موكادور… مدينة النوارس ورياح الثقافات

موكادور… مدينة النوارس ورياح الثقافات

في حضن الأطلسي، تمتد الصويرة كقصيدة طويلة كتبتها الرياح على صفحة البحر. سماؤها مسرح أبدي للنوارس، ترسم برقصاتها وسيمفونياتها ملامح نهار لا يشبه سواه. بين الحين والآخر، تشاكس هذه الطيور رداء الرياح بمناقيرها، فتتشكل فتحات الضوء على صفحة الموج، وكأن البحر يفتح نوافذه الصغيرة للسماء. والرياح، في المقابل، تداعب أجنحتها بحنو غريب، كما لو كانت تحركها في رقصة أزلية.

لكن هذا الجموح، سرعان ما يلين عند المساء، حين تتحول الرياح إلى نسمات حانية تلتف حول أعناق العاشقين، وتطيل عناقهم. على الشاطئ، تكتب بالموج على الرمل رسائل سرية، لا يقرأها إلا من يعرف لغة البحر.

هنا، تختلط الأصوات كما تختلط الأزمنة. نداء المؤذن يتجاور مع رنين نواقيس الكنائس، وفي الأزقة الضيقة تتسرب أنغام كناوة، بآلتها العتيقة السنتير، التي تصدر أنينًا ممزوجًا بالتضرع، وكأن أوتارها صنعت من أربطة أطراف العبيد الذين حملتهم السفن قسرًا من قلب إفريقيا. صوت الإيقاع المعدني المصاحب لها « القراقب”يذكر بصرير القيود، أما الكلمات، فهي ابتهالات تستحضر الأرواح الحامية، وتستعيد الوطن البعيد: “ميمون، بامبارا…”.

على سفوح أبراجها، التي تحاكي حصون سان مالو في شمال فرنسا، تتحطم أمواج عاتية تزداد قوة كلما زمجرت الرياح. وبين الأزقة، يسكن التناغم: مقاهٍ شعبية بجوار مطاعم راقية، دكاكين للتحف والملابس التقليدية بمحاذاة مراسم الفنانين التشكيليين. هنا، يلتقي الإبداع المحلي بالذوق العالمي، وتجد أعمال فنانين مغاربة وأجانب تتقاسم الجدران والأروقة.

وممشى السقالة طقس لا غنى عنه، حيث يقف الزائر عند الغروب، يشاهد جزيرة موكادور، التي كانت يومًا سجنًا ومحطة أولى للعبيد قبل دخولهم المدينة. بين الدهاليز السفلية للسقالة هاته، يمكن استحضار مشاهد فيلم عطيل لأورسن ويلز، الذي صور هنا وحاز باسم المغرب جائزة الأوسكار.

وعند الرحيل، تبقى الصويرة في القلب كمدٍّ لا ينحسر،
تتردّد في الذاكرة أجنحة النوارس،
وصوت الريح يعيد ترتيب الحنين على هيئة نغمة بحرية.
كأن الموج يلوّح لك بيدٍ مزينة بحناء من ملح ورمل،
ويهمس: “من عرف طريق موكادور… لا يضلّ عن الشاطئ أبدًا”

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *