حين ضاقت الأرض بأحلام الإنسان رفعها إلى السماء …..
كم مرة قرأنا الأساطير القديمة كما لو أنها كتبٌ تحاول أن تخبرنا عن الآلهة؟
نبحث عن أسماء الآلهة، وأنسابها، وحروبها، ورموزها، ثم نغلق الكتاب معتقدين أننا عرفنا شيئًا عن السماء….!
لكن ماذا لو كان السؤال كله معكوسًا؟
ماذا لو لم تكن الأساطير، منذ بدايتها، محاولةً لفهم السماء ……!
بل محاولةً لفهم الإنسان؟
ذلك أن الإنسان لم يكن يومًا قادرًا على الهروب من نفسه، حتى وهو يتخيل عالماً لا يشبه الأرض. كان يستطيع أن يخلق آلهةً لا تعرف الأسرة، ولا الحب، ولا الأخوة، ولا الحوار، لكنه لم يفعل. في حضارات متباعدة، يفصل بينها آلاف الكيلومترات ومئات السنين، نجد أبًا وأمًا، وأخًا وأختًا، وزوجًا وزوجة، وأبناءً، وخصومات، ومصالحات، وغيرة، ووفاء، وكأن الإنسان، كلما رفع بصره إلى السماء، حمل معه بيته أيضًا.
ولعل السؤال الحقيقي ليس :
من كانت آلهة الإنسان ؟
بل:
أي صورة للإنسان رأى أنها تستحق أن يرفعها إلى السماء؟
فالإنسان لا يمنح عالمه الإلهي ما يحتقره.
ولا يخلّد ما يراه تافهًا.
حين يبني عالمًا كاملًا، فإنه يحتفظ له بأغلى ما يملك، أو على الأقل بأجمل ما كان يتمنى أن يملكه.
لهذا لا أقرأ الأساطير باعتبارها تاريخًا للآلهة.
بل باعتبارها تاريخًا للأحلام.
الأحلام التي لم يجد الإنسان مكانًا يحفظها فيه إلا السماء. ومن هنا بدأت أنظر إلى النصوص القديمة بطريقة مختلفة.
لم أعد أسأل :
من هو إله الشمس ؟
ومن هي إلهة الحب إينانا ؟
فهذه أسئلة تجيب عنها كتب التاريخ.
أما السؤال الذي ظل يطاردني كثيراً فهو :
لماذا اختار الإنسان أن يجعل آلهته تتحدث بهذه الطريقة؟
ولماذا حين تخيل العالم الكامل لم يجعله عالمًا للقوة وحدها بل عالمًا للعائلة أيضًا ؟
كلما ازددت قراءتي للنصوص الرافدينية، ازددت يقينًا أن التفاصيل الصغيرة هي أكثر ما يكشف الحضارات.
فالملوك يكتبون انتصاراتهم.
والجيوش تكتب حروبها.
أما الإنسان العادي، فيترك نفسه في التفاصيل التي لا يقصد أن يشرحها.
ولهذا كثيرًا ما تخبرنا جملة عابرة عن حضارة كاملة، أكثر مما يخبرنا نقش طويل يمجد ملكًا.
ومن بين عشرات بل الآلاف النصوص التي وصلت إلينا من بلاد الرافدين، استوقفني حوار صغير جدًا.
ليس لأنه يتحدث عن الآلهة.
بل لأنه يكاد ينسى أنه يتحدث عنهم.
لا يبدأ النص بخلق الكون.
ولا بصراع بين الآلهة.
ولا بعقوبة للبشر.
بل يبدأ داخل بيت.
أخ …
يسأل أخته :
” ماذا كنتِ تفعلين في البيت ؟”
للوهلة الأولى يبدو السؤال عاديًا.
لكن لو حذفنا أسماء الشخصيات، وأخفينا تاريخ النص لما خطر ببال أحد أنه يقرأ حوارًا يعود إلى أكثر من أربعة آلاف عام.
الأخت لا ترتبك.
ولا تخاف.
ولا تبرر نفسها.
بل تتحدث كما يتحدث إنسان يشعر بالأمان.
تقول إنها اغتسلت.
وفركت جسدها بالصابون.
ودهنت بشرتها بالزيت العطر.
ووضعت الكحل في عينيها.
وسرحت شعرها.
واختارت قلائدها وخواتمها.
ثم تخبره أنها تستعد للقاء الرجل الذي تنتظره.
هنا توقفت عن متابعة الكلمات.
ليس لأن النص انتهى ….
