صَمتِنا يَتَمدّدُ بياضُ اللحظةِ
في أديمِ الفراغ..
بينَنا كِتابٌ عَن حَيرَةِ الحُبِّ
وأغنيَةٌ مَبحُوحَة بِغَصّةِ المَوجِ
في لجَّةِ العُباب،
وًللغروبِ على الشّاطِئِ
تهويمَةٌ قُبلَةٍ مَغشِيّةٍ
أوّلَ الليلِ بما يُشبِهُ الجنون،
أو كتلَةُ نُورٍ نَتماوَجُ في مرايا الماء
مُفعَمَينِ بِشهقَةِ الرُّوحِ
على سَريرِ المَساء…
قَبلَ هذا البَحرِ
لم يَكن لنا في العُمرِ
على شَفيرِ الكأس
غَيرُ هَمسِنا المَبلولِ
بِرَذاذٍ مِن حَوافّ الشطآن،
وبقايا شُعاعٍ فاتِرٍ
من ناصِيَةِ قرصٍ آفِل
على مِهادِ السّواحِل
وحُقولِ النّخيل..
قَبل هذا العُمرِ
لم يَكن لنا في البَحرِ
مِن نَشيشِ الشّمسِ
غَيرُ يَدِ اللهِ تَنغَمِسُ بقلب الظلام،
تَبعَثُنا رُوحَينِ مُشِعّينِ
على سَعَفِ الجَريدِ
نَتَوَشّى قبَساً وامِضاً
من خَلفِ السّحاب،
وتُسنِدُنا على أعتابِ الليل
قَمَرينِ عالِقَينِ بِمشجَبِ الغَمام..
وكما في حُلمٍ
من عُريِ المكان
صَمتٌ يَتَبَدَّدُ بَينَنا وَحِيدَينِ
في أدِيمِ الفراغ،
وكأنّي نَورَسٌ مِن تَعَبِ المَوجِ
على صَدرِكِ استكانَ وَنام..
هي ذي يَدُك بيَدي
ضَفيرَةٌ من أصابعنا
بِكفّينا تُمسّدُ غرّةَ المساء،
وخُيوطٌ من شُعاع أَوّلِ الليلِ
تَرتَسِمُ على جَسَدَينا
أعراشَ باقة مِن حَدائِقِ السّماء..
بَينما البَحرُ لا يزال
يُطالِعُني بِشطوطِ عَينَيكِ
غَريقاً في دَهشَتِهِ الزّرقاء..