بل لأنني شعرت أنني لم أعد أقرأ عن الآلهة أصلًا.
كنت أقرأ عن الإنسان.
فلماذا اختار الكاتب أن يجعل أول ما يلفت انتباهنا في العالم الإلهي ليس القوة ولا الهيبة ولا السلطة بل علاقة أخ بأخته ؟
ولماذا اختار أن تبدأ القصة بحوار لا بأمر ؟
وبسؤال لا بتهديد ؟
وبثقة لا بخوف ؟
هذه الأسئلة في تقديري أهم من أسماء الآلهة نفسها.
لأن أسماء الآلهة تخبرنا عن المعتقد.
أما طريقة حديثها فتخبرنا عن الإنسان الذي تخيلها.
وهنا في رأيي تبدأ القراءة الحقيقية للأسطورة.
فالأسطورة ليست نافذة على السماء فقط.
إنها مرآة للأرض أيضًا.
بل ربما كانت، في كثير من الأحيان، مرآة للإنسان وهو يحاول أن يرسم أجمل نسخة من نفسه.
ولهذا لا ينبغي أن نستعجل في تحويل هذا الحوار إلى وثيقة اجتماعية، فنقول إن كل أسر بلاد الرافدين كانت تعيش بهذه الصورة.
فهذا ما لا يستطيع نص أدبي واحد أن يثبته.
لكننا نستطيع أن نقول شيئًا آخر، لا يقل أهمية.
إن الكاتب، حين أراد أن يصف عالمًا يليق بالآلهة،
لم يختر أن يملأه بالخوف.
بل ملأه بالحوار.
ولم يختر أن يجعل الأخ رمزًا للسلطة.
بل جعله شريكًا في فرحة أخته.
وهنا، مهما اختلفت قراءاتنا، يبقى السؤال قائمًا :
لماذا رأى أن هذه الصورة وحدها تستحق أن تُرفع إلى السماء؟
لقد اعتدنا، عند قراءة الأساطير، أن ننشغل بما إذا كانت شخصياتها قد وُجدت فعلًا، أو بما ترمز إليه، أو بما تقوله عن الآلهة.
لكننا نغفل سؤالًا آخر.
من الذي كتب هذه الشخصيات أصلًا ؟
إنه الإنسان.
ولهذا، فإن كل شخصية إلهية تحمل، في مكان ما، بصمة الإنسان الذي تخيلها.
ولهذا السبب لا أعتقد أن القيمة الكبرى لهذا النص تكمن في أنه يخبرنا أن أهل بلاد الرافدين عرفوا الصابون، أو استعملوا الزيوت العطرية، أو أحبوا الكحل، أو اهتموا بالحلي.
كل هذه تفاصيل ثمينة بلا شك.
لكنها ليست قلب النص.
القلب الحقيقي يكمن في أنها ذُكرت وكأنها أشياء لا تستحق الشرح.
وهنا تبدأ الحضارة بالكلام.
فالحضارات لا تكشف نفسها فيما تعلنه عن ذاتها.
بل فيما تعتبره أمرًا بديهيًا. حين تتحدث إينانا عن الاستحمام، فهي لا تقدم اكتشافًا جديدًا.
وحين تتحدث عن الزيت، فهي لا تعلم أحدًا كيف يعتني بجسده. وحين تصف شعرها، فهي لا تكتب قصيدة في الجمال. إنها تتصرف كما يتصرف أي إنسان يتحدث عن تفاصيل يومه.
وهذا هو الاكتشاف الحقيقي.
أن هذه التفاصيل كانت من طبيعة الحياة، لا من غرائبها.
لكن أكثر ما شدني في النص لم يكن حديث إينانا.
بل حديث أوتو.
لقد كان الكاتب قادرًا على أن يجعل الأخ رمزًا للقوة.
وكان قادرًا على أن يجعله يقرر، ويأمر، ويمنع، ويحاسب.
وكان يستطيع أن يجعل الحوار كله يدور حول السلطة.
لكنه لم يفعل.
بل جعله يسأل.
ثم يستمع.
ثم يطمئن.
ثم يخبر أخته أنه ذهب يبحث لها عن الرجل الذي يليق بقلبها. ولعل هذه الجملة وحدها تستحق أن نتوقف عندها طويلًا. ليس لأنها تثبت كيف كان الزواج في بلاد الرافدين. فهذا استنتاج لا يستطيع هذا النص وحده أن يحمله.
لكنها تكشف شيئًا آخر.
أن الكاتب رأى في هذه الصورة نموذجًا يليق بأن ينسبه إلى العالم الإلهي. وهذا، في رأيي، أهم بكثير من أي معلومة تاريخية منفردة.
فالأسطورة لا تقول لنا دائمًا كيف عاش الناس.
لكنها كثيرًا ما تقول لنا كيف تمنوا أن يعيشوا.
وربما لهذا لا أرى في هذا الحوار مجرد قصة بين إله الشمس وإلهة الحب.
بل أرى فيه محاولة إنسانية قديمة لرسم العالم الذي يستحق أن يكون.
عالم لا يبدأ بالخوف.
بل بالثقة.
ولا يبدأ بالقوة.
بل بالحوار.
ولا يبدأ بالسلطة.
بل بالعلاقة.
ومن هنا، ربما نفهم لماذا امتلأت أساطير البشر بالأسر، والآباء، والأمهات، والأبناء، والإخوة.
ليس لأن السماء كانت تشبه الأرض.
بل لأن الإنسان، وهو يرسم السماء، لم يجد أجمل من بيته ليحمله إليها.
لقد رفع إلى السماء ما كان يخشى أن يفقده على الأرض.
رفع الحب.
ورفع الأسرة.
ورفع الحوار.
ورفع الأمل في أن تكون العلاقات الإنسانية أرقى مما هي عليه في الواقع.
وربما لهذا بقي هذا الحوار حيًا بعد أكثر من أربعة آلاف عام.
لا لأنه يخبرنا ماذا كانت تفعل الآلهة.
بل لأنه يخبرنا ماذا كان الإنسان يتمنى أن يكون.
وقبل أن نحكم على هذه الكلمات بأنها مجرد أسطورة، ربما يجدر بنا أن نتذكر أن الأساطير ليست كتبًا في العقائد فقط.
إنها أيضًا كتب في أحلام الإنسان.
ولهذا، فإنني لا أقرأ هذا اللوح الطيني لأتعرف إلى أوتو وإينانا.
بل لأتعرف إلى الكاتب المجهول الذي عاش قبل آلاف السنين، وجلس يومًا ليكتب عن السماء، فإذا به، من حيث لا يقصد، يكتب عن الإنسان.
ولهذا أدعوك الآن إلى أن تقرأ النص السومري بنفسك.
لكن اقرأه كما لو أنك لا تبحث عن الآلهة.
ابحث عن الإنسان المختبئ بين كلماتها.
واسأل نفسك، بعد أن تنتهي:
إذا كانت كل حضارة قد رفعت إلى السماء أجمل ما كانت تؤمن به…
فما الذي نرفعه نحن اليوم؟
ربما لا نستطيع أن نعرف كيف كانت كل بيوت بلاد الرافدين.
لكننا نستطيع أن نقرأ البيت الذي اختار كاتبٌ سومري أن يرفعه إلى السماء.
ولعل هذا وحده يكفي لأن نقرأ الحوار الآتي بعين مختلفة.
***** النــص الســــــومري *****
أوتو / الشمس :
يا أختي، ماذا كنتِ تفعلين في المنزل؟
يا صغيرتي، ماذا كنتِ تفعلين في المنزل؟
إينانا:
كنتُ أستحم برذاذ الماء، وأفرك جسدي بالصابون.
استحممتُ برذاذ الماء من الإبريق النحاسي اللامع.
وفركتُ جسدي بالصابون من جرة الحجر البراقة.
ودهنتُ جسدي بالزيت الحلو.
وارتديتُ ردائي الملكي، رداء ملوكية السماء.
وتنقلتُ في أنحاء المنزل مزهوةً بجمالي.
ووضعتُ الكحل في عيني.
وأسدلتُ شعري خلف رقبتي، وشددته أسفل خصري.
كان شعري مبتلًا بالماء.
واخترتُ شعري ليكون سلاحي الذي سيجعل سنوات حكمي سارةً له.
وأسدلتُ شعر رأسي المتشابك.
ووضعتُ خواتم الذهب في أصابعي.
وعلقتُ قلائد خرز الحجر الملون البراق الصغير حول عنقي.
أوتو:
يا أختي، لأجل قلبك ذهبتُ لأجد لك الرجل المناسب.
ولقلبك النقي المحب ذهبتُ وبحثت.
إلهتكِ الحارسة منحتكِ الجمال، والصحة، والأزهار.
يا شقيقتي، يا نجمةً مشعة.
أنتِ عسل الأم التي ولدتك.
والتي أتقنت صنع شكلك.
هو يريد أن يأتي.
يا أختي السارة المتألقة.
